اليوم، تسدل ستارة الانتخابات التركية، على أصعب مرحلة ربما، عاشتها تركيا، على الأقل، مذ وصل حزب العدالة والتنمية للسلطة عام 2003، فبعد "تجديد البيعة" لثلاث دورات برلمانية، صفع الشعب التركي بيونيو/حزيران الفائت حزب العدالة والتنمية، ليقول باختصار "لا نريد ديكتاتوريات" ويتركه أمام نجاح برلماني منقوص، لم يمكنه من تشكيل الحكومة منفرداً، كما جرت العادة، ولتزيد مصاعب الاتتلاف مع الأحزاب الأخرى، التي نبشت كل ما بخسائرها وشبه إقصائها، من حقد سياسي مشروع وسياسة حاقدة مذمومة، انصبت على أنصار أردوغان، ولحق منها السوريين، بالوعيد على الأقل، ما لحق.
سيناريوهات اليوم ثنائية لا ثالث لها، إذ لا عودة لانتخابات برلمانية ولا مناص من تشكيل حكومة، بل وقوية تستطيع إبعاد تركيا عما يحاك لها، إن في المستنقع السوري، أو من دول جوار صحى فيها شياطين الماضي والنكوص والروحانيات.
فإما يفوز العدالة والتنمية ويشكل الحكومة منفرداً، أو يمد يده لحزب آخر، ولعل في احتمال دمج حزب الشعوب الديمقراطية بحزب آخر ليشكل الأحزاب الثلاثة المعارضة التي ستغدو حزبين، حكومة، هو احتمال أبعد لمنطق "الهوية" التي يتاجر بها الجميع، بعد طغيان "القومية " على الحملات الانتخابية هذه المرة.
لسنا وكلاء عن الأتراك لنعيش حياتهم السياسية وننوب عنهم بالقلق والبحث بمآلات الاحتمالات، بيد أن لوجود ما يزيد عن 2 مليون سوري على أراضيهم، ولانغماسهم بقضيتنا وارتباط جزء كبير من مصيرنا بأيديهم، دفعنا، بعد وصول السيسي للحكم بمصر، للتوجس، ربما من قبيل من ينفخ على اللبن.
قصارى القول: المتابع للانتخابات التركية المعادة اليوم، يلحظ لعب جميع الأطراف الساعية لأصوات الناخبين، على "بطون الأتراك" فالاقتصاد الصغير إن جازت التسمية، طغى هذه المرة، وطفى على سطح الحملات تحسين المستوى المعاشي وزيادة أجور العاملين والمتقاعدين، في حين لم تعر الأحزاب، وخاصة العدالة والتنمية هذا الشأن، ما يستحق من دعاية واهتمام المرة الفائتة، ففي حين غرق أنصار "أردوغان" بالمشروعات الكبيرة وحلم تركيا، تنبه الآخرون للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بالتوازي مع الهموم والتطلعات القومية، فصُفع العدالة والتنمية أمس، ليعد للعشرة ويتنبه اليوم.
فما حل بالليرة التركية من تضخم، أفقدها نحو 30% من قيمتها خلال عامين، كان ثغرة بجسد الحزب الحاكم ونقطة قوة دعائية استخدمها خصومة، وكذا لجهة ارتفاع نسب الفقر والبطالة وتراجع جذب الاستثمارات.
نهاية القول: أمران يقفزان على الذاكرة بهذي المناسبة، بعيداً عن الغوص فيما قد ينعكس على السوريين، فيما لو فاز هذا الحزب، أو أقصي ذاك.
الأول مقارنة ما يجري بتركيا اليوم، من مناخ سياسي كم تشهيناه وتمنينا أن نعيشه، ففي سورية قوائم الجبهة وبعض مستقلين يتفقون مسبقاً على "الأتاوة" ليفوزوا بمقعد برلماني لا أثر وتأثير له، فمنذ زمن "الحزب القائد" والحكومة يشكلها "البعث" ولا صوت أو مقعد وزاري لمعارض أو غير محزّب، إلا من قبيل تكملة العدد أو الاسترضاء الايديواوجي والمذهبي..وهذا الأمر يبعث بالحلق غصة يوصل القيح للحنجرة.
أما الأمر الثاني، فهو الاتفاق على "تركيا قوية" بصرف النظر عن الحزب الذي سيفوز، فما يحيق بتركيا من مخاطر، دفع الجميع ليتنازل أمام الوطن الأم، فما كان عدواً للعدالة والتنمية أمس لاعتبار روحي أو ايديولوجي، نراه اليوم حليفاً لتركيته، وإن احتفظ بمواقفه التي ترقى لمستوى العدائية.
ومن مشى بموجة الديمقراطية وتناسى الحلم العثماني ومشروع الامبراطورية، صحا اليوم ليقف إلى جانب "الأمة" بصرف النظر عن ادعاءاته وشعاراته التي فوجئنا بها كمراقبين.
إذاً، هي معادلة الوطن ذات الطرفين، الأول المواطنة بكل ما تحمله من حقوق وحريات وواجبات، والآخر الاقتصاد الذي لم يعره وريث الحكم بدمشق ما يستحق يوماً، ففي أفضل أيام العسل مع العالم بعد عام 2005 سارعت العصابة لتوزيع كعكة اقتصاد البلد، فبدلاً من استغلال المرحلة والانفتاح الذي أبداه العالم، هرعوا لتقاسم الوكالات ومشاريع الطاقة واستثمارات المال، بل وحتى اليوم، ورغم كل الذي جرى من دم وتخريب وتهجير، يستمر النظام القاصر بحل التجويع الذي استورده الوارث من الاتحاد السوفياتي الاشتراكي يوماً، فبعد رفع الأسعار بسورية 12 مرة عما كانت عليه، يثبّت ابن أبيه الأجور، وعندما ينكشه من حوله، يرفع الرواتب بنحو 7 دولارات، ويطلب للإعلام الممانع أن يسبح بحمده ويشكر القائد على المنحة والمكرمة.
هي قضية ذهنية إذاً، ذهنية الدولة وليست عقلية العصابة، تلك التي أدخلت تركيا بنادي العشرين، وأخرجت سوريا لعشرينيات القرن الفائت...أو يزيد.
* عدنان عبد الرزاق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية