ربما لا يمكن لتركيا، العثمانية والأتاتوركية وحتى الأردوغانية، أن تعلن اسطنبول عاصمة لدولتهم، إن أيام القوة، أو في عهد "الرجل المريض" أو حتى في مراحل حلم "العدالة والتنمية" التي بدأت تتحطم تباعاً على صخرة الجغرافيا، واشتداد الحصار، لحدود خنق المشروع ومشرعنيه.
بساطة، لأن اسطنبول محتلة من العثمانيين، وبإعلانها عاصمة يزيد استفزاز "الأرثوذكس"، بل و ثأر "آيا صوفيا" الذي لم ينم في موسكو، وإن أجلته أثينا، فمنذ معركة "نافارون"، والحقد يتأجج، وربما حان زمن الأخذ بالثأر، وإن من سوريا أولاً.
تركيا ليست قضيتي، رغم الأذى الذي سيلحق سوريا والسوريين، إن تحول الدب الروسي إلى أسد، وأعاد لضرورات الحلم والمرحلة، إعادة إنتاج الأسد، فدخل بشرعية "الحرب المقدسة" من سوريا، ليصل لمبرر التقديس، ويستعيد الحلم الذي عطله البلاشفة بثورتهم خلال الحرب العالمية الأولى.
بيد أني كسوري مستغرب من الصمت التركي، وقت ضرورة الفعل لا الكلام، جعلني أبحث في الأسباب، واكتفاء تركيا، التي أول من وزع على الأسد، الخطوط الحمر، بوضع رأسها ضمن سلة رؤوس، وتشارك ببيان لفظي هش، إلى جانب فرنسا وألمانيا وقطر والسعودية، وحتى الولايات المتحدة، يعربون خلاله عن قلقهم من تمادي موسكو وضربها مواقع الجيش الحر "المعتدل" وتقتل المدنيين في أرياف حمص وحماة وحلب ودمشق، دون أن تستعرض بعض عضلات، في مناطق سيطرة "داعش" التي تمددت أمس في ريف محافظة الحسكة.
إذاً، قرأ الرئيس أردوغان الرسالة جيداً، وفهم مضمونها مرامي بوتين التي فضحتها "قدسية الحرب" رغم لا "زينبـوف" بدمشق ولم يقتل آباء الأمويين "حسينوف"، وليس من مبرر لدخول المستنقع الذي زخرفه "ميكافيلي العصر الحديث" أوباما، رغم وضوح عمق المستنقع وتكراره لتجارب لم يمض زمن على آخرها في كابول.
قصارى القول: محزن لنا كسوريين، أن تكون الحرب العالمية الثالثة على أرضنا، ولعل هذا تأكيد إضافي، على ولدنة وريث كرسي السلطة، إذ من ألف باء السياسة أن تبعد نيران المعارك عن جغرافيتك، ومؤسف لدرجة الوجع واللاحول لنا، أن يدفع شبابنا ثمن حرب الغاز والمؤامرة على الشرق أوسط التي يقودها الوريث بالوكالة أيضاً، ومؤلم أن يستيقظ النكوص الأرثوذكسي، كما الشيعي الفارسي، لتتم تصفيات الحساب في شامنا.
فعدد سكان سوريا اليوم، بعد خمسة سنوات من الصراع على الكرامة، أي بعد هجرة وتهجير أكثر 5 ملايين ونزوح أكثر من سبعة، بات-العدد، نحو 16 مليون نسمة، منهم 8 مليون بحاجة عاجلة لمساعدات غذائية و13 بحاجة لمساعدات إنسانية عاجلة. وكل ذلك، رمى لكرسي متوارث، أو بدأ لأجل ذلك، قبل أن يتحول لأفغنة سوريا ومرورها بعقود قتال وضياع، ربما، أو الأرجح، لن يسلم من تطاير شرر أوارها، كل من رمى، ولو بمثقال ذرة من حقد وتآمر.
خلاصة القول: لعل السؤال الآن، ما هو السيناريو المقبل، أو الأرجح أن تكلل به "المؤامرة" بعد دخول الروس الذي يقول التاريخ، إن دخولهم يشهد عنفاً ووحشية بالحروب، وينتهي بالغالب، بهزائمهم والتقسيم.
مرة أخرى، واشنطن المستفيد الثاني بعد تل أبيب من كل ما يجري، لذا لن تسمح بوقف المعركة، أو ربما تسيّل دم من يفكر بوقف الدم، فالفصل الختامي لمّ يتجلَّ بعد، وربما العام بعمر حكم أوباما، والعام ليتخذ الرئيس الخلف، المتوقع أن يكون جمهورياً، يكفيان -العامان- لاقتسام كعكة الخراب، التي سترضى واشنطن منها بالإياب، وتكون أكثر الرابحين، بعد أن ضمنت تأصيل الحقد تجاه من يفكر بقطب ثان، وكرّست الحقد الشيعي السني..فضلاً عن تهديم الجيش السوري وتعطيل حلم أوروبا بالغاز العربي...وأشياء أخرى.
لذا، ودونما إطالة وسرد ما غدا بدهياً، الحل اليوم بيد السوريين أولاً، عبر الرد على "وديعة بوتين" وإعادة النظر برد الائتلاف حول "لجان ديمتسورا" التي قبلها الأسد، وتحييد مصر عبر "الرز السعودي" إن لم يكسبوها حليفاً، وعدم التمادي بحلم تزويد واشنطن للثوار بمضادات الطائرات، لأن الرد على حسن الحاج علي، قائد صقور الجبل المدعومة من قبل واشنطن، كان واضحاً.
اليوم، ثمة مساع سياسية كنت شاهداً على رسم بعض ملامحها، هي تبعث على بعض أمل بواقع الإحباط الخانق، لكني أحسبها منقوصة لأمرين:
الأول، استمرار ذهنية الإقصاء خلال إعدادها وربما تسويقها.
والثاني أنها تبعد رجل أنقرة عن "الفلقة" لطالما كانت من أول الطباخين، ولم تزل صاحبة المصلحة الكبرى من عدم تحويل الدببة والحمير إلى أسود، وخاصة بعد "الحرب المقدسة".
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية