أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

تفجيرات القامشلي.. من المستفيد؟*

مقاتل كردي - أرشيف

قبل التحدث عن التفجيرات المشبوهة التي حدثت في مدينة القامشلي، والبحث في ظروفها وما سبقها من أحداث، والجهة التي يمكن أن تستفيد من هذه التفجيرات، دعونا نلقِ نظرة تاريخية وديموغرافية مختصرة عن مدينة القامشلي. 

مدينة القامشلي مدينة حدودية نشأت سنة 1928م في الشمال الشرقي من سورية، وضع الفرنسيون مخططها التنظيمي الأول سنة 1926م لتستقطب منذ ذلك التاريخ مئات العوائل من مختلف الأطياف والفارين من الجيش الكمالي والأوضاع الاقتصادية المتردية مقارنة مع منطقة الجزيرة التي شهدت منذ الثلاثينات ثورة زراعية كبيرة لم تشهد لها المنطقة من قبل.

تتبع القامشلي إدارياً لمحافظة الحسكة، يبلغ عدد سكانها نحو 184213 نسمة وفق الإحصاء السكاني لعام 2004، وهم خليط من العرب والأكراد والسريان، يقدر فيها اليوم المكون الكردي بنحو 41% والمكون العربي 32% والمكون المسيحي 27%، في حين أن النسبة كانت زمن الفرنسيين مختلفة تماماً، فالإحصائية الفرنسية لسنة 1939م تظهر أن المكون الأكبر كان السرياني ويشكل 44.8% يليه المكون العربي ويشكل 25.3% ، ويليهم المكون الكردي ويشكل 18.7% ثم الأرمني ويشكل 11%. وهذا أمر معقول في ظل تجمع السريان والأرمن القادمين من تركيا في المدينة، في الوقت الذي كانت معظم العشائر فيه في الأرياف (ولا تزال).

ومع هجرة المكون المسيحي بدءً من السبعينات، إضافة إلى انتقال ابناء الريف للعيش في المدن الحديثة النشأة، تبدلت التركيبة السكانية وفق ما أوضحناه.

*التفجيرات الأخيرة .. الضحية والجاني
-التفجير الأول 
كانت ميليشيات ما يسمى بـ"آسايش" التابعة لحزب العمال الكردستاني قد استبقت التفجيرات التي استهدفت حي الوسطى (الحي ذو الغالبية المسيحية في القامشلي) بتاريخ 30-12-2015، بإصدار بيان عبر موقعها الإلكتروني قبيل التفجيرات بساعات، حذرت فيه من التجمع في (المقاهي والمطاعم) والاحتفال رأس السنة لكي لا يتم استهدافهم من قبل "داعش"، وفعلاً خلال ساعات حدثت التفجيرات التي استهدفت (مقهى ومطعما) في الحي، وأوقعت نحو 16 قتيلاً وأكثر من 30 جريح، وقد أعلنت وكالات الإعلام التابعة للقوات الكردية حينها بأن تنظيم داعش تبنى العمليات عبر وكالة أعماق التابعة له. 
النظام بدوره كان مستعداً للحدث، وقام بتغطية الحدث "الإرهابي" وأظهر تألمه الشديد على ضحايا الوطن الذين تم لفهم بعلم الوطن، بحضور محافظ الحسكة وقادة الفروع الأمنية والعسكرية وقيادات حزب البعث العربي الاشتراكي.
يضاف إلى ذلك تغطية قنوات النظام للحدث بشكل مباشر، فقد نشرت قناة (ANNA News) الروسية يوم أمس الأحد تقريراً عرضت فيه تصويراً قامت به في الحي في المقاهي والمطاعم قبيل التفجير بيوم، تخللته لقطات من الساعات الأولى من التفجير وأثناء تشييع الضحايا بوجود قيادات حزبية وأمنية للنظام، وفي المشفى الوطني في القامشلي لرصد القتلى، واتهمت القناة من خلال التقرير المصور عناصر أمريكية تم رصدها في الحي (وفق ادعائها) بأنها تقف وراء التفجير.
رسائل وملاحظات على التفجير الأول: 
كانت هناك عدة رسائل أراد النظام وقوات الحماية الكردية تمريرها من خلال التفجير الأول، وهناك عدد من الملاحظات أيضاً ونلخصها بالآتي:
1-رسالة النظام واضحة بأنه حامي الأقليات المستهدفة مثله من قبل الإرهابيين، وأنه الضمانة لهم، وأن الأقليات تثق بالنظام وترفع رايته وتحتمي به. وتلخص ذلك بالحضور الواسع من القيادات الأمنية والحزبية للنظام.
2-رسالة الوحدات الكردية: تملك سلطة، وأجهزة أمن تستشعر الهجمات قبل وقوعها بساعات، خاصة التي تستهدف التجمعات التي تريد الوحدات الكردية بإسكاتها، كتجمع المسيحيين في الأعياد، وتجمعات الأحزاب الكردية المناوئة التي تم استهدافها بتفجير في عيد النيروز بعد تحذيرات أطلقتها قوات العمال الكردستاني قبيل ساعات ايضاً من التفجير، وكالعادة تبنت داعش المسؤولية. 

*أزمة الحواجز والتفجير الثاني!
على إثر تفجيرات رأس السنة في حي الوسطى، قامت ميليشيات السوتورو المسيحية التابعة للنظام والمتحالفة مع قوات الحماية الكردية بإغلاق الحي المسيحي بحواجز اسمنتية، ومنعت مرور أي آلية أو شخص إلى داخل الحي إلى بعد التأكد من الهوية والتفتيش بما فيها الآليات التابعة للقوات الكردية، في 12-1-2016م قامت وحدات "آسايش" الكردية بمحاولة إزالة الحواجز عبر الهجوم المسلح، الأمر الذي أسقط قتيلاً على الأقل وهو كابي داوود، وجرح 3 آخرين. الأمر الذي استدعى تدخلاً وجهوداً للمصالحة قامت بها أطراف محسوبة على النظام، وجرت المصالحة برعاية البطرياك أفرام الثاني راعي الكنيسة السريانية المقرب من النظام السوري. والذي كان قد عقد اجتماع مع القيادات الأمنية والحزبية ومحافظ الحسكة في القامشلي عشية المصالحة.
في الوقت ذاته قامت القوات الكردية بتصرف مناقض في الأحياء العربية، حيث سعت إلى إغلاق الأحياء العربية "كحي طي" الواقع تحت سيطرة قوات الدفاع الوطني بحواجز إسمنتية، لمنع خروج ودخول الآليات إليه الأمر الذي تسبب بمعاناة للأهالي.
وعلى إثر خروج مظاهرة من الأهالي ضد هذه الحواجز أطلقت على إثرها قوات الحماية الكردية النيران مما تسبب بسقوط ثلاثة من الأهالي، وسارعت القوات الكردية بتحميل قوات الدفاع الوطني المسؤولية عن الحادثة وأنهم من أطلق النار من الخلف على المتظاهرين، وأن إغلاقهم الحي لدواعي أمنية خوفاً من انطلاق سيارات مفخخة من الحي.
لم تمضِ ثلاثة أيام على حادثة الاعتداء على الحي العربي الذي تسبب باحتقان شديد تمت إزالة حاجز القوات الكردية على أساسها لامتصاص الغضب، حتى حدث انفجار استهدف مجدداً في الحي المسيحي موقعاً ثلاثة قتلى وتسعة من الجرحى، مع مسارعة القوات الكردية لإصدار بيان تتهم فيه جيش الدفاع الوطني بالمسؤولية عن التفجير الأخير والتفجير الذي حدث في رأس السنة، في محاولة لاتخاذ خطوات تصعيدية جديدة ضد الحي وتشديد الحصار وتبريره، ومحاولة قمع أي حراك شعبي ضدها تحت شماعة محاربة الإرهاب. 

رسائل التفجير الثاني:
1-المسيحيين (الأقليات الدينية) مستهدفون من قبل العرب (الأكثرية). 
2-القوات الكردية تملك الحق بمحاصرة الأحياء العربية التي تنطلق منها الهجمات وفق الاتهامات الجديدة.
3-القوات الكردية في صدد محاربة الأحياء الإرهابية وتهجيرها.

ملاحظات وإشارات استفهام حول التفجيرات:
1-التفجيرات حدثت في ظل تصاعد الاحتقان الشعبي وخاصة من قبل العرب والسريان ضدَّ القوات الكردية التي اعتدت خلال أسبوع واحد بالسلاح على الحي المسيحي والعربي وأسقطت عدد من القتلى والجرحى.
2-مدينة القامشلي تقع تحت سيطرة النظام والقوات الكردية مع وجود محدود لقوات الدفاع الوطني وميلشيات السوتورو المسيحية وميليشيا لحزب الله وجميعها تتبع للنظام، يضاف إليها تواجد روسي في الفترة الأخيرة. 
3-أقرب مكان لتواجد داعش يبعد عن القامشلي نحو 150 كم (الشدادي). 
4-مدينة القامشلي لها أربعة مداخل فقط لا غير، اثنان تحت سيطرة النظام (مدخل المطار، مدخل حارة طي)، واثنان تحت سيطرة القوات الكردية (مدخل طريق عامودا، مدخل طريق الرميلان). وبما أن التفجيرات سبقها تحذيرات، ومعلومات تقول القوات الكردية إنها تعرفها عن هوية المنفذين ومكان انطلاقهم مسبقاً، إذن لماذا لم تقم هذه القوات بإحباط الهجوم ؟! 
5-النظام قام بتزويد قوات الحماية الكردية بالسلاح الثقيل والمتوسط والخفيف، بالإضافة للآليات المختلفة للتنقل، وسمح لهم بإعلان إدارة ذاتية للضغط على تركيا، واستقدام آلاف من المقاتلين من تركيا وإيران.
وقام بتغطية جوية لجميع حملاتهم العسكرية، بما فيها حملات ارتكبت فيها مجازر وحرق قرى عربية وتهجير سكانها خلال العامين الفائتين، في الوقت الذي منع السلاح على الميليشيات "العربية" والمفترض أنها ستكون ميليشيات تشبيح دفاع وطني، ولم يزودها بأسلحة متوسطة او ثقيلة، ولا حتى آليات تمكنهم من التنقل بحرية. فكانت هذه القوات موجودة مع وقف التنفيذ، لأن النظام بالنهاية لا يثق بهؤلاء الذين صنفهم محمد منصورة (بالصداميين) وتم خلال حقبة الأسد الأب الاعتماد على الأحزاب الكردية التي تم تأسيسها ودعمها لمعارك النظام في دول الجوار مع تركيا ونظام صدام حسين آنذاك. 

ختاماً: يبدو أن قوات الحماية الكردية تسيرُ وفق خطة أمنية مدروسة يحدد ملامحها النظام وإيران على وجه التحديد بمشاركة روسيا التي تسعى لتعزيز قدرة هذه القوات بعد العلاقة المتأزمة لها مع تركيا، ولقطع الطريق أمام أي تدخل تركي في مناطق سيطرة هذه القوات التي تحارب الإرهاب و(تحمي الأقليات)، خاصة في ظل تواجد روسي أمريكي في المحافظة. فالموضوع أكبر من عمل يقوم به مكون من مكونات المجتمع السوري في هذه المحافظة، ولا علاقة للمدنيين من عرب وأكراد ولا السريان فيما يحدث، كلها لعبة بحجم الأنظمة ( كإيران، روسيا، امريكا، سورية) التي تقوم بقتل الشعب السوري عبر أدواتها ومرتزقتها تحت مختلف التسميات والرايات.

*مهند الكاطع - مشاركة لـ"زمان الوصل"
(185)    هل أعجبتك المقالة (189)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي