عن التدخل الروسي وتعريف الوطن.. من داخل مجتمعات الأسد*

"لا تلتفت لأولئك الشبيحة وفرحتهم. إنهم رعاعُ وحثالة سوريا يرددون أي كلمات". بهذه الجملة المقتضبة والقاطعة أجابني صديقي، عندما كنا نتحاور بموقف الموالين من التدخل العسكري الروسي وقبله الإيراني في سوريا. وصديقي (لإرضاء الفضول، ليس إلا) يمكن تصنيفه بحسب اللغة السورية التعميمية بأنه "شبيح"، فهو يجاهر منذ بداية الثورة بأنه ضدها، ويدعي دائماً بأنه كان عالماً بما ستؤول إليه الأمور، لمعرفته بطبيعة نظام الأسد، وتخلف مجتمعاتنا.
ويتابع: "لقد باعوا البلد للروس والإيرانيين، وإن لم يكن هذا احتلال تجب مقاومته من السوريين، فكيف هو الاحتلال إذاً؟".
لست ممن يؤخذون بما يروج له الإعلام، وأدرك بحكم عملي أن رسائله (خاصة حين يكون إعلاماً رسمياً) إنما هي مدروسة بعناية، وتبتغي أهدافاً بذاتها. سوف يلحظ كل من يعيش ضمن ما يسمى البيئة الموالية أن هناك نمطين من المتلقين لجهة تعاطيهم مع رسائل الإعلام.
الصنف الأول هم من يمكن وصفهم بأصحاب الصوت العالي، وهؤلاء رغم قلتهم النسبية إلا أن صوتهم يغطي على الأصوات الأخرى، وذلك لسبب رئيسي (ربما تحف به عدة أسباب أخرى) هو أن نقيضهم في الثورة، لا ينتبه ولا يجيد الإصغاء سوى لصوتهم.
يمكن وصف نمط المتلقين هؤلاء، ودون الشعور بأي تأنيب للضمير، بالاستعانة بعبارة صديقي على أنهم رعاع وحثالة، ولو أردت الاستفاضة لأضفت بأنهم مجاميع من الجهلة تحركهم غرائزهم (طبعاً يوجد معادل لهم في صفوف الثورة)، ولذا يلاحظ أن تحويلهم وتحويل مواقفهم من اتجاه إلى نقيضه في بعض الحالات، سهل لدرجة يبدو كاريكاتيرياً.
طبعاً مازالت في ذاكرة كل السوريين القصص المضحكة التي ابتكرها في بدايات الثورة إعلاميو النظام الأكثر شهرة (في مبنى التلفزيون يطلق عليهم الموظفون لقب "الحكواتي الأمني"، ويذهب البعض إلى تسمية ضابط الأمن الذي لقّن كل منهم ما عليه أن يقوله قبل كل مقابلة)، ويذكرون أيضاً كيف صدق تلك القصص هذا الصنف من المتلقين ضمن البيئة الموالية، وراحوا بسذاجة يحاججون بها، بينما كان يضحك منها معظم الآخرين في بيئة الموالاة وبيئة الثورة.
أما النمط الآخر من المتلقين فهم من نمط صديقي، والذين يتلقون الرسائل الإعلامية للنظام فيقابلونها إما بصمت تستدعيه بعض المصالح، وتلفه مخاوف غير معلنة، من القسوة الأمنية التي خبروها (ربما خبروها في جلود الآخرين) في النظام، والتي لا يمكن الركون إلى أنها لن تمتد إليهم لو تمادوا وقفزوا فوق ما يجمعون على تسميتها بالخطوط الحمر، أو أنهم يقابلونها في أحيان قليلة، ببعض الانتقادات مع تأكيدهم بشكل متكرر أنها انتقادات من مواقع المشتركات مع النظام (مراعاة ربما لسقف الوطن).
في الشهور الأخيرة هناك تغيرات "دراماتيكية" في المواقف تحدث ضمن تلك البيئة، وضمن النمط الثاني من المتلقين تحديداً، تغيرات ربما هي تتبع اصطفافات جديدة ضمن تلك البيئة، ليست متبلورة على نحو جلي، ولم نستطع تلمس طبيعتها بعد.
مواقف متباينة ومنفلتة من الانضباط المعتاد، لدرجة تبدو أنها لم تعد بقيادة "مايسترو" واحد، كما كان الأمر يبدو على الدوام منذ بداية الثورة، خاصة لجهة الموقف من تدخل حزب الله والحرس الثوري الإيراني، ومؤخراً التدخل الروسي الذي بلبل المواقف أكثر، بسبب تناقض التحليلات حول أهدافه.
اليوم تندفع للسطح مواقف لم تكن مألوفة من قبل، فأن يصف موالون هذا التدخل بأنه احتلال، عكس كل مرويات إعلام النظام، فهذا يعني أن مساحات جديدة انفتحت خارج سيطرة الخطاب الإلزامي الموحد، مما قد ينتج في فترة لاحقة وغير بعيدة، تشققات لن يستطيع النظام، ولا أجهزته الأمنية مواجهتها. ليس فقط لأنها تحدث في جداره الأخير، وإنما لأنها ستخترق جسم النظام ذاته، وتتموضع فيه كترسيمات مشابهة لما يحدث في بيئته (لا يمكن الجزم إن لم تكن قد بدأت في جسم النظام أولاً، وهي تنتقل الآن إلى بيئته).
لم يكن من المتصور أن تستمع في هذه البيئة، قبل عام فقط من الآن، عن احتمالٍ ولو ضئيل، بأنه من الممكن أن يكون ضمن من يموتون بجوارنا (في الغوطة الشرقية أو الغربية) أطفال ونساء.
أما اليوم فإنك لن تعدم سماع التشكيك بروايات النظام عن مقتل عشرات الإرهابيين كل يوم.
استجمعت جرأتي وسألت صديقي: ماذا لو كانت روايات قنوات الإرهاب (هكذا اسمها) صحيحة، وأن الحكومة (أن تتلفظ بمصطلح النظام هنا فأنت من الأعداء دون شك. اسمها الحكومة)، هي التي قصفت الغوطة بالسلاح الكيميائي؟ لم يصمت طويلاً مما جعلني أشعر بأنه سؤال مطروح (أقلّه داخلياً). قال لي: عندها سنكون شركاء فخريين بالجريمة.
يبدو اليوم، ونحن ندخل الشهر الثاني للتدخل الروسي، أنه لم يعد من المبكر طرح السؤال، هل ستمتد أيدي هؤلاء، لسوريين آخرين في الضفة الأخرى المؤيدة للثورة، ممن وصفوا نظام الأسد بأنه احتلال داخلي يستدعي احتلالات خارجية؟ أم ما زال الوقت مبكراً للحديث عن رؤيةٍ سورية موحدة، يمكن أن يبنى عليها لتأسيس سوريا جديدة.
على الأرض وفي دواخل هؤلاء ما زال هناك الكثير من الخوف. الخوف من أصحاب الخطابات الإقصائية والثأرية المعممة في ضفة الثورة.
وبالعمق أكثر، هناك شعور لدى شريحة لا يستهان بها، بأنهم شركاء في جريمة لم يشاركوا بها، ولم يكونوا يريدونها، ولكنهم كانوا دائمي الصمت وهي تحدث (بعضهم كان مرتاحا لحدوثها بسبب اشتداد الخوف غرائزياً).
وأحياناً تورطوا في خطاب إعلام النظام في إطلاق التصنيفات عمن هو مواطن ومن هو خائن للوطن.
شحوب (نفسي على الأقل) مستجد يسود البيئة الموالية في الشهور الأخيرة، وعشرات الأسئلة الجديدة التي باتت تطرح في الجلسات الخاصة. أسئلة تبدأ من المصير الشخصي، ولا تنتهي بالبحث عن تعريف جديد للوطن. تعريف يشعرون اليوم أنهم يحتاجونه بقوة، بعد أن شوش خطاب النظام الوطن القديم في أذهانهم، وبعد أن هشمت الثورة التعريفات المدرسية والشكلية التي كان السوريون يرددونها بطريقة ببغائية عن الوطن.
انتظار صعب ومرير تعيشه هذه الفئة التي بدأت تستعيد تدريجياً، تجريب استخدام الأسئلة الصعبة، وعدم الركون إلى الإجابات الجاهزة. لا إجابات حاسمة.
*مواطن سوري مقيم في دمشق
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية