كل من عايش تفاصيل الثورة في بداياتها في حمص يتذكر قصّة "زينب الحصني"، التي وجدها أهلها جثة هامدة مقطعة الأوصال لأن شقيقها كان مع الثوار. القصة التي تناقلتها وسائل الإعلام خلال شهور الثورة الأولى حول الفتاة الشهيدة مروعة، والصور التي عرضت لجثة الفتاة المشوهة التي لم يستطع أهلها التعرف على ملامحها إلا بصعوبة بالغة أكثر رعباً وإيلاماً . قصة زينب الحصني التي كثرت مراثيها، وفجر إعلام النظام في حينها قنبلته حين أعلن عن وجودها في أحد السجون، كما أعلن عن مقابلة جرت مع الفتاة ليكذّب كل من اتهمه بقتلها، وفعلاً ظهرت فتاة تشبه إلى حد بعيد "زينب الحصني"، لكن أهلها تخبطوا ما بين ذهول وعدم تصديق، لتُنسى القصة دون أن يعرف أحد هل هي الفتاة ذاتها، وما مصير الفتاة الأخرى التي ظهرت على الشاشات، ومن هي صاحبة الجثّة؟!! وهل ينفي هذا جرائم النظام بالقتل والاعتقال؟!! وقد يطرح أحدهم سؤال، ما الذي أعاد إلى ذاكرتي قصة زينب بعد سنوات مرّت من عمر الثورة، قتل النظام خلالها كثيرات، واغتصبت في أقبيته كثيرات، وسجلت حالات خطف كثيرة كانت تنتهي بدفع مبالغ خيالية من المال لقاء عودة المخطوفات. مبالغ كانت تُدفع دون نقاش، ودون ضمانات، فهناك من دُفعت لأجلهن مبالغ كبيرة، ولم يعدن إلى ذويهن، ولم يعرف عنهن خبراً منذ سنوات وحتى اللحظة؟. لقد عادت قضية الخطف لتكون حديث الشارع في حمص، وعاد الخوف والقلق مضاعفاً في ظل انعدام الأمان والقانون والحماية، فلا رادع يمنع عناصر الحواجز من أن يتجاوز حدودهم تجاه الفتيات، ولا ضابط لسيارات الشبيحة التي تتوقف فجأة في عرض شارع وسط المدينة لتختطف من تشاء على مرأى الجميع، فلا تجد حنجرة تصرخ لأجلها أو تستغيث، بعد أن اقتلعوا ببطشهم حناجر الأحرار في الأحياء القابعة تحت سلطتهم. وعادت مساومة البشر بالمال، فلا رادع أيضاً لشبيحتهم إن أصابتهم ضائقة مالية من أن يتاجروا بالبشر، فيخطفوا ويعتدوا ويعذبوا، ثم يأتيهم مبالغ المال وكأنه عربون شكر على جهودهم، وما هو إلا نزف قلب مفجوع لأب متألم وأم تذوق الموت في كل لحظة لوعة على فراق فلذة كبدها. يحدث الخطف أيضاً تحت هدف تهديد المعتقلين لدفعهم للاعتراف تحت ضغط صراخ أخواتهن اللواتي يغتصبن على مرأى منهم، ويحدث من باب إظهار القوة، أو مجرد التسلية بعذاب الأبرياء. قضية الخطف للفتيات تتأكد يوماً بعد يوم، ليتبين أنها ليست مجرد تجارة، بل رغبة معلنة لكسر الناس عبر الإصرار على الإيذاء وقتل كل روح للمقاومة في نفوسهم، كما أنها دعوة سافرة للعودة للخنوع والذل والاستعباد. في الأحياء التي تقع تحت سيطرة الثوار تتوارد تلك الأخبار لمسامعهم، فيقول أحدهم والألم يعتصر قلبه: وهل نُقتل على الجبهات إلا لحماية هؤلاء؟ وبينما يعربد النظام بجبن في الأحياء الواقعة تحت سلطته، ويعمل بطشاً وتهديداً للعباد، يحاول الثوار في حي الوعر الذي لا يزال صامداً محتفظاً بثوريته المحافظة على كرامة الأقلية هناك، كما يجعل البند الأهم والرئيس في مفاوضاته لأجل الهدنة مع النظام بند المعتقلين والمعتقلات، على أمل يحفزهم في أن يفكوا قيود الحرائر ذات يوم، ويدفعوا عنهن أذى الجلاد، مهما كلفهم ذلك من تضحيات. تطول المعركة أو تقصر، وتبقى هذه الصورة في حمص جزءاً من صور تتكرر في كل بقعة من سوريا علي يد من نصبوا أنفسهم حكاماً عليها، لكن كل هذا تصور يزلزله ثبات المؤمنين بثورتهم، وبحقهم المشروع بحياة تُصان فيها كرامة الناس الذين بهم تُصان البلاد.
جرائم الخطف في حمص والمساومة على الكرامة
إيمان محمد - مشاركة لــ"زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية