سكنني فيلم وثائقي، أو تحقيق صحافي مرئي، رأيته قبل أيام، على صفحات التواصل الاجتماعي، بعد بثه على قناة الإخبارية الأسدية "ولا أقول السورية لأنها خالية من كل ما يشبه السوريين ومنغمسة بكل ما يشبه عصابة القتل وتبرير جرائمها".
فأخذني الفيلم، لما فيه من سموم وتشويه، من الأحداث التي تلته، سواء مقتل قائد "جيش الإسلام" على يد الاحتلال الروسي، أو حتى بيان المعارض لؤي حسين، "بخصوص التصريحات المنفلتة لمنسق الهيئة العليا للمفاوضات" وما تخلله البيان مما يثير شهيتي على الكتابة، منه للذكر "وهذا ليس غريبا على بعض أشخاصها الذين كانوا طوال حياتهم ركنا مركزيا في النظام الاستبدادي"، أي، حتى المعارض لؤي حسين، يتهم المنشقين عن النظام ويطلب شهادة حسن سلوك من أحد دكاكين ثورته.
الفيلم، تحقيق ورؤية إخراجية لزميل صحافي، أشهد بكفاءته المهنية، وهذا من باب الواجب والاعتراف، بصرف النظر عن منتجه الذي سأحاول أن أمر على بعضه، مشهدياً ومضموناً، مانحاً لنفسي الحق باستنتاج مبرر الطرح وربما البواعث والأسباب.
بداية القول، وكي يكون القارئ بصورة الفيلم ولو نسبياً، فأحداثه تتناول، بقالب توثيقي استجوابي، على مدى 33 دقيقة، مجزرة المدفعية التي حصلت بحلب، على يد" الطليعة المقاتلة" للإخوان المسلمين، ونفذها النقيب ابراهيم اليوسف، مع بعض قيادات "الطليعة" وراح ضحيتها نحو 35 طالب ضابط.
ويبدأ الفيلم بشارة البداية، دخول الصحافي مدرسة المدفعية الميدانية بحلب، مع مقتطفات موسيقا عالمية يرافقها شهادات للناجين من المجزرة "لاقوا حتفكم" "الرصاص يأتيك من كل الاتجاهات" الدم يجري كما يجري الماء على أرض الندوة".
ليبدأ الصحافي بالتعليق "فويس أوفر" يقدم كل ناج، ومن ثم يسرد بالتناوب، بين التعليق وشهادة الضيوف، حكاية الحادثة، منذ جمع الطلاب بالندوة، حتى انتهاء المجزرة، دون أن يفوت الصحافي، بطريقة الإسقاط، أن يقول "لم يكن ثمة مظاهرات" بغمز واضح لمفهوم أنصار الأسد، ورؤيتهم للثورة والمظاهرات.
ويتابع لضرورة التزامن "كانت البلاد وقتذاك في مرحلة بناء، بعد تداعيات أول حرب مع الكيان الإسرائيلي، اختار الجيش السوري زمانها وأمسك زمام المبادرة فيها".
ويستمر الفيلم عبر شهادات الناجين، لما حدث بالندوة ومن ثم بالمقسم، قبل أن يتدخل الصحافي ليسرد مصير "اعتقال حسني عابو ومقتل ابراهيم اليوسف" بعد شهر من الحادثة.
وهكذا تتوالى أحداث الفيلم، الذي يشوبه ركاكة فنية وضحالة بالرؤية الإخراجية، التي لا يتحمل مسؤوليتها الصحافي، بقدر ما تتحمل "الإخبارية " المنتجة الوزر، ولو أني مكانهم، وأمام هكذا مادة تحريضية يمكن أن تساهم بتشويه الحاضر بالاتكاء على جريمة عمرها 36 سنة، لجيشت بعض "جنود الوطن" واشتغلت "ديكو دراما" أضفيت خلالها بعض مصداقية، لمن عايش حدث مدرسة المدفعية وما قبله وبعده.
لتبدأ مقولات الفيلم تتلاحق، ففي تعليق الصحافي، وأيضاً لضرورة التزامن والزمن، يروي "اتهام مصر السادات التي كانت تدعم الإخوان خاصة بعد اتفاقية كامب ديفيد التي عارضتها دمشق بشدة".
ويتابع "آنذاك، ويوم تنفيذ المجزرة، كان الرئيس حافظ الأسد يلتقي الرئيس العراقي أحمد حسن البكر في بغداد، وكاد التقارب بين البلدين يصل حد الوحدة، قبل يقدّم البكر استقالته تحت قوة سلاح نائبة صدام حسين الذي أصبح نظامه من أكبر الداعمين للإرهاب الذي يضرب سورية".
وينتقل الصحافي لصور القتل بسبعينيات القرن الفائت، مصحوبة بتكبيرات لما جرى بعد عام 2011، ليوصل رسالنه بأن هذا من ذاك، أو امتداد له، ويستشهد بكتائب تشكلت بأسماء قيادات "الطليعة" في 9 آب 2012.
ليختم عبر أحد ضيوفه، بما يريح المتلقي من أي جهد وإسقاط "تغير الزمن لكنا نرى نفس الأشخاص نفس العقلية الرجعية المتخلفة، نفس العادات التكفيرية، البعد عن الله وعن الإنسان، لم يتغير معنا شيء، إلا فترة 1979 وعام 2011"، أي بما لا يحتمل التحليل أو التأويل، أن الثورة ومنذ انطلاقتها، مجزرة كما مدرسة المدفعية.
ليضيف الصحافي "أن السنوات الأخيرة شهدت تشغيل عشرات التنظيمات الإرهابية، مشهد كانت بداية تجلياته منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي وكانت مدرسة المدفعية مفصلا في السلسلة".
قصارى القول: ربما لضرورات عدة، لا حاجة للمرور على كل ما هو خلافي، سواء من أول حرب بين الجيش السوري وجيش الاحتلال الإسرائيلي وتجاهل حرب ال67 التي تمخض عنها صفقة وصول بطل التشرينين، ولا للتعريج لمصر السادات وخيانتها عبر توقيع كامب ديفيد وما يجري بسوريا الوريث اليوم مع ومن ذاك العدو، أو عراق صدام التي مولت الإرهاب، وسوى ذلك من ترميز خال من أناقة الإعداد ومبرر الزج.
لكنا سنسأل وللتاريخ، لطالما نحن شهوده وشاهدون عليه، هل جاءت جريمة مدرسة المدفعية المدانة لاشك، لأن تنظيم الإخوان دمويا منذ حسن البنا، أم ثمة أسباب إقصائية وسرقة سلطة وبلد عبر تسع سنوات، قبلها، تفردت بها أسرة وعصابة، بقالب أو حامل "البعث" –الذي كنت أنا عضواً فيه- وأول من ألغت وسجنت وأعدمت، من أوصلها للواجهة، قبل مسرحية انقلاب التصحيح، من أبناء سلاحها وجلدتها.
ولطالما أدنّا ويجب أن ندين جرائم كمدرسة المدفعية، أليس من حقنا على الصحافي الاستقصائي، أن يمهد لفيلمه وأن يعقب عليه، لطالما اعتبر "المدفعية" مفصلاً في سلسلة.
أم أن المقصود بالسلسة هي الحركات الإرهابية التي قامت وتقوم على سيادتي المورّث والوارث، ولا علاقة لما جرى بتدمر أو بحماة، أكبر مجزرتين بالعصر الحديث، طبعاً قبل مجازر قمع الثورة.
فإن قتل بمجزرة المدفعية 30 قتيلاً فقد قتل في حماة 30 ألف وبقيت أشلاء سجناء تدمر على الجدران، لأعوام وعقود، وربما الصحافي "المحقق وصاحب الرؤية الإخراجية" الأعلم، لطالما كان من ضحايا الأسد الأب وعانى من سجونه لسنوات.
نهاية القول: كان الفيلم تحقيقاً صحافياً مهماً، لو ثمة تبرير زماني للطرح، لأن ثمة ما هو أولى وأهم وأكثر فجائعية ودموية ومعاصرة، لأن التعكيز على تسمية ألوية باسم بعض قادة "الطليعة" ليس مبرراً، أمام تشكيلات وكتائب سميّت بأسماء منذ فجر الإسلام حتى حمزة الخطيب، اللهم إن لم يكن بخلد "الاخبارية" إنتاج فيلم عن حرب علي ومعاوية، لأن بعض كتائب الثورة سميّت باسم علي.
وأيضاً، لولا الوقوع بمطب أسباب الإنتاج بهذه الآونة بالذات، فأن يخلص الصحافي وضيوفه إلى أن ثورة السوريين- التي لم أكن ضمن ثوارها للأمانة- ماهي إلا امتداد لمجزرة المدفعية، فذاك لعمري يخالف ما أتى عليه سيد وطنهم، من أن الثورة بقيت سلمية لستة أشهر، قبل أن يحولها بنصائح من شركاء الحرب والعقيدة، إلى مسلحة.
فضلاً عن أن الفيلم، محاولة لاستكمال استمالة المغيبين، تحت تأثير التخويف والنفعية، وتشويه خبيث لمجريات تاريخ مازال شهوده على قيد الحياة.
*عدنان عبد الرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية