"في حياة الأمم، كما في حياة الأفراد، فترات خاصّة، ترتفعُ فيها على نفسها، وتسمو فيها على مألوفها، فتأتي بالخوارق والمعجزات.. هذه الفترات الخاصة هي التي ترتفع فيها الجماعات، كما يرتفع فيها الأفراد، إلى ما هو أعلى من الحياة اليومية ومن المطالب العادية، وتتطلّعُ إلى غايات عُليا لا تتعلّقُ بحياة فردٍ أو جيل.. ولا تقفُ عند رغبة شخصٍ ولا أنانية فرد. وفي هذه الفترة بالذات يجد الفرد لذّتهُ الكبرى في أن يُضحّي بلذائذه، وغايتهُ الأولى في أن ينسى غاياته.. وتنبثقُ من الجماعة – حينئذٍ – إشعاعاتٌ وطاقاتٌ عجيبة تتخطّى اللذائذ والغايات المنظورة إلى لذائذَ وغايات أخرى غير منظورة، قد لا تستطيعُ تحديدَها تماماً، ولا فهمهما نَصاً، ولكنّها تُساقُ إليها سوقاً بدوافع خفيّة كامنة، فيبدو كأنما الكلُّ أبطالٌ في وقتٍ من الأوقات"..
الكلماتُ السابقة، للمفارقة، هي للكاتب المصري سيد قطب، الذي ينظر إليه البعض نظرةً تُقارب التقديس، ويرى فيه البعضُ الآخر سبباً من أسباب أزمة العرب المعاصرة..
لسنا هنا في مقام الحديث عن الرجل، وأتمنى على الجميع ألا يكون هذا موضوعاً لنقاش من قريبٍ أو بعيد. كل مافي الأمر أن المعاني الكامنة وراء العبارات أعلاه حَضرت إلى ذهن المرء في معرض التفكير بالوضع السوري الراهن، وخاصةً فيما يتعلق بثقافة (التقارب والتنسيق والوحدة) التي تبدو أطرافُ المعارضة السورية على طريق القناعة بها والعمل بمقتضياتها.
فهذه ثقافةٌ يجب تعميمُها على كل المستويات. ومن المهم جداً أن يدركَ أهميتَها الاستراتيجية السوريون، من أهل الثورة، ومن العاملين خارج الإطار السياسي، كتاباً، ومثقفين، ونشطاءَ، وإعلاميين، وأهمﱡ من هؤلاء، كل سوريٍ تُثقل كاهلهُ اليوم مشاعرَ لاتحملها الجبال، ولايمكن أن يفهمها غيرُ السوريين.. وتَعجزُ عن وَصفِها هنا كلمات.
ليس ثمة مثاليةٌ في الفقرة الواردة أعلاه، مرةً أخرى، إذا أردنا ذلك كسوريين.
قد يبدو الوصفُ والتعبير أدبياً، لكن معانيه تحمل مضموناً فلسفياً وثقافياً واجتماعياً ونفسياً عميقاً. بل إنها تحمل توصيفاً عملياً لملامح (روحٍ جماعية) عاشتها شعوبٌ خرجت من أزماتها الكبرى على مدى التاريخ. وهو تاريخٌ تروي لنا قراءتهُ قصصاً عن ممارساتٍ للشعوب في زمن الأزمات تفوقُ معانيها (البطولية) كل وصفٍ وتعبير.
هذه لحظةٌ تاريخية في الثورة السورية بكل المعاني.
يعرفُ السوريون هذا. لكن مَن عايش أحداث الأعوام الماضية من داخل أروقة العمل والحركة يُدركُ حقيقة (تاريخية) الموضوع وقيمته الاستثنائية.. صدﱢقني ياقارئي الكريم..
ومايجري اليوم من تنسيق، ومحاولات تنسيق، وجهود متنوعة لتوحيد الموقف والرؤية والقرار، كانت جميعها (حلماً) يُراود السوريين. وكان البحثُ عنها مضمونَ سؤالهم واستنكارهم وغضبهم على مدى سنوات..
لماذا نهرب من هذه الحقيقة؟
وبالتالي، لماذا نهرب من (حلمنا) الكبير؟
هناك أكثر من (فخّ) في ثقافتنا التقليدية يجب الانتباه إليه بحذرٍ شديد، لأن بإمكان كل واحدٍ منها أن يقتل أيﱠ كمونٍ تحمله اللحظة التاريخية هذه. دعونا نضع إصبعنا سوياً عليها هنا باختصار، ولكن بوضوح:
• الإصرارُ على تصفية الحسابات، الشخصية، والأيديولوجية، والحزبية.. بغض النظر عن كل شيء..
• كبرياءٌ توسوسُ في قلب صاحبِها: كيف (ترضى) أن يبدو في موقفك الآن (شبهة) تأييد لمن وقفتَ وكتبتَ ضده وضد مواقفه في الماضي، فرداً كان أو مجموعة؟..
• استصغارُ أنفسنا، كسوريين، على مستوى الفرد والجماعة البشرية: "معقول؟! ممكن يطلع معنا هيك شي"..
• زهدٌ في المبادرات الشخصية، والجهلُ بقيمتها، مهما كانت صغيرة:"هلأ شو رح يساوو كلمتين أكتبون عن وحدة المعارضة؟"..
• نخبويةٌ وانقطاع بين المثقف و(الواقع السيء) يُغيب الكمون الكبير الممكن للمثقفين..
• غيابُ قراءة التاريخ الذي يعطي للشعوب، دائماً، إمكانية الاستفادة من التجربة، وإمكانية التصحيح: "مستحيل.. مو ممكن يطلع مع معارضتنا شي مظبوط متل هاد بعد كل اللي شفناه منها"..
كل واحدةٍ من تلك العناصر في ثقافتنا التقليدية تمثل (مصيدةً) (سلَّالة) تقف بالمرصاد أمام مشاركة السوريين المطلوبة، والأساسية، في تشكيل زخمٍ شعبيٍ يدفع مسيرة وِحدةٍ، توجدُ مؤشراتٌ عملية أنها بدأت..
والأمرُ، بصراحةٍ يجب أن نعتادَ عليها، يحتاجُ إلى قوةٍ نفسيةٍ قبل أي شيءٍ آخر.. لأن تلك القوة، وحدَها، هي التي يمكن أن تساعد كل سوري، اليوم، على أن يضع مصلحة سوريا وثورتها قبل، وفوق، كل شيءٍ آخر.
في مقالٍ رائع لياسين الحاج صالح عن "الأمل: تأملات في هشاشته وقوته" ثمة فقرةٌ تُخاطب السوريين جميعاً في هذه المرحلة الحساسة، يقول فيها "مشكلتُنا مع الأمل أنه صغيرٌ هشّ، وبينما نحتاجُهُ في كل وقت، فإنه بحاجةٍ إلى كل طاقتنا على العمل، وكل ما قد نستجمع من ذكاءٍ وخيالٍ كي يبقى معنا وينمو. ومشكلة الأمل معنا أننا نتخلى عنهُ بيُسرٍ أمام الصعاب، ونركنُ إلى اليأس"..
تبدو المسافةُ بين (الحلم) في مطلع المقال و(الأمل) في نهايته هي (الرحلة) التي يجب أن يقطَعَها السوريون، بحيث يمكن أن يبدو، جميعاً، (أبطالاً) اليوم، بمعنىً من المعاني.. ويساهموا في أن تعود ثورتهم إليهم.. إذا أرادوا ذلك.
زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية