على مبدأ "الأسد أو نحرق البلد" رسمت الهيئة الإدارية "المنتخبة" في رابطة الصحفيين السوريين ومنذ وقتٍ طويل سياساتها الداخلية في التعامل مع أي عضو يعارض هذه المؤسسة التي ولدت من رحم الثورة سرعان ما شكلت إدارتها "نخبة حاكمة مغلقة" تحيك علاقاتها (التنفيعية) مع بعضها ومع المؤسسات الداعمة لها.
مع بداية الثورة السورية سرعان ما تداعى صحفيون سوريون لتأسيس مؤسسة نقابية مهنية تجمعهم تحت مظلتها، ولكن الحماس والنوايا الطيبة وقلة الخبرة بالإضافة إلى عملية الاستسهال في تأسيس مثل هذه المنظمات دون الالتزام بالمعايير جعل بعض المؤسسين يُنشئون مجموعة فيسبوكية من أجل التواصل باعتباره الطريقة الوحيدة في ظل التشديد الأمني وعدم إمكانية عقد مؤتمر للجمعية التأسيسية في داخل سوريا.
لم يكن هناك ثمة معيار لاختيار الصحفيين السوريين سوى التأييد للثورة السورية ومناهضة النظام، ولأن السوريين يجهلون بعضهم حتى من أبناء المهنة الواحدة تمت إضافة أسماء كثيرة لا تمتلك الحد الأدنى من المعايير الواجب توفرها.
مع بعض الزملاء تمت عملية انتقاء بعض الأسماء بعد التأكد من مخالفتها للمعايير الأساسية ولكن بُطؤ العملية والإعلان المتسرع لتأسيس الرابطة جعل من الصعب استثناء بعض الأسماء بعد أن صارت في مواقع قيادية في الرابطة.
هكذا تمكن عدد من غير المؤهلين للدخول في الرابطة من الوصول إلى قيادتها وبدأت المخالفات تنتشر وتخرج رائحتها إلى العلن مع عرقلة كاملة لعملية مطابقة مستحقي العضوية مع المعايير المطلوبة بأثر رجعي.
ومع ملاحظة العديد من أعضاء الرابطة للشذوذ في شكل إدارة الهيئة الإدارية لما أوكل لها من مهام، بدأت الانتقادات تتوالى، ولكن هذه الهيئة كانت ترفض أي منها، وحينما كانت الانتقادات تتحول إلى احتجاج، كان الجواب الذي أعلن في غير مرة: "إما أن تقبل بتصرفات الهيئة الإدارية أو أنت مخرب، ترفض خيار الديموقراطية..!" وحين كان الأعضاء المحتجون يردون بالحجة و المنطق، كانت ردود الهيئة تتحول إلى تشبيح على الأعضاء، فكم من صحفي اتهم بأنه بعثي (وصل الأمر ذات مرة إلى اتهام الصحفيين المنشقين بأنهم عملاء للنظام) وكم من صحفي أتهم بأنه داعشي، وغير ذلك من الاتهامات وصولاُ إلى الشتائم وتسفيه المحتجين.
وحين كان المحتجون يتوجهون بالشكاوى إلى لجنة الرقابة والشفافية المعنية بمراقبة أداء هيئات الرابطة، كانت فعالية الهيئة ذاتها تتعطل، حتى وصل الأمر إلى استقالة بعض الأعضاء منها حينما كان المطلوب أن يبتوا بالشكاوى المقدمة بشكل متكرر ضد ممارسات ومخالفات نائب رئيس الرابطة.
كل هذا كان يحدث تحت مسمع ومرأى رئيس الرابطة الذي توجه له الأعضاء المحتجون غير مرة لاتخاذ الموقف المناسب، ولكنه كان يختار الوقوف دائما إلى جانب الهيئة الإدارية التي تحولت إلى طرف في كل مشاكل الرابطة، طالباً ممن لا يعجبهم الوضع مغادرة الرابطة..! بينما يقتضي العرف و القانون أن يكون رئيس الرابطة و كذلك هيئتها الإدارية على الحياد، لأنهما يمثلان جميع الأعضاء و ليس فئة منهم.
أحد الصحفيين السوريين اللامعين تقدم بطلب عضوية للرابطة، لكن رئيس لجنة العضوية لا يحب هذا الشخص ويرفض إدخاله إلى الرابطة فيخفي البيانات التي تؤهله لنيل لقب العضوية، وحينما طالب الأعضاء بفتح تحقيق رسمي بهذه الواقعة المعيبة، تطوع نفر من الأعضاء للقيام بأعمال بلطجة وتشبيح، ونظراً لكون المتهم بالمخالفة كردياً فقد تم جرّ القضية من كونها شكوى ضد مخالفة إدارية إلى قضية سياسية وصراع قومي بين الأكراد والعرب.
يصعب الحديث عن كل المخالفات الكثيرة ولكن هذه الحادثة تشكل نموذجاً يحصل في رابطة الصحفيين السوريين، وحيث إن التفاصيل المملة قد لا تعني القارئ هنا، ولكن الإشارة إلى أن عضواً قيادياً في الرابطة يطلق مسمى "المستوطنين" على السوريين من غير الكورد الذين يعيشون في الجزيرة السورية.
توضح حقيقة المواقف التي يجتمع عليها بعض الأعضاء لتصبح تأييداً لعمليات تهجير هؤلاء "المستوطنين" بحسب ما تقوم به بعض الميليشيات الكردية.
فينبري نائب رئيس الرابطة ورئيس لجنة العضوية داخل الرابطة ليدافعوا عن تلك الميليشيات أمام تقرير منظمة العفو الدولية الذي يدينها بشكل واضح وبالاسم.
وهذا كله ناتج عن الإيمان لدى هذا النوع من الأعضاء بأن السوريين من غير الكورد في الجزيرة هم "مستوطنون" و"غرباء" ما يشرح الخلفية الذهنية لهذا العضو وغيره والمخالفة لأبسط قواعد حقوق الإنسان التي يدعي نائب رئيس الرابطة أنه ناشط في مجالها.
مسعود عكو نائب رئيس الرابطة ذاته وعند مرحلة التأسيس قال في تصريح لموقع الجزيرة نت: "السبب الذي دفع لتشكيل الرابطة هو الثورة السورية"، لكنه هو ذاته إضافة إلى زميله وشريكه رئيس لجنة العضوية سردار ملا درويش يعدان تقريرا يرسلانه إلى المنظمات الدولية مستغلين مواقعهم في رابطة الصحفيين السوريين ليدافعوا عن القوات التي حاربت الثورة و أيدت نظام بشار الأسد بل وحاربت إلى جانبه.
وهذه فضيحة "غير مسبوقة" لأنها تحمل مفارقة من الصعب تخيلها مثل أن يصبح:
"المجرم علي حيدر رئيساً لمؤسسة ثورية" أو" قيادي في الائتلاف يؤيد قوات الأسد"، وبالتأكيد سوف تتحول الفضيحة إلى مهزلة أيضاً حينما يكون المتحكمين في مفاصل الرابطة من هذه الطينة بينما تشارك بوقاحة قل مثيلها في إعداد ميثاق شرف للإعلاميين السوريين جرى إطلاق نسخته الأولى في اسطنبول قبل شهر ونصف تقريباً، بحضور رئيس الرابطة وبعض الأعضاء المتنفعين منها.
عشرات الأعضاء من خيرة الصحفيين السوريين بمن فيهم بعض المؤسسين يئسوا من إصلاح كل هذا الخلل فانسحبوا من الرابطة احتجاجا على موقف الهيئة الإدارية. فاستنزفت الرابطة بذلك أغلب خبراتها وإمكانياتها وكوادرها والهيئة الإدارية كانت سلبية كالعادة ولم تفعل أي شيء لإيقاف هذا النزيف سوى المزيد من الانحياز لمرتكبي المخالفات.
هكذا خسرت الرابطة عشرات الصحفيين المحترفين واللامعين منهم مثل ابراهيم الجبين وعلي سفر وخلف علي الخلف الذي كتب نظامها الداخلي بالإضافة إلى إياد شربجي ووائل التميمي وثائر زكي الزعزوع و كندة قنبر ومصطفى السيد ورأفت الغانم وعبد الله مكسور وعدنان عبد الرزاق وفلاح إلياس وأحمد العقدة وغيرهم الكثير.
بينما يمثل الرابطة أعضاء لا يعرف السوريون شيئا عن تاريخهم المهني يمثلون الصحفيين السوريين، وهم أيضاً من سوف يقرر من هو الصحفي الذي يستحق عضوية الرابطة أو لا يستحقها.
في كواليس الرابطة تبرر الهيئة الإدارية موقفها بأن نائب رئيس الرابطة من أقلية كردية و أن محاسبته أو إبعاده عن منصبه وفق القانون قد يُستغل في إبراز نفسه كضحية لدى الجهات الداعمة كعمل انتقامي وبذلك تشح موارد الرابطة المالية التي لا يعرف الأعضاء بالأصل كيف تصرف ومن يستفيد منها.
هكذا يتم التخلي عن المهنية و السمعة والوفاء لشعارات الثورة الأولى التي مايزال الشعب السوري يضحي لأجلها. مع إصرار هؤلاء على البقاء تحت مظلة الابتزاز الأخلاقي.
من المعيب أن يزايد أحد على المحتجين والمنسحبين من الرابطة في قضية الحقوق الكوردية، ومن المعيب أن تستمر هذه الأساليب الرخيصة التي تستنسخ أدوات النظام نفسه في التعامل مع المختلفين بالرأي، والتي تؤكد الحالة الراهنة للرابطة والتي تؤشر إلى وجود (شلة حاكمة) محاطة بالمنتفعين والمتملقين، يحكم عملها معيار تبادل المنافع، وإعادة ترجمة لـ "حكلي لحكلك"، فتتحول الرابطة المهنية التي تهدف إلى خدمة الثورة إلى دكان يحقق منافع ومكاسب شخصية، وإلى مطيّة لبعض الطامحين لأمجاد وهمية وبعض الجُعالات المالية.
من حق الرأي العام السوري أولا والصحفي المحلي ثانيا أن يطلع على تجربة واحدة من المؤسسات التي تشكلت في رحم الثورة، وتتلقى الآن الدعم على هذا الأساس بينما هي في حقيقة الأمر مليئة بالمخالفات، والتي يذكر الكثيرون منها محاولة رئيس الرابطة ومن معه الطعن بالميثاق الثوري الذي تأسست عليه الرابطة وكذلك تصريح نائبه بدعم الانفصال وتقسيم الوطن السوري.
من حق الرأي العام السوري أيضا وكذلك قطاع الصحفيين السوريين أن يحظوا بمؤسسة ثورية تليق بهم تمثل تجربة وطنية ناجحة وجادة ومسؤولة بعيدا عن كل هذا الاستسهال والارتزاق.
أعتقد أن الصحفيين السوريين يستحقون مؤسسة مهنية تجمعهم لا تفرقهم وهذه دعوة لتأسيس مثل هذه الرابطة وملء هذا الفراغ.
مؤيد اسكيف - مشاركة لـ "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية