أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"هي موتة.. بسورية أو في الطريق.."

مقدمة قصيرة:

أنا آية زيناتي من مدينة اللد، سافرت برفقة زوجي وأصدقائنا نسرين وصفوت بشكل مستقل إلى جزيرة لِزڤوس في اليونان، لنتطوع في مساعدة اللاجئين لمدة أسبوع واحد، من تاريخ 23/10/2015 وحتى 29/10/2015.

بعد أن عُدنا إلى البلاد، شعرت بالحاجة لإكمال مهمتي، وأن أكتب وأسرد قصص وتفاصيل تجربتي الشخصية هناك، محاولة إيصال صوت وصورة للاجئين، ربما تكون مختلفة. اخترت أن أكتب وأسرد التجربة بسلسلة زمنية عكسية: من اليوم الأخير هناك وحتى اليوم الأول، وشرح ما دفعني للذهاب لأساعد وأتطوّع وأقوم واجبي تجاه ابناء شعبي، وأعطي القليل من طاقاتي وقوتي وحبي.

'بوسي لي تراب لوبية وتراب فلسطين' قالتها تبكي ودموعها تنزف على وجهها الشاحب. كانت هذه الجملة الأخيرة التي سمعتها في يومنا الأخير في لِزڤوس (29/10/2015)، قالتها لاجئة فلسطينية- سورية اسمها يمنى أتت مع عمتها وزوج عمتها من دمشق بعد أن استطاعت العائلة الكبيرة أن تخرج من اليرموك المحاصر إلى دمشق، وبعد ما يقارب سنة خرجت يُمنى من القارب القادم من تركيا لجزيرة لزڤوس لوحدها محاولة أن تلحق بخطيبها في أوروبا.

كانت جالسه تبكي على مدخل مطعم 'كاپتينز تاييبل' الذي فتح أبوابه لمساعدة اللاجئين منذ شهر آب الماضي.  قبل أن اذهب، أخبرتها أننا ما زلنا نحلم بأن نستقبلهم يومًا ما، وأكدت أننا جاهزون لذلك، لم أدرك ما إذا استوعبت كلامي هذا أم لا، فقد كان مهما أن أقول لها ذلك. بالأخير، اتفقنا أن نلتقي على أرض فلسطين.

ذهبنا لنوّدع من بقي على قيد الحياة بعد يوم أسود قاسٍ للجميع، جثث بالجملة وصلت إلى الميناء، حالات غرق كثيرة سُجلت، وسجل اختفاء كثيرين. عائلات لم تصل أرض الجزيرة في اليونان كما خرجت في القوارب من تركيا. جلست بعدها بساعات في الطائرة بطريقنا إلى هنا، إلى البلاد، محاطة بإسرائيليين يأكلون ويشربون ويضحكون، وأنا أفكر وأردد: 'لولا الاحتلال، لو لم ألتق بالعدد الكبير من اللاجئين الفلسطينيين السوريين هناك، والجائعين اليوم، كان من الممكن أن ألتقي بهم على متن هذه الطائرة'. باكية، أخرجت دفتري وكتبت:

28/10/2015 صباحًا: كنا نتحدث أنا وعم أحمد الصياد المصري الذي ترك عائلته في مِصر ليعمل في اليونان ويعود لرؤية أحبائه مرتين في السنة، فهو يصطاد السمك وبأيام صعبة أكثر 'يصطاد' الناس التي غرقت. كنا نتحدث عن الحريات المكبوتة وعن شعبنا العربي ومآسيه، عن حقوق المرأة وإيماني بالعيش بحرية تامة اجتماعيًا كانت أم سياسيًا، ينظر إليّ بتعجب، بينما ننتظر المركب الغارق القادم بعد أن كنا شاهدنا قبلها قاربا آخر كان بطريقة للشاطئ والموج كان عاليًا جدًا ونحن نرجُف في قلوبنا وندعو أن يصلوا بسلام.

وصل المركب الأول للميناء وكان مركب لاجئين سوريين. استقبلت امرأة مذعورة تبكي، تحمل طفلتها ابنة العام وهي تبكي أيضًا وتصرخ، وبيدها الأخرى تمسك بزوجها خائفة أن يتركها. أخذت منها طفلتها، وحاولت أن أهدئها. أحضرت الماء والموز والتفاح وساندويشة جبنة، هذا ما كنا نقدمه لهم ولهن.

'بنتي جوعانة كتير، ما في حليب؟ اضطررت أن أردد جملة تشرح أنه في الوقت الحالي لا يوجد حليب للأطفال، وهذا ما أستطيع أن أقدمه، وربما قد يكون من الممكن لاحقا الحصول على حليب. حضنتهن وجلست معهن قليلًا وتركتهن ذاهبة لأطمئن على آخرين. بعد ساعة، وعند استقبال المركب الثاني أتت لتحضنني وتتشكرني، وكانت بحالة مختلفة كليًا، هادئة ومتقبلة أكثر.

فجأة رأيت المتطوعين يركضون، ركضنا أنا والعم أحمد معهم، واقتربنا لمركب خفر السواحل الذي ينتشل الغارقين، رأينا لاجئين أفغان مذعورين يصرخون. اقتربت من امرأة لا يزيد عمرها عن الخامسة والعشرين، وهي تصرح وابنتها الطفلة التي لا يزيد عمرها عن 4 أعوام تبكي أيضا وتصرخ مثل أمها تمامًا،. هنا اكتشفت لأي درجة يتأثر أطفالنا بنا، نحن كل عالمهم فكيف لا.

أشارت الأم لي بيدها، وقالت إن هذين الطفلين اللذين يقدم لهما الإسعاف هما طفلاها. نظرت إليهما ورأيت طفلًا لم يبلغ الثالثة من العمر وقد توفي غرقا، بينما يحاول المتطوعون أن يقومون بعمليات إنعاش رغم أنهم كانوا يدركون أنه قد فارق الحياة. أبوه يبكي، ويأخذ استراحة، ثم يعود ليتنفس في فم ابنه. وبجانبهما طفلة ابنة عامين كانت تموت ثانية تلو الأخرى، وانقلبت عيناها الخضراوان إلى الوراء وهي ملفوفة بغطاء أحمر وتصارع الحياة.

حاولت أن استوعبت ما يحصل أمامي، وبدأت أبكي محاولة أن أحضن الأم التي تصغرني سنا، وأنا أكذب وأقول لها إنهما سيكونان بخير علها تهدأ وتهدأ معها طفلتها. الأب يعود ليتنفس في فم ابنه مرة ثانية، ولكن دون جدوى. ينهار ويبكي، والأيادي فوق صدر ابنه تتعالى وتضغط وتضغط ولكنها لم تنجح بتغيير حركة جسم الطفل النائم.

في هذه الأثناء سمعت صوت أنين طفل يبكي، كانت أذناي  حساستين جدًا لبكاء الاطفال الرضع هناك، ذهبت مسرعة لأبحث عنه، ووجدت امرأة تحتضنه، وتحاول أن تغير له ملابسه، بينما كانت تشاهد ما يحصل أمامها. ساعدتها على تغيير ملابسه المبللة كليًا، ونزعنا عن جسده الصغير الملابس وهو يبكي ويرجف، رأيت ولمست جسده المبلل البارد، وعلامات البرد تجتاحه، وتذكرت ابنتي الصغيرة عندما كانت بهذا العمر كيف كنت أخاف أن أحممها لئلا تبرد.

سمعت أشخاصا ينادونني باسمي: 'آية.. آية'، عدت إلى العائلة التي أصبحت ثكلى في تلك الدقائق. المتطوعون طلبوا أن أحاول أن أهدئ الطفلة الصغيرة، حاولت أن أحملها، لكنها صرخت بوجهي مذعورة لا تريد أن تبتعد عن أمها. كانت خائفة جدًا، فقد قضوا ساعات بالبحر غارقين حتى عثروا عليهم، وهي كانت بحالة هستيرية من الصدمة.

بعد 20 دقيقة من المحاولات، استسلموا وأعلنوا موت الطفل، أبوه رفض ذلك. شدّ شعره وصرخ ثم رمى الغطاء بعيدًا عنه، ورفع ابنه المتوفي بأيديه يقلبه من كل الجهات مصليًا أن يصحو. وقفت صامتة أبكي، ولم أنتبه لنفسي، لكنني انتبهت إلى أنني كنت لوحدي، وإذا بإحدى المتطوعات تحضنني وتبكي، بعدها جاء عم أحمد حضنني وغسل وجهي، ولم نكن قادرين على التفوه بكلمة. لا أدري كيف استطعنا أن نتنفس. الأم كانت تبكي وطفلتها ايضًا، أما ابنتها التي كانت تصارع الحياة أدخلت مركبة الإسعاف.

قبل أن أترك الميناء متجهة إلى المخيم، توجهت لعائلة أخرى للاطمئنان عنها، وإذا بهم يسألوني إن كنت فلسطينية، فأجبت نعم. قالوا إنهم فلسطينيون  من الناصرة، اليوم أصبحوا لاجئين من سوريا، سألتهم إذا كانوا عائلة واحدة، فأجابت إحداهن: 'هادول اليوم صاروا إخوتي، هن هلأ عيلتي'.

في الساعة الثالثة في نفس اليوم كان علي أن أكون بورديتي المسائية الرسمية في 'أوكسي' المخيم الذي يصل إليه اللاجئون من القوارب وينتظرون هناك حافلات تقلهم إلى عاصمة الجزيرة، متليني، ليسلموا أنفسهم للسلطات اليونانية وليتم تسجليهم بشكل رسمي كلاجئين. هناك كنا مضطرين أن نستجمع قوانا من جديد بعد كل مرة حسبناها الأصعب لنا.

وسام زوجي بقي في الميناء يركض ليفحص من أين له أن يبدأ عندما بدأ ورديته الرسمية في الميناء، ذهبت لأقول له:  كان هذا أصعب يوم بحياتي، ابقى طمني عنك، لم أكن أعرف أنني أتركه ليستقبل جثثا كثيرة بعدها، عائلات مشتتة، وأبا عراقيا يبحث عن طفله البالغ من العمر 5 سنوات، وامرأة أخرى سورية تبحث عن ابنها الرضيع البالغ من العمر شهرين فقط، وكلاهما كانا واثقين من أنهما ناولا أطفالهما للمتطوعين عندما خرجوا من المراكب الغارقة لمراكب خفر السواحل. بعد ساعات قليلة قرأت رسالة من وسام كتب فيها: 'هذا أصعب يوم في حياتي'.

'أوكسي' كان مليئا بالأشخاص، أطفال ورجال ونساء، جالسو في كل مكان، في الخيم، على الأرض في الخارج، على الجهة الثانية من الشارع، في كل مكان. ذهبت لخيمة استقبال اللاجئين عند الساعة الثالثة حتى أبقى فيها للساعة الحادية عشر ليلًا. في حدود الساعة الخامسة اشتد البرد وكان هناك ضغط  مخيف، اتذكر أنني استقبلت خلال ساعات الوردية ما يقارب 3000 لاجئ.

أتى شاب كنت قد استقبلته في اليوم السابق في نفس الساعة، الخامسة مساءًا، ومعه بلوزة واحدة قصيرة فقط وكان يرجف طوال الليل من البرد. جاء ليسألني اليوم عن الحافلة، فجاوبته باستغراب: ' شو بعدك بتسوي هون؟ باصك أكيد طلع زمان' جاوبني بلهجة سورية: 'إيه صح طلع زمان، الصبح بكير أجت امرأة وأطفالها الـ 3 وكانت لحالها، ما قدرت أتركها، قلت لأصحابي يروحوا وأنا بقيت معها. جيت أسألك متى ممكن يجي باصنا'.

عاد إلي شاب سوري، كان قد وصل أوكسي وأخذ مني تذاكر للباصات وتذاكر للطعام، ملابسه كانت مبللة وأعطيته التذاكر وأنا اقول له، انتبه للتذاكر حتى لا تبتل. عاد بعد ساعة مع تذاكر مبللة لم تعد صالحة للاستخدام. ناولته تذاكر جديدة، وكان ينتظر شاب سوري فلسطيني آخر لاستلام تذاكره، طلبت من الشاب السوري أن يخبئ تذاكره بشعره تحت قبعته، يبدو أنني رددت نفس الجملة عدة مرات، وإذ بالشاب السوري الفلسطيني الذي كان ينتظر يقول لي بلهجة سورية: 'آنسة إنتِ لي مصره تقولي له حطهم بالشعرات، بلكي ما عنده شعرات يحطهن فيها وخجلان يقلك؟' وضحكنا سويًا. أحببت لحظات الضحك النادرة تلك، ضحكنا عن غل وتمنينا أن تطول اللحظة. عاد إلي الشاب بعد ربع ساعة، دون قبعة ليعترف أنه لا يوجد لديه شعر كاف ليخبئ فيه التذاكر.

في ساعات متأخرة من اليوم، وإذ بامرأة تبكي معها طفلها الذي يبلغ عمره شهرين تقريبًا، اقتربت مني، ووجدت نفسي أنظر إليها وأبكي، قلت لها 'ما بقدر شوفك هيك، بدي اعبطك وبوسك' وبعدها اعطيتها تذاكر لها ولطفلها.

سألت رجل سوري آخر كان واقفًا: 'أنا بعرف أن الوضع بسوريا كتير صعب، بس هل هو صعب لدرجة أن الأم تسافر مع ابنها اللي عمره شهرين وتمرق كل هالطريق والعذاب والبرد؟ رد قائلًا: 'هيّ موتة، يا بدهم يموتوا بسوريا، يا بدهم يموتوا بالطريق لهون، بس بالطريق لهون في احتمال يعيش ويوصل حياة، تانية'.

عن موقع "عرب 48" - مختارات من الحصف
(159)    هل أعجبتك المقالة (169)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي