أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"سأخون وطني".. عدنان عبد الرزاق*

الكاتب: أبشع نتائج ثورات الربيع العربي، أنها ألغت حلم القومية بالمطلق - أرشيف

ثمة تبدلات، كست "الربيع العربي" بنتائج وعقابيل، دفعت رواد الثورات ربما، للترحم على "النباش الأول" إثر مقارنات قسرية، فرضها الواقع بكل ما فيه من اختلاط ومغالطات وواقع شيء له أن يكون، ولنا أن نقارن، وإن غصباً عنّا وعما نحمل، أو كنا نحمل، من مبادئ وحس وطني وتطلع للتغيير.

فأن ينصبّ جلّ اهتمام من ركب على الثورة في الداخل، بعد مقتل أو هروب الثوار الأوائل، من مغيبين ووافدين جدد، على لون عباءة المرأة ونوع قماشها، وعلى طول اللحية وكل ماهو خلافي، في حين يعاني الرجال من البطالة، دفعت معظمهم، لقبول ما كانوا يرفضونه، أو ربما يعيبون على من يقبله قبل الثورة، وأودت بالأطفال إلى خارج أسوار المدارس.

فهذا مالم يكن بخلد ثائر وليس في تطلعات ومطالب شعب نشد الحرية والكرامة والعدالة بتوزيع الثروة والفرص.

في المقلب الآخر، ومع استباحة دم السوريين، من عصابة قاتلة استجلبت كل قتلة العالم ونكوصييه، تكون الصورة أقسى وأكثر إيلاماً، ببساطة، لأن مشهد الداخل كان نتيجة حتمية، لمخططات العصابة الحاكمة بدمشق، بعد العسكرة والأسلمة والتدويل، ولأنها -العصابة- لم تكن بحجم سوريا لتحكمها، فنفذت المؤامرة التي أشارت إليها منذ الأيام الأولى، بجدارة واقتدار.

ولعل في صورة الزبداني المهدمة، على نحو لم يره السوريون، لا من نتائج الحربين العالميتين، ولا مما خلفه المغول والتتار، وضعتهم بمقارنة بين الزبداني التي مرّ "جنود الوطن من هنا" وبين القنيطرة التي تحررت، أو تركها الاحتلال الاسرائيلي بعد حرب أكتوبر 1973، ومن ذلك المشهد، استمر نكء القناعات وتبدل المواقف.

ولاشك، سبق تلك الصورة، مئات أو آلاف المشاهد التي ألزمت مشاهديها لإعادة النظر بكل شيء، فأن ترى رجال مخيم اليرموك وأطفال غوطة دمشق ونساء مضايا، هياكل عظمية وموتى الجوع والحصار، وترى "كرش" سمير القنطار الذي حاز على إجازة جامعية وهو بسجون الاحتلال، فذلك سيدفعك دفعاً لتقارن، بين الحكام العرب وبين الصورة التي تكوّنت عبر عقود، عن الاحتلال الصهيوني الغاصب.

قصارى القول: ربما من أبشع نتائج ثورات الربيع العربي، أنها ألغت حلم القومية بالمطلق، بل وحولت بعض الدول الداعمة للديكتاتوريات، ربما إلى أعداء من منظور الشعوب، يفوق التراكم الذي تكوّن عبر عقود تجاه إسرائيل، وأسست أو تؤسس، تلك النتائج، لدويلات ضمن القطرية، في واقع ربما يترحم شاهدوه على سايكس وبيكو معاً.

كما عرّت الثورات العربية، مما عرته، أكذوبة الممانعة والعدو الصهيوني، وكشفت عورات الجامعة العربية، قبل أن تفضح المؤسسات الأممية، الحقوقية والإنسانية والقانونية.

ولكن، ماهي النتائج الإيجابية التي انعكست على الثورات، نتيجة تلك التعريات والاكتشافات.

بمعنى آخر، هل تمت الاستفادة، حتى من عواطف الماضي المهدورة بغير مواضعها، فتحولت الخيبات لدافع يعيد للثورات ألق الأولين، قبل أن يقع اللاحقون بفخ السلاح والشعارات الروحية.

في حقيقة الأمر، ووفق ما نرى ونسمع ونعايش، كان لتلك الاكتشافات والمقارنات، أثر سلبي وبوجوه عدة، منها وربما أخطرها، فقدان الثقة بالثورة ومن فيها، بعد حملات التشكيك والتخوين، للحد الذي أغرق البعض، ليس بمقارنة صورة الزبداني قبل وبعد تتار العصر الحديث، وليس للمفاضلة بين تلاميذ المدارس وأطفال المخيمات واللجوء والتسوّل، بل وصل الحال للبعض للتحسر على سوريا قبل آذار 2011 وكثرة إطلاق "يا ليت".

خلاصة القول: ثمة تبدلات خطيرة تمر بها ثورة السوريين، إن من تقدم العصابة والميلشيات المساندة على الأرض، مدعومة بغطاء جوي روسي يعتمد سياسة الحرق، ليس للأرض، بل ولمن عليها وما تحمل من إرث وتاريخ، مقروناً بتراجع دولي وإقليمي، أقرب للتخلي عن السوريين.

ما أخرج أصواتاً تنادي بحل من أجل من، وما تبقى، بصرف النظر عن بقاء السبب والمسبب لكل ما آلت إليه سوريا وما حلّ بالسوريين.

مقابل فريق آخر، يتمسك لفظياً على الأقل، بشعارات الثورة ومطالب الشعب السوري، دونما أن يتكئ على مبررات استمراريته بموقف ربما يعتبره الفريق الأول متاجرة بدم وجوع السوريين ومصائر أجيالهم، كما يتهم، هذا الفريق بالمقابل، الفريق الأول ببيع الثورة والحنين لحضن الأسد.

ما يجعل الإفتاء بالحالة السورية، من الصعوبة، ما لا تنفع معها مقولة الأحنف "أخافكم إن صدقت وأخاف الله إن كذبت"، فكلا الفريقين وطني وخائن في آن، وكل منهما يتوكأ على الشعب السوري الذي يكابد جوع وبرد الشتاء الخامس، ولن يسمع منه الفريقان عبارة "سأخون وطني".

لن أفتي وأقترح هذه المرة، علّي في ترك الحالة بتوصيفها وفق منظور الفريقين، اللذين ربما لا يعيران وزناً لألم وتعب عصابة الأسد التي لم يبق لها إلا أن تستقدم إسرائيل لتساعدها بالحفاظ على كرسي الوراثة..ولا تعير، كما أحد الفريقين، أي وزن للوطن والوطنية ومصير السوريين.

*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
(165)    هل أعجبتك المقالة (167)

نضال نعيثة

2016-01-03

ماكانت القومية في يوم من الأيام إلا وسيلة لزنديق أومجرم حقير ,خذ مثلا البعثيين, الناصريين, من عبد الناصر مرورا بالقذافي , بومدين وال بو الأخر, ..والخنزييرين الأسدين ......... إلخ..


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي