بصرف النظر عمّا ستؤول إليه المحادثات والمؤتمرات والحلول السياسية، التي ستصب في صالح سورية الخالية من الأسد نهايةً.
ليس أسوأ مما يعيشه بشار الأسد اليوم، فأن تكون دونما رأي أو قرار، حتى بتحديد مصيرك الذي قد يكون القتل أو الهروب بعض بعضه، فتلك لعمري أولى مراحل القصاص وآخر حالات القهر والعذاب، التي سيذوقها القتلة، كما أذاقوها للسوريين على مدى خمس سنوات.
قصارى القول: بالطريقة ذاتها التي دعينا خلالها لشراء مواقف موسكو، التي عرضتها للبيع ولأربع سنوات متتالية، ومن ثم رجونا اللعب مع بوتين بالسياسة والوعود، لعدم دخول طائراته المعركة السورية، ندعوا اليوم للتعاطي السياسي، ورفع سقف المطالب عالياً، ليس لأن "الفاس وقعت بالراس" ودفع أهلنا ثمن سعي موسكو للقطبية والحفاظ على مصالحها من دمهم فحسب، بل ولأن موسكو وقعت بما أضرنا ويضرها، وبدأت تتلمس مخرجاً من المستنقع السوري.
فالمتابع لنقاط المبادرة الروسية التسع، ابتداء من تحديد بنك أهداف مشترك بين الدول التي تقصف في الأراضي السورية، ووضع الفصائل التي لا تقبل بالحل السياسي في بنك الأهداف، وصولاً لشرط تعهد بوتين بعدم وجود الأسد مستقبلا وإبقاء مشاركة الأسد في الانتخابات سراً كي لا يفقد السيطرة على الجيش وينفض المغيبيين من حوله، وما بينهما من تجميد القتال بين الجيش الحر والأسدي وإطلاق مؤتمر للحوار والعفو عن جميع المعارضين.
إنما يلحظ -وخاصة إن أضفنا، ما قاله رئيس دبلوماسية بوتين أمس، عن استعداد الكرملين لتقديم دعم جوي للجيش السوري الحر- أن اصبع موسكو بدأت تؤلمها من عضة السوريين والمجتمع الدولي، وقبل أن تصرخ "آخ" وتخرج اصبع الثورة من بين فكيها، بدأت تقدم "تنازلات سياسية" بالمقارنة مع السقف العالي والعنجهية والوعود، التي لبستها مطلع التدخل الجوي وقتل أول مدني سوري بصواريخ طائرات "سوخوي".
إذاً، هي السياسة يا قوم، لا ديمومة فيها لقرار ولا تغنّ فيها لثبات موقف، بل التبدل بالمعطيات تفرض تغييراً بالمواقف والآراء، ولعل حال الآخر اليوم، ممثلاً بالأسد الذي سمع صاغراً إملاءات بوتين، وإيران التي باعت النووي لتأكل الخبز، وروسيا التي ستنهار اقتصادياً إن استمرت حربها على السوريين شهراً إضافياً، بعد تلميح الأشقاء بالرياض وأبو ظبي من الانسحاب من شرط التمويل وسحب الوعود والاستثمارات، إنما كل ذلك يشجع على رفع "دوز المطالب" المدّعم بشيء على الأرض، طبعاً هذا الشيء غير تحرير حماة كي لا تكون ثقباً أسود آخر بعد حلب، ومأساة تهجير جديدة بعد إدلب وسابقاتها.
نهاية القول: أحس دب موسكو بمكائد ثعلب واشنطن، رغم الحيطة وعدم الوقوع بحفرة "كابول" ثانية، وأدركت روسيا التي كسبت جولة واستفادت من التردد الأمريكي المقصود، أن الاستمرار بتأييد الأسد كشخص والدخول بالحرب على "الإرهاب" منفردة، ستكلفها خسارة أموال الخليج وربما توقعها "بربيع روسي" بعد الإحساس بالتحرك الشعبي وارتفاع صوت المعارضة بالداخل، والتي لا يمكن أن تعوضها -خسائر الانفجار الداخلي- لا أموال طهران ولا عائدات المياه الدافئة وقطع حلم الغاز عن الأوروبيين.
لذا، وجدنا تبدلاً بمواقف بوتين أخيراً تفرض على المعارضة السورية التي غيبوها عن اجتماعات مصير سوريا والشعب، تبديلاً بالمواقف، التي خرج أولها أمس، رفض بقاء الأسد وعرض دعم موسكو لمحاربة تنظيم "داعش ".
لكن يا قوم، ولأنها سياسة، للرفض ورفع سقف المطالب أدوات وطرائق، فضلاً عن طرح البديل وكسب المؤيدين، لأنه وبالإضافة إلى دم السوريين، الذي سيسفك ثمناً للرفض وتأخير الحل، لا يمكن لأكثر المؤيدين لرحيل الأسد وإيجاد حل للحالة السورية، أن يبقوا إلى جانب الهزيل المطلبي الشكاء...وأظن لدغات الماضي كافية للتعامل مع آخر وأخطر مراحل الثورة السورية، حتى لو اضطررتم لتتعلموا لعب السياسة والمتاجرة بمصالح الآخرين.
عدنان عبد الرزاق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية