
"رستم غزالي".. من ذا الذي لم يسمع بهذا الاسم الرنان داخل سوريا وخارجها.. من ذا الذي كان يجهله في لبنان وهو الحاكم الفعلي له.. من ذا الذي كان يستطيع إغفال ذكره عندما يتم الحديث عن اغتيال رفيق الحريري وملف بنك المدينة، وسواها من العمليات السرية، بوصفه "مستودعا" لها، ومن ذا الذي كان يستطيع تجاهله عن الحديث عن النظام، وهو أحد أهم أركان النظام.
كان لـ"أبو عبدو" صيت يسبقه.. في الجبروت والقسوة، في النفوذ والصلاحيات، في الموقع وحساسية الموقع. ولكن كل ذلك ذهب أدراج الرياح بجرة قلم "أسدية" أحالته إلى "ضابط مسرح"، ومنذ ما قبل مقتله بسنتين على الأقل!
نعم قتل "اللواء" ولم يكن حين مقتله لواء، بينما كان النظام يخادع الجميع ويقدمه للجميع على أنه رئيس الأمن السياسي، أحد أهم 4 أجهزة مخابراتية فاعلة في النظام (يحتل جهاز الأمن السياسي مرتبة متقدمة كما سيتضح من تحليل إحصائي ستنشره زمان الوصل لاحقا).

*مستودع أسرار
إذن فقد قتل "رستم غزالي" بعدما جرد من رتبته ومنصبه، وبعدما جمده النظام وفصله، وهكذا اختطلت من جديد كل الروايات التي تم إطلاقها عن ظروف وتوقيت "تعيينه" و"إقالته" ومقتله، والتي ساهم النظام بنشر بعضها للتغطية على السبب الرئيس لاغتيال "أبو عبدو".
رستم غزالي الذي نُعي في نيسان/إبريل 2015 بوصفه الضابط الكبير ورئيس شعبة الأمن السياسي، كان معزولا رسميا منذ 2013!، ففي الأرشيف المكون من 1.7 مليون مذكرة، ورد ذكر "اللواء" باسم رستم غزالي بن عبده وفاطمة تولد 1953، ممنوعا من السفر بموجب مذكرتين صادرتين عن المخابرات العسكرية وشعبة المخابرات، تحت رقم: 523322 و1945250.
لكن المعلومة الأبرز في المذكرتين العائدتين للعام 2013، تأكيدهما أن رستم غزالي "ضابط مسرح"؛ ما يعني أن الرجل الذي كانت أخباره تملأ الدنيا وتشغل الناس وكان يشكل شخصية مستهدفة بالتعقب من معظم أجهزة المخابرات الدولية الكبرى، كان معزولا ومجمدا وربما مسجونا أو موضوعا تحت الإقامة الجبرية، في الوقت الذي كان النظام ووسائله يقدمانه على أنه "رئيس شعبة الأمن السياسي".
و"شعبة الأمن السياسي"، على خلاف ما يظن كثيرون، شعبة قوية ونشطة في كل بلدات وقرى سوريا، ولديها مفارز في معظم الأماكن التي لايكون فيها للأجهزة الاستخبارية (مخابرات عامة، عسكرية، جوية) الأخرى عناصر، ولهذا فإن "السياسية" هي إحدى أهم أدوات الأجهزة الأخرى في الحصول على المعلومات، وفي تبليغ المطلوبين لمراجعة تلك الأجهزة، كون "السياسية" تنتشر بشكل أوسع من أي جهاز مخابراتي آخر.
ونظرا لأنها تابعة تنظيميا للداخلية، فإن عناصر "السياسية" موجودن حيث يوجد شرطي تابع للداخلية، فضلا عن أن "شعبة الأمن السياسي" هي أحد ورثة عمل وملفات "المكتب الثاني"، الجهاز الذي رسخ صورة الارتباط بين المخابرات والوحشية في أذهان السوريين.
وتحتفظ "شعبة الأمن السياسي" حتى الآن بأرشيف هائل وعتيق، يعد من بين أقدم وأضخم الملفات الاستخباراية في المنطقة، التي توثق كثيرا من الأحداث والوقائع، وتشكل كنزا معلوماتيا زاخرا.
ومن الطبيعي أن يكون الشخص الذي يتولى رئاسة شعبة الأمن السياسي من أشد الموثوقين والمقربين إلى الأسد (حافظ أو بشار)، ولكن "غزالي" لم يكن رقما صعبا في النظام لتوليه "الأمن السياسي" أو "فرع المنطقة" فقط، بل لأنه كان "مستودعا" لكثير من أسرار وخفايا النظام في لبنان، ومن أبرزها حادثة اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري وما تبعها وسبقها من اغتيالات طالت عشرات الشخصيات الكبرى في لبنان، فضلا عن خبايا الاختراق والفساد السياسي والمالي الذي شجعه نظام الأسدين وانخرطا فيه، ومن ذلك عمليات تلفيق القوائم الانتخابية وبناء التحالفات وإنشاء التكتلات والأحزاب، وغسل الأموال وقضية بنك المدينة والكسارات، وغير ذلك من القضايا التي جعلت أخبار "غزالي" حديث الناس، في لبنان وسوريا، وعموم المنطقة.

*رئيس الشعبة الحقيقي والمزيف
ومع كل الاهتمام بأخباره ومتابعتها من قبل أعتى أجهزة الاستخبارات، فقد استطاع النظام ببنيته المغرقة في الكتمان أن يخدع "الجميع" غارسا في أذهانهم أن "غزالي" بقي حتى قبيل مقتله رئيسا لشعبة الأمن السياسي وأحد رجال الأسد المقربين والمنفذين لسياسته، رغم أن "اللواء" كان يعيش الإقصاء بكل معانيه، وهو ما تثبته وثيقتا منع السفر بحقه (أي بحق رستم)، واللتان تنصان على أنه "ضابط مسرح"، بجانب وثيقة تمنع سفر شقيقه الرائد في الأمن السياسي "عمر عبده غزالي"، مواليد 1975.
لكن اللافت أكثر، والذي يؤيد إبعاد "رستم" أن هناك مذكرتي منع سفر صدرتا عام 2013 عن شعبة الأمن السياسي، باسمي ولديه "محمد" و"خالد" (من زوجته اللبنانية لبنى عويدات)، رغم أنهما صغيرا السن، فالأول كان عمره عند تاريخ إصدار المذكرة 7 سنوات، والآخر 5 سنوات، وقد كتب بجانب المذكرتين ملحوظة تؤكد على عدم السماح لهما بمغادرة سوريا "إلا بموافقة رئيس الشعبة"، فلو كان والدهما رستم هو رئيس شعبة الأمن السياسي، فلن يصدر بحقهما مذكرة منع سفر، ولو أصدرها لما كان لها أي معنى ولما كان هناك حاجة لتلك الملحوظة، فالقاصر لا يسافر إلا بموافقة والده أو أحد أقرباء والده من الدرجة الأولى (جد أو عمّ).
والأدهى أن هناك مذكرة منع سفر باسم "لبنى عويدات"، زوجة رستم الثانية، صادرة عن رئيس شعبة الأمن السياسي أيضا، في عام 2013، وتحت رقم 754958، ومكتوب عليها ملحوظة تحظر سفر لبنى عويدات بنت رامز وعفاف تولد عام 1976، إلا بـ"موافقة رئيس الشعبة"، وهو ما يثبت أن "رستم" لم يكن رئيسا للشعبة منذ 2013، علما أن الزوجة أيضا لاتستطيع السفر إلا برفقة أو موافقة زوجها أو أحد أقاربه من الدرجة الأولى.
ولنظرية عزل "غزالي"، دلائل قوية أخرى استخرجتها زمان الوصل من أرشيف النظام الحافل بقرابة 1.7 مليون مذكرة، ومن أبرز هذه الدلائل وجود 42 من أقاربه ومن بلدة "قرفا" بريف درعا تحديدا (بينهم نساء!)، كلهم مطلوبون للاعتقال، وقد صدرت مذكرات اعتقالهم عقب اندلاع الثورة، والنسبة العظمى من هؤلاء يوجد بحقهم مذكرتا اعتقال: واحدة من المخابرات العسكرية والأخرى من شعبة المخابرات، وهم (الاسم الأول متبوعا باسم الأب):
مجد جهاد، أحمد عيسى، عبدالله عيسى، عفاف عزات، ضياء محمد، بشار مأمون، أيهم ناجي، عمار مأمون، حسان حسين، مأمون موسى، أحمدمحمد (والدته نجاح)، تيسير حسن، إبراهيم حسين، يوسف محمد، أمجد إبراهيم، سليمان عبدو، نعمان عبدو، منهل محمد، زكوان موفق، صدام حسين، زينب موسى، أحمد محمد (والدته سلطانة)، محمدموسى (والدته ميسون)، هاني محمود، سميح حسن، يحيى إسماعيل، بلال محمد، سامر إبراهيم، هارون رشيد، زكريا موسى، صالح إبراهيم، سامر صالح، محمدعيد محمود، عالية مصطفى، أحمد موسى، محي الدين زهير، محمد موسى (والدته حمدة)، عبدالله فواز، ياسين كريم، رفعت أحمد، رامي عدنان، أحمد محمود.
وعلى وجه العموم بلغ إجمالي المذكرات الصادرة بحق عائلة "غزالي" 576 مذكرة، النسبة العظمى من المستهدفين بها هم من درعا (الريف والمدينة)، وبين هذه المذكرات 239 مذكرة اعتقال، ورغم ذلك فقد آثرت "زمان الوصل" التقيد بالمذكرات التي تشير إلى أن "خانة" صاحبها "قرفا" حصرا، مسقط رأس "رستم" حيث هناك 208 مذكرات؛ ما يعطي للموضوع أكثر من دلالة وبُعد.
فـ"قرفا" بلدة صغيرة جدا في حوران، ولصغر هذه البلدة ووقوعها في حوران معنيان أساسيان يرسخان قوة الروابط الاجتماعية، فما بالك بالروابط الأسرية والقبلية. وتبدو أعداد المستهدفين بالمذكرات والمطلوبين للاعتقال من أقارب رستم كبيرة، وكبيرة جدا، قياسا إلى ضابط كان يبدو للكثيرين "رفيعا" و"مؤثرا"، لكنه في الحقيقة لم يكن يملك حماية أقرب أقاربه من أهل قريته، أسوة بالضباط الكبار في النظام، الذين يؤمنون "الحصانة" لأبناء قراهم ومناطقهم وليس فقط لعوائلهم وأسرهم.
إن وجود هذا الكم الكبير من المذكرات بحق أهل "قرفا" وأقارب رستم تحديدا، لها تفسيران، أحدهما أن النظام استخدم هذه المذكرات كمقدمة لإذلال وتحجيم "رستم"، وتعريفه بأنه مجرد بيدق تسهل إزاحته متى أراد النظام، وإما إن هذه المذكرات صدرت بعد عزل "رستم" كنوع من العقاب المضاعف له، في وقت كان يظن الجميع أن "رستم" ما يزال أحد أعمدة النظام الاستخباراتية.
أما صدور أغلب هذه المذكرات عن المخابرات العسكرية، فربما يفسر جانبا من التوتر والاحتقان الذين سادا بين رستم غزالي وبين جهاز المخابرات العسكرية تحت قيادة اللواء رفيق شحادة، ويبدو أن الأخير أصر (وبتوجيه من رأس النظام) على إهانة غزالي والحط من قيمته، قبل أن يعمد (وبتوجيه من رأس النظام أيضا) إلى تصفيته بطريقة أكثر إهانة لضابط كانت له صولات وجولات بين "الكبار" و"المقربين".


*في مهب الريح
أياً تكن التفسيرات والدلالات التي يمكن استنباطها من أرشيف المذكرات المليونية، فإن من الثابت تماما أن "رستم غزالي" كان "ضابطا مسرحا" قبل مقتله بسنتين على الأقل، وذلك بدلالة الملحوظتين المدونتين على مذكرتي منع سفره، وبدلالة مذكرتي منع ولديه وزوجته من السفر "إلا بموافقة رئيس الشعبة"، وبدلالة وجود 208 مذكرة بحق أقاربه من "قرفا" تحديدا، منها 42 مذكرة اعتقال.
ومع هذا "الثابت" الذي تكشف عنه "زمان الوصل" بخصوص "رستم غزالي"، فإن كثيرا من "المتغيرات" التي روجتها "مصادر" ونقلتها "وسائل إعلام" بصفة تقارير حصرية، تصبح في مهب الريح، بل إن تاريخ وتفاصيل مقتله تصبح كلها عرضة للشك، فالرجل الذي يُفترض أنه كان "جنرالا" وكان رئيس شعبة الأمن السياسي حتى قبيل مقتله، لم يكن سوى "ضابط مسرح"، ربما لم يجلس على كرسي رئاسة الأمن السياسي مطلقا، إذا ما تذكرنا أن إعلان النظام عن "تعيين" رستم غزالي في منصب رئيس الأمن السياسي جاء عقب ما عرف بتفجير خلية الأزمة في تموز 2012، فيما تقول المذكرات التي بين يدي "زمان الوصل" أنه مسرح منذ 2013!، وهكذا يغدو بلا أي معنى -مثلا- ذلك الخبر الذي نقل قبيل "نعي" رستم، من أن النظام عزل الأخير من منصبه مع "رفيق شحادة" على خلفية شجارهما المميت.
إيثار عبدالحق - نائب رئيس التحرير - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية