قد تستغربون العنوان للوهلة الأولى وربما تعتقدونه مزحة، لكنه ليس كذلك، إنه إقتراح صادر عن مسؤول أوروبي رفيع المستوى هو وزير خارجية حكومة بولونيا "بولندا" الجديدة "فيتولد فاشيكوفسكي"، وذلك خلال تصريح أدلى به لقناة "تي في بي إنفو" التلفزيونية الحكومية حيث قال بالحرف: إن مئات آلاف اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا يمكنهم أن يشكلوا بمساعدة من الأوروبيين جيشاً ليعودوا إلى بلدهم ويقاتلوا في سبيل تحريره.
يقول فاشيكوفسكي في سياق حديثه: عشرات آلاف الشبان يقفزون من قواربهم المطاطية وبأيديهم أجهزة "آي باد" وعوضا عن أن يطلبوا الماء أو الطعام فإن أول ما يطلبونه هو مكان لشحن هواتفهم النقالة.
ويضيف: يمكن لهؤلاء أن يذهبوا للقتال في سبيل تحرير بلدهم، بمساعدة منا، مؤكدا على أن هذا الحل يوفر على الأوروبيين سيناريو "نرسل فيه جنودنا للقتال في سوريا بينما يرتشف مئات آلاف السوريين القهوة" في مقاهي المدن الأوروبية.
حديث المسؤول البولندي التهكمي هذا ليس مزحة، بل هو انعكاس لسياسة الحكومة البولندية التي رفضت حتى استقبال حصتها المقدرة بتسعة آلاف لاجئ حسب التوزيع الذي أقرته دول الاتحاد الأوروبي، في محاولة منها لتخفيف العبء عن ألمانيا التي استقبلت العدد الأكبر من اللاجئين والمهجرين.
في دراسة علمية أجراها موقع "إنسايدر مونكي" قبل أشهر حول التعصب الأوروبي ضد المسلمين، خلص إلى قائمة من عشرة دول اعتبرها الأكثر تعصبا وكرها للمسلمين وقد يستغرب المتابع عدم وجود دول كــ بولندا ضمن هذه القائمة، وذلك بالنظر إلى مشاعر البولونيين المناهضة للعرب والمسلمين وعلى المستويين الشعبي والرسمي، الذي يلخص عدم قبوله للاجئين بمسألة عدم قدرته على تحمل تبعات الإنفاق عليهم وهو ما يمكن تفهمه.
قائمة الأكثر تعصبا وكرها للمسلمين ضمت ثمانية دول أوروبية غربية وواحدة إسكندنافية بالإضافة إلى دولتين أوروبيتين شرقيتين هما كل من روسيا وأوكرانيا.
الدراسة كانت موضوعية كونها قد بنت نتائجها على عدة أمور منها القوانين التي تسنها هذه الدول بالإضافة لاستطلاعات الرأي التي تجريها مراكز الأبحاث والمؤسسات الإعلامية.
فرنسا تربعت على عرش القائمة في المركز الأول من خلال قوانينها المعادية للإسلام، تلتها كل من الدانمارك ثانيا وهولندا ثالثا بسبب الإساءة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، أما في المركز الرابع فجاءت إيطاليا بسبب قانون منع بناء المساجد، تلتها روسيا في المركز الخامس بسبب كراهية المجتمع الروسي للمسلمين، ولنفس السبب جاءت كل من بريطانيا وألمانيا في المركزين السادس والسابع، أما إسبانيا فقد جاءت في المركز الثامن بسبب عدائها التاريخي للإسلام، بلجيكا جاءت في المركز التاسع بسبب تساهل حكوماتها مع المظاهرات المناهضة للمسلمين، رغم أن قوانينها تحرم ذلك، أما أوكرانيا فجاءت في المركز العاشر والأخير بسبب وجود حركات متطرفة كحركة "بيغيدا" التي تكن العداء للمسلمين.
هناك دول أخرى تعتبر من الدول المناهضة للإسلام، ولم يرد إسمها في هذا التقرير لسبب أو آخر فسويسرا مثلا التي حظرت المآذن والحجاب والمجر ومقدونيا واليونان وغيرها من الدول التي بات العداء للإسلام هو القاسم المشترك بين شرائح كبيرة من مجتمعاتها بما فيها النخب الحاكمة والأحزاب السياسية.
بالعودة إلى تصريح وزير الخارجية البولندي الساخر من اللاجئين، فإن هكذا إقتراح يعتبر صريحا جدا، لكنه وفي المقابل يطرح جملة أسئلة هامة ليس آخرها الجهة التي سيتوجب على هكذا جيش أن يقاتلها، والتي وبكل تأكيد لن تكون نظام الأسد بل سيطلب إليهم أن يقاتلوا كل من يقف في وجه الحل السياسي الذي يحاولون فرضه علينا.
هكذا اقتراح غير عملي وليس قابلا للتطبيق لعدة أسباب منها أن المهاجرين بالأساس رفضوا القتال في سورية وتركوا الجمل بما حمل، حالمين بالأمن ورغد العيش الذي قد تمنحه لهم إقامة دائمة أو جنسية في إحدى دول القارة العجوز.
التكلفة العالية التي سيحتاجها تدريب وتسليح هكذا جيش هي سبب آخر يجعل من هذا الاقتراح غير ممكن، فالمعايير الأوروبية الغربية تختلف اختلافا جذريا عن منطقتنا وتعتبر باهظة جدا، والأولوية فيه لحماية المقاتل وتوفير كافة أسباب المعرفة والخبرات العسكرية، يمكننا أن نتخيل التكلفة العالية إذا ما علمنا أن تدريب جندي أمريكي قد يكلف مليون دولار، وهي تكلفة تكفي لتجهيز فصيل كامل في حال تم تدريبه في دول المنطقة كالأردن وتركيا.
أما أخلاقيا وقانونيا، لا يمكن لأي دولة لجوء إجبار اللاجئين والمهجرين على العودة إلى مناطق الصراع المسلح وزجهم فيه.
إن هكذا تصريح يعتبر سقطة أخلاقية لهذا الوزير وهي تعبير عن المشاعر الحقيقية للحكومات وحتى الشعوب الأوروبية، فوزير الخارجية البولندي باح بما في صدور الآخرين الذين منعهم النفاق الدبلوماسي والسياسي من البوح بما باح به هذا الوزير.
لقد أفرزت الأزمة السورية التي طال أمدها جملة من المعطيات التي خلقت واقعا جديدا لم نشهده من قبل، واقعا جعل من اللاجئين والفارين من الحرب مهاجرين بعضهم بمرتبة مهاجر خمسة نجوم، وكل على قدر استطاعته وحاجته، فمن لاجئ لا يملك كسرة خبز في أحد مخيمات اللجوء في دول الجوار إلى آخر ركب الطائرة بينما ركب آخرون البحر بعد أن تركوا كل شيء خلفهم، إلا هواتفهم الجوالة الثمينة التي باتت بحاجة إلى شحن بعد أن أبحرت معهم في رحلة اللجوء إلى الغرب.
* خليل المقداد - مشاركة لـ "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية