أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

“داخل سوريا الأسد” التحليل النفسي لمرض الإنكار

أرشيف

بطل الأسبوع بصرياً، أو لنقل الفيلم الأكثر مشاهدة من قبل السوريين، وخارج أفلام الحرب اليومية، كان فيلم(Inside Assad’s Syria) الذي أعدَّه و أخرجه الصحفيُّ الأمريكي ((Martin Smith، وأنتجته قناة (PBS) الأمريكية، وقامت بالتسويق له عبرَ وسائل التواصل الاجتماعي من خلال عرض أجزاءٍ مختصرة منه، ساهمت فنتازيتها في جعل الجميع يترقبه، قبل أن يتمَّ بثه في 27 تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم.

مارتين سميث الصحفي المنتجُ في قناة (PBS)، وبخبرة أربعين سنة من العمل الصحفي، وبوساطةٍ من أحد مسؤولي النظام يدخل إلى مناطق سيطرته، أي: إلى سوريا الرسمية، ليرى كيف تسير الحياة هناك، وليدقق في عالم مؤيدي الأسد، وكيف يمكن للسوريين الذين وجدوا الحدَّ الأدنى من الأمان في مناطق سيطرته، أن يستمروا في العيش هناك!.

ومنذ البداية يتكشف المشهد عن وجود سيطرتين، الأولى وهي النظام الذي تتبع له مؤسسات الدولة التي تحاول تسيير الحياة اليومية، والثانية هي سيطرة القوى المؤيدة للنظام، أو الميليشيات التي تقاتل معه. الأولى تطلب منه ، حين تكتشف وجوده دون إذن رسميٍّ، مغادرةَ البلاد خلال ثلاثة أيام، بينما يسعى أفراد من الثانية لمساعدته، وهكذا يعرض علي ثائر العجلاني «موثق كان يعمل لصالح ميليشيا الدفاع الوطني» أن يقدم له أذونات الدخول إلى مناطق الاشتباك، ولكنه يقتل في اليوم التالي، فيحاول مارتين الاستعانة بنجدت أنزور «مخرج تلفزيونيٍّ مؤيد» فيؤمن له المساعدة من قبل ضابط في المخابرات الجوية.

التشابك بين السيطرتين، هو واقع سوريا الأسد، حيث لا شيءَ مستحيلٌ، سوى أن ينطق أحدٌ ممن ظهروا أمام كاميرا مارتين بتحميل النظام مسؤولية ما آلت إليه أوضاع البلد بعد خمس سنوات، من بداية الثورة.

الفيلم الذي بني في تفاصيله العميقة على التركيز على حالة الانفصام عن الواقع، والتي يعيش في أسرها النظام ومؤيدوه، تسلل إلى التكوين المرعب لمرضى الإنكار، فهؤلاء لا ينكرون الواقع فحسب، بل إنهم يعيشون في طبقة أعلى من حدوده الأولى، قوامها إيمانهم بأنهم سينتصرون على «قطعان الإرهابيين»، وفي تفاصيلها تأكيدهم على أنه «من حقِّ النظام أن يلقي البراميل على المدنيين الذين يعيشون في مناطق سيطرة المعارضين، فهؤلاء يستحقون الموتَ لأنهم بيئةٌ حاضنة للإرهاب»، وضمن هذا السياق لا نستغرب أن يكون من ينطق بهذه القباحة هو المخرج نجدت أنزور ذاته، بينما يتحدث منذر ناصر «قائد ميليشيا محلية في الساحل» عن أنه يدافع عن سوريا الموحدة في وجه «الدواعش» الذين يبيعون نساء الأقليات..!!

السرد الذي غلَّف به منتج الفيلم التفاصيلَ التي كان يقدِّمها مؤيدو الأسد، كان يذهب بالمُشاهد إلى نقضها، أي: إنه كان يسعى إلى إظهار التباين بين الواقع الافتراضي الذي يعيش به هؤلاء، وبين الحقائق التي لا يمكن طمسها، والتعمية عنها، فالمَشاهد التي تظهرها الكاميرا عن سوريين يعيشون حياة طبيعية، بعيدة عن أماكن القتل بضعة دقائق فقط، لا تكفي لفهم حالة الانفصام عن الواقع، إذ يمكن تبرير كلِّ شيء في زمن الحرب، ولكن ما لا يمكن تبريره أو فهمه، إنما هو قدرة النظام العالية على تثبيت القواعد النفسية لوباء الإنكار، فالحياة طبيعية، ولا شيء يحدث في الشارع رغم سقوط الهاون على شوارع مدينة دمشق، وسقوط البراميل على داريا والغوطة!! وحينما طلب مارتين من مضيفيه زيارة الجرحى في المشفى، قدموا له بدلاً من ذلك بطاقات حفل للفرقة السيمفونية السورية..!

ولعل أبلغ نهاية لهذه الفنتازيا، هي تلك التي اختارها المنتج كنهاية لفيلمه، إنَّها لوحةٌ على الحدود السورية اللبنانية كُتِب عليها: «شكرا لزيارتكم»..!

الفيلم الذي قام بترجمته بشكل غير رسمي الصحفيُّ عابد ملحم، ونشره موقعُ «السوري الجديد» يستحق المشاهدة، ليس بوصفه زيارة صحفية مبهرة، بل لكونه وثيقة يجب العودة إليها، كلما فكر أحدٌ ما بالإجابة على سؤال يقول: هل كان السوريون ومازالوا شعباً واحداً حقاً؟.



عن جريدة "سوريتنا" - مختارات من الصحف
(147)    هل أعجبتك المقالة (149)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي