السيادة الوطنية "الأسدية" مغلفة برسالتين متطابقتين*

رسم للفنان موفق قات

تقف أدبيات السياسة والعلاقات الدولية عاجزة عن إيجاد معنى حقيقي للسيادة الوطنية التي يرغي ويزبد بها مسؤولو نظام يسيطر على ما لا يتعدى 20 % من البلاد.

يعيد وليد المعلم ووزارة الخارجية رغاءه أمس في "رسالتين متطابقتين" إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن واحتفاظ بحق الرد، إزاء "الخروقات والانتهاكات والاعتداءات المتكررة" لتركية في سوريا، خلال الشهر الأخير من العام المنصرم.

يأتي ذلك بعد 20 يوما عن آخر "اعتداء سافر" كما هو مذكور في الرسالتين المتطابقتين اللتين تعتبران سلاح التوازن الاستراتيجي الأمضى لدى نظام الأسد في مقاومة وممانعة "إسرائيل" عقب كل "اعتداء سافر".

لن نبحث في أسباب توقيت النظام في رسالتيه "المتطابقتين" والاحتفاظ بحق الرد، بالتزامن مع ردوده في استخدام سلاح الجوع والحصار بحق "مضايا" وأخواتها، ولكن أي قاموس يمكن أن ينقذ اللغة في وصف هذا الانفصام؟

لقد أصبح مصطلح "السيادة الوطنية" مثار تندر وسخرية لنظام تجاوز كل معاني الإنكار والانفصال عن الواقع، ليؤكد بأنه مجموعة من دمى العرائس المتحركة بخيوط "المؤامرة" التي ينفذها، وهو الذي ادعى مواجهتها زيفا منذ مرحلة مطالبة السوريين بالإصلاح مطلع الثورة.

عن أي سيادة وطنية يتحدثون تحت سماء تعج بالطائرات متعددة الجنسيات احتاجت كثافتها إلى إعلان التنسيق فيما بينها سرا وعلانية، شمل في ما شمله التنسيق بين "العدو الصهيوني" و"الصديق الروسي".

زحمة الطيران الأمريكي والروسي والبريطاني والفرنسي وحتى الإسرائيلي سبق أن دفعت ناشطين إلى تنظيم جدول إقلاع وشن الغارات على مدار الساعة مع استراحة يستثمرها المعلم ومعلمه بمحاضرة عن "السيادة الوطنية" حسب المفهوم الأسدي لها.

جدول تداوله ناشطون مع بدء الطيران الروسي قتل السوريين مطلع أيلول سبتمبر الماضي، والذي قتل من المدنيين خلال شهر أكثر مما فعل التحالف الدولي بقيادة أمريكا في 6 أشهر، حسب منظمات حقوقية. 

هذا في السماء، أما على الأرض فإن جيش الأسد يكاد ينقرض أمام زحف أكثر من 25 فصيلا من المرتزقة المتعددة الجنسيات أيضا، التي تذرع البلاد طولا وعرضا وعلى كل الجبهات والمستويات محليا وعربيا وإقليما وعالميا، منها "الدفاع الوطني" سوريا، و"حزب الله" لبنان، و"عصائب أهل الحق"، و"أبو الفضل العباس"، و"السادة النجباء" العراق، ثم "فاطميون" أفغانستان، و"زينبيون" باكستان وغيرها، برعاية "الحرس الثوري" الداعم والممول الرئيسي لتلك الميليشيات.

وعلى الضفة الأخرى تبرز "داعش" وأخواتها، حتى غدت سوريا بفضل وصفة "السيادة الوطنية" المخطوطة بقلم طبيب العيون مستنقعا يجذب رموز الإرهاب على الضفتين.

لكن للأمانة وكموقف يسجل لسيادتهم الوطنية، لا بد من التذكير بأن الميليشيات التي تسبح في الفلك الإيراني قدمت بطلب من النظام، وكذلك الطيران الروسي مع تجاوز مركز التنسيق مع "إسرائيل" في "حميميم"!
وللتأكيد على "السيادة الوطنية" نشر موقع حكومي تابع للأصدقاء الروس قبل أيام، وثيقة تتضمن الاتفاق الروسي، مع بشار الأسد، حول الدعم العسكري المقدم له من روسيا.

طبعا الوثيقة لم تتحدث عن بيع بشار سماء وأرض وما تحت أرض البلاد لروسيا في الساحل، ولإيران في الداخل، وإنما كشفت عن وضع مدة مفتوحة لبقاء الجنود الروس الذين يسرحون ويمرحون دون أن يتجرأ أحد على تفتيشهم أو منعهم من دخول سوريا طبقا للمهام التي يقومون بها، كما لا يحق للجانب السوري دخول أي قاعدة عسكرية تضم طائرات روسية من دون إذن، ولا يمكن حتى ملاحقة الجنود الروس قضائيا مهما ارتكبوا من جرائم، على ألا ننسى أن الاتفاق موقع ضمن إطار "السيادة الوطنية" لسوريا الأسد!

*محمود عثمان - زمان الوصل
(263)    هل أعجبتك المقالة (275)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي