نجحت أنقرة، عبر سنوات الثورة السورية، بعدم التورط المباشر أو الوقوع بالأفخاخ الأمريكية، التي لم تتوقف يوماً، إلى أن جاء إسقاط الطائرة الروسية "سوخوي 24" الأسبوع الفائت، بعد اختراقها الأجواء التركية، بحسب الرواية التركية، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع، لن تكون كما قبلها، وربما تصل لتتمة تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي بدأ عبر فوضى غير خلاّقة بدول الربيع العربي، عرفت تركيا فيما مضى تجنب شرره، إلى ما قبل إقلاع طائرات "إف 16" التركية الثلاثاء الفائت، لتسقط الطائرة الروسية التي لم تنسحب كمرافقتها، بعد عشر نداءات، عرضتها تركيا لتؤكد قانونية إجرائها.
بداية القول: ربما السؤال البدهي هنا، هل كانت تركيا لتسقط الطائرة الروسية، لو لم يك من ضوء أخضر من حلف الشمال الأطلسي، وواشنطن على وجه التحديد، وهي الأعلم بجنون موسكو بسعيها للقطبية واستغلال الثغرات التي فتحتها واشنطن عمداً، لتدخل روسيا بمستنقع لا تعرف كيف تخرج منه، بعد أن صورت لها، بعد إقصائها عن غنائم العراق وليبيا، أن حرب سوريا هي آخر الفرص والخروج من المياه الدافئة والسماح لمشروع الغاز بالمرور، أكبر الخسائر؟.
بمعنى آخر، مؤكد أن سلاح الطيران لم يسأل رئيس الدولة أردوغان ولا رئيس الوزراء داود أوغلو قبل أن يقلع ليحذر الطائرة الروسية ومن ثم ليقصفها، كما مؤكد أن تركيا لم تستشر حلف الناتو والطائرة الروسية تخترق أجواءها، لكن المنطق أن المسؤولين الأتراك أعطوا لأصحاب قرار سلاح الطيران "الأوكي" ليسقطوا الطائرة فيما لو دخلت مجالهم الجوي، كما الناتو أعطى "الأوكي" للمسؤولين الأتراك، بل وطمأنهم بأننا معكم ومعاهدة الحلف تلزمنا بالدفاع عنكم.
وكي تستقيم فرضة "الأوكي" أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية، وبعد سنتين من بيع نفط "داعش" للنظام وأكثر من سنة على العقوبات الأوروبية بحق الوسطاء، أصدرت قائمة عقوبات طاولت شخصيات سورية مثل حاكم مصرف سوريا المركزي وشخصيات روسية من أصل سوري كجورج حسواني وشخصيات روسية كرئيس الاتحاد الدولي للشطرنج، بتوقيت يعتبر دونما عناء تحليل، رداً على الرئيس الروسي بوتين الذي اتهم تركيا بشراء نفط "داعش".
ما دفع تركيا، تحت تأثيرات عدة، لبلع الطعم الأمريكي، فوجدنا إجابة انفعالية من الأتراك، رداً على طلب موسكو الاعتذار، قبل أن تصعد بالتوازي مع الاتهامات والاستهداف الروسي.
قصارى القول: بدأت تتصاعد ردود الأفعال الروسية العقابية، التي بدأت من منع الشركات السياحية الحجز للروس باتجاه تركيا ومن ثم منع دخول رجال أعمال أتراك للمشاركة بمعرض زراعي بموسكو، فضلاً عن عقوبات بمنع استيراد اللحوم البيضاء والمنتجات الزراعية منذ مطلع العام المقبل.
بل وأصدر الرئيس الروسي أمس مرسوماً لمزيد من العقوبات الاقتصادية التي طاولت القطاعات جميعها، عدا الطاقة، وهو ما يمكن أن يكون الضربة القاصمة لتركيا ، فيما لو أوقف موسكو صادرات الغاز دفعة واحدة، والذي لن يعوضه الغاز القطري الذي تسعى له تركيا، عبر زيارة الرئيس أردوغان الأسبوع المقبل لحضور اجتماعات اللجنة الاستراتيجية العليا وتوقيع 13 اتفاقية مع الدوحة.
خلاصة القول: ثمة مستويان للورطة التركية، بصرف النظر عما سيؤول إليه مستوى الصراع مع روسيا التي أدخلت أحدث منظومة صواريخ لسورية وصعدت من استهدافها المدنيين بما فيهم التركمان، والذي -الصراع- لن يُحل بتقبيل الشوارب خلال مؤتمر المناخ بعد أيام، كما لن يصل لمستوى المواجهة العسكرية.
المستوى الأول أننا كسوريين سندفع أثمانا باهظة من الأرواح جراء هذا التصعيد، وسيرجأ حل المنطقة الآمنة، وقد تتعثر المفاوضات إلى أن يكمل بوتين مخططه ويفرض حلاً عبر مجلس الأمن ليقلع نظام الأسد كما أحضره سابقاً لموسكو صاغراً، ليقلو للعالم أنا فعلت ماعجزتم عنه.
والمستوى الثاني إفشال التجربة الأردوغانية التي لا تتناسب مع توجه العالم بمحاربة التطرف ومحاولات تشويه الإسلام، ولا أظن ذلك من فكر المؤامرة بشيء، لطالما لعبت واشنطن بهدوء لشيطنة الثورة السورية، بعد أن أقصت التيارات الإسلامية عن أي أمل بسلطة، إن بمصر أو تونس، بل وجيشت ضدهم حتى النائمين والمحايدين، إن في أبو ظبي أو الرياض.
قد يكون إسقاط الطائرة الروسية فعلا من قبيل "لابد مما ليس منه بد" لكنه كما الردود التركية، ارتجالي وانفعالي، ويمكن بيع عدم فعله بسوق السياسة وقبض ثمنه داخل تركيا وسوريا، لأنه بمعيار فن الممكن لا يتناسب مع تركيا التي حيدت منذ 2003 العداوات واعتمدت سياسة تصفير الخلافات حتى وصلت لمجموعة العشرين، فإن كانت تلك السياسة حينذاك ذكاء وحاجة، فهي الآن إلزام وضرورة، وثمن عدم اتخاذها، جد باهظ.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية