قد يكون من المفهوم أو المبرر ولو في حده الأدنى أن لاتستطيع عيون مخابرات الأسد ولا رادارته الكشف عن الخطة أو اللحظة التي غادر فيها "بسام العدل" الأراضي السورية بطائرته القتالية "ميغ 23" ليهبط على أرض "إسرائيل" قبل نحو ربع قرن (26 عاما بالتحديد).
ولكن من العصي على الفهم والتبرير، أن لا يكون للطيار السوري "الخائن" –حسب وصف النظام وإعلامه- ولو مذكرة اعتقال واحدة، من بين 525 ألف مذكرة اعتقال، طالت 153 جنسية، منها 479 ألف مذكرة اعتقال بحق السوريين، شملت الأطفال والشيوخ، النساء والرجال، المدنيين والعسكريين، وغطت تاريخا يمتد عدة عقود حتى العام 2014.
*2786
ففي مثل هذا الشهر تشرين أول/أكتوبر من عام 1989، فرّ الطيار "محمد بسام العدل" بطائرته الحربية ذات الرقم "2786"، من طراز "ميغ 23" والتي كانت حينها "فخر الصناعة الجوية الروسية"، بما تمتلكه من قدرات قتالية فائقة.
وبغض النظر عن ملابسات ومسوغات "العدل" للفعلة التي اقترفها، لأنه أمر يطول الجدل فيه، فقد شكلت الحادثة منذ وقوعها مادة دسمة لإعلام النظام، للتحذير من "الخيانة" وعواقبها، فيما يشبه درساً منتزعا من منهاج "التربية القومية الاشتراكية"، في حين بقي السوري متعطشا لأي معلومة بسيطة عن من سهّل لـ"بسام العدل" مهمته، أو غطى عليه أو عاونه من جيش ومخابرات النظام، وهل تم اكتشاف بقية "الخونة" ومحاسبتهم.. لكن كل ما ظفر به السوري المتعطش، أن "العدل" ارتكب فعل "الخيانة" في غفلة من عيون مخابرات الأسد، حيث خاتل زملاءه الذين كان يطير في سربهم، ودخل "الأراضي المحتلة"، ومن يومها صار ذكر "العدل" ملازما لصفة "الخيانة"، بل بات "العدل" أيقونتها ورمزها الأقوى، باعتباره "عميل إسرائيل" الأول.
*ذكرى مزدوجة
حكم الأسد السوريين بـ"فزاعة" نظرية المؤامرة، فردوا له الصاع في الخفاء بالحكم عليه وعلى تصرفاته بـنظرية "الخيانة"، وكانوا يحدثون أنفسهم أو أقرب الموثوقين منهم بأن "العدل" لم يكن ليقدم على خطوة بحجم الهروب بطائرة "ميغ 23"، لولا لم يكن يحظى بتغطية من مستوى "عال جدا"، لاسيما أن هذه الطائرة كانت تشكل في حينها "لغزا" من الألغاز العسكرية سعت دول عديدة للحصول عليه، وفي مقدمتها الولايات المتحدة و"إسرائيل".
واليوم، ومع البحث في الأرشيف الأسدي المخابراتي، الذي يضم نحو 1.7 مليون مذكرة، وعدم العثور ولو على مذكرة اعتقال واحدة باسم "بسام العدل"، يتبين بـ"الدليل الرسمي الدامغ" أن نظرية خيانة النظام التي كان يحدث السوريون بها أنفسهم سرا، عندما تأتي سيرة "العدل" وأشباهها، إنما هي نظرية أقرب للواقع أكثر من أي وقت مضى، وأن الخائن "الكبير" بحاجة دوما إلى "خونة" صغار ليصرف الأنظار عنه، كما إن الفاسد واللص "الكبير" بحاجة إلى فاسدين ولصوص صغار، يكونون بمثابة دريئة تنهال عليها سهام الناس، بدلا عنه.

واختارت "زمان الوصل" تسليط الضوء على ملف "بسام العدل" في هذه الأيام، لتصادفه –أولاً- مع الذكرى 26 للحادثة (وقعت ظهر يوم الأربعاء 11 تشرين الأول/أكتوبر 1989)، ولتزامن الذكرى مع الغزو الروسي لسوريا، الذي انطلق في هيئة سلسلة مكثفة من غارات الطيران والقصف الصاروخي، لعل القيادة الروسية والشعب الروسي يأخذان علماً بحال "حليف" موسكو، الذي وضعت سلاحها "وديعة" بين يديه، فاستخسرت مخابراته أن تصدر بمن كشف سر "ميغ 23" أمر اعتقال ولو من ورق!
*توخياً للدقة
تنوه "زمان الوصل" أنها كررت البحث في قوائم الاعتقال عن اسم "بسام العدل" و"محمد بسام العدل" عدة مرات وبعدة احتمالات، وأن كل ما خرجت به هو قائمة من 5 أسماء ليس بينهم أي شخص من عائلة "العدل"، وتوضح الصورة المرفقة مدى دقة البحث، المعتمد على نفس آلية البحث في القوائم الأصلية لدى النظام، إذ يكفي ذكر أي حرف من اسم الشخص أو اسم العائلة حتى تخرج لك كل الأسماء المعنية، ومن هنا يلاحظ أن البحث عن كلمة "عدل في حقل العائلة أفضى إلى إخراج كل المطلوبين للاعتقال، ممن تحوي أسماء عائلاتهم الحروف الثلاثة متعاقبة "عدل"، فأخرج البحث أسماء أشخاص من عائلات "أبو عدل"، و"معدل"، دون أن يكون هناك ذكر مطلقا لعائلة "عدل"، سواء بسام أو غيره.

وتحريا منها لأقصى درجات الدقة، وتحسبا لأي احتمال بوقوع خطأ طباعي في الأرشيف، أجرت "زمان الوصل" عمليات بحث أخرى، بأسماء مقاربة "باسم عدل، محمد باسم عدل"، فلم تظفر بأي نتيجة.
زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية