ليس لأن الشيطان يسكن التفاصيل، ولا بد من تفنيدها، وليس إهمالها خوفاً من الشيطان والخلاف كما يشاع، وليس لأن العامة يقولون "من يكبّر حجره لن يصيب الهدف أو لن يضرب".
بل ولأن الشعارات العريضة والكلام الفضفاض، من أكثر بلاوينا التي أوصلتنا إلى هاهنا، وقاد الديكتاتوريون بها وحكموا واستبدوا برفعها، منذ أكذوبة المد القومي، حتى مطلع ثورات الربيع العربي، التي عرت دعاة محاربة العدو الاستراتيجي وطلاب الوحدة العربية، بل ومتأسلمي "يا مسلمي العالم صلوا ع النبي" وشيوعيي "يا عمال العالم اتحدوا".
بداية القول: أعتقد، وربما يحق ليّ الاعتقاد بزمن الثورات، أن الحزب السوري القومي الاجتماعي، هو من أقل الأحزاب كذباً وأقصرهم أملا بالاستبداد والسيطرة على معتقديه، كما أن الحزب الشيوعي، هو أكثر الأحزاب كذباً عبر التاريخ، وأكثرها أملاً بالسيطرة حتى يبعثون.
ببساطة، لأن "السوري القومي" صغّر الحجر، فطالب بوحدة "الشام" لكنه وخشية تحقيق الشعار الذي يفقده -إن تحقق مبرر وجوده ونضاله- زجّ بقبرص، كملحق مستحيل، كي لا يتحقق الشعار ويبقى يناضل.
أما ذلك الحزب الأممي، الذي لم يقتصر، كما أكذوبة حزب البعث العربي الاشتراكي، على شعار قد يتحقق بعد ألف عام، بل ذهب للأبعد، ليجد رابطاً بين "مضطهدي ومناضلي وعمال العالم" أجل العالم بأسره، ما يعني بقاء الكذب والتشويه، لطالما لم يتحقق الحلم.
قصارى القول: تعمدت التعريج على "الايديولوجيا" رغم فشلها بحسب الواقع، وليس الايديولوجيا الشيوعية أو القومية فحسب، بل والإسلامية أيضاً، وهنا لا بد من التفريق بين الإسلام والإسلاميين وحتى بين المتأسلمين الذين يأخذون من الأديان ذريعة ومن البسطاء والطيبين قواعد.
تعمدت ذلك لأشير إلى عودة الشعارات العريضة اليوم، فمن فتح الأندلس وروما على هذه الضفة، إلى نقل شرر الثورة السورية إلى أصقاع الأرض هناك، طبعاً واستعداء كل من لم يقف معنا، أو تسوّل له نفسه ذلك، وكأن السوريين النجباء قاموا بثورة الكرامة على بكين وموسكو وطهران، وحتى على كراسي الخليج التي تنخرها دودة التوريث والاستبداد.
وتناسوا، أو سيقوا ليتناسوا، ما يحاك من تفاصيل وتكتيك، ليصحوا بعد حين، وإذ بهم لم يعيدوا أمجاد الخلافة لغرناطة ولم يقنعوا إقليم نانيغشيا الصيني بضرورة الانتفاض على الظالم، وخسروا بالآن نفسه، بعد شبابهم المهاجر وأطفالهم البعيدين عن مقاعد الدراسة، حتى بيوتهم التي تنقل ملكياتها لمستوطنين جدد، سيبقون وبحكم القانون السوري، لا القانون الدولي أو منطق الأمر الواقع.
نهاية القول: من يتفكر بحرق الدوائر الحكومية بسوريا مطلع الثورة عموماً، ودوائر المصالح العقارية على وجه التحديد، ويتابع -بتفكره- ما يجري الآن من تهجير للشباب والأسر السورية وبمناطق محددة، ربما يصل إلى أبعد من الغرق بنظرية المؤامرة.
ومن يتابع المشروعات التي يتم تدشينها، لجهة الجغرافيا على الأقل، ويقارن بعدم تخصيص جغرافيا أخرى بأي حصة بشقي الموازنة الاستثماري والجاري، أيضاً يمكن أن يعي خطورة تغييبه عن القضايا المهمة ومسك الحجارة الكبيرة التي لا يقوى على حملها بواقع المخطط الدولي الذي ربما يفرض، وتحت البند السابع.
منذ أيام، قام وائل الحلقي، وبتوجيه من الأسد الابن و"بمناسبة الذكرى الخامسة والأربعين للحركة التصحيحية المجيدة" بوضع حجر الأساس لمشروع مشفى جرمانا الحكومي بكلفة تقديرية تصل إلى 7 مليارات ليرة سورية ودشن "مول" جرمانا التابع لمؤسسة "سندس" بقيمة إجمالية تقدر ب 52 مليون ليرة.
وليكتمل المشهد، ربما من يهمه الأمر، أن يبحث بالتغيير الديموغرافي الذي حصل في حمص والزبداني خلال عام فقط، كي لا نكبر الحجر، وإن شاء يسأل عن جغرافية المشروعات التي تدشن، وربما أساعده برقم، "كلفة المشاريع التنموية والخدمية التي تم تدشينها وافتتاحها في محافظات ريف دمشق وطرطوس واللاذقية خلال الشهر الجاري 5ر45 مليار ليرة سورية".
ما يجري يا أيها السوريون أكبر من أن يواجه برمي أحد بالبحر أو حتى القدرة على الرفض، فحتى "فيينا الأمل" فيه من التمريرات، ما يعجز عن ترميمها السوريون، بعد فوات الأوان.
وهنا لا أشير فقط إلى أن "التنحي" قد ينجّي المجرمين من المحاسبة وإلزام السوريين بجميع الاتفاقات النفطية والعسكرية والديون، أو إلى أرباب الشعارات الذين يتسابقون إلى "أبها" السعودية ليحجزوا مقعداً لهم على "فيينا" الأخير بل إلى أكثر.
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية