وأنت تتنقل في دمشق، وتعبر من حاجز إلى آخر، وتستمع إلى لهجات الجنود الغرباء، قد يبدو لك، أن التذكير الدائم بالأهداف الأولى للثورة ينطوي على شيء من السذاجة، بعد استفحال التدخل الخارجي، وتأثيره على مسارات الواقع، وحتى على مآلات الصراع، الذي سيبدو للمراقب أنه لم يعد لإرادة السوريين أي دور فيه.
تبدو حالة من انعدام الأمل تستحكم كل يوم أكثر لدى جميع السوريين، وهذا يشمل المناهضين لنظام الأسد ولا يستثني الموالين.
يراقب أهل الثورة ومؤيدوها حجم التدخل الإيراني والروسي والأعداد الهائلة للميليشيات الطائفية التي تساند النظام وتحاول تثبيته رغماً عن إرادة معظم السوريين، فيخلصون إلى نتيجة مفادها أن سوريا، التي خرجوا في ثورتهم من أجل استعادتها من سلطة ديكتاتورية، تذهب كل يوم أبعد وأبعد عما خرجوا لأجله.
ومن ناحيتهم، الموالون يعيشون حالة مماثلة، ولو أنها تبدو على النقيض، حين يرون أو يسمعون عن آلاف الأجانب يقاتلون في تنظيم "داعش" وتنظيمات إسلامية أخرى ويؤسسون (دولة) تقضم كل يوم من سوريا أكثر، فيصلون إلى نتيجة مفادها أن حلمهم عن تثبيت سلطة الأسد بحجة الاستقرار والأمان قد تلاشى.
هناك للأسف من الجانبين، من مازال مصراً على تحقيق أحلامه الثأرية وإلغاء الطرف المقابل، ولو كان مجرد صاحب رأي، أو لمجرد انتمائه لمكوّن مختلف.
عندما ستدخل بيوت الناس، وخلف الجدران والأبواب المغلقة، سوف تستمع إلى ما يمكن وصفها بأنها الآراء، وحتى الأماني الحقيقية دون التزييف الذي يتطلبه الشارع المحروس أمنياً، فيعود إليك شيء من الأمل، وتعود لتضع الأمور في نصابها.
كل الأحلام والرغبات بإلغاء الخصوم زائلة، لأنها ببساطة حالة مؤقتة وشاذة تتبدى في الشكل والمظاهر، لكنها لم تدخل في الوجدان الأعمق للسوريين، ربما لأنها ببساطة رغبات تعاكس طبيعة التاريخ، فلا ديكتاتورية في التاريخ استطاعت تأبيد سلطتها، ولا أفكار متعارضة مع التطور التاريخي استطاعت اغتصاب التاريخ ولَيّ عنقه.
هناك مسلمات إنسانية وتاريخية، وتكاد تكون علمية، تلمسها في الأحاديث البسيطة للناس (بمن فيهم الموالون) تشي بأن حرية البلد قادمة، رغم كل من يحاول عرقلة الوصول إليها، وأن الشذاد الذين يتصدرون المشهد اليوم (بفعل دعم مصلحي لن يدوم) أيضاً زائلون.
وأن المصلحة النهائية للسوريين هي أن يكونوا في بلد موحد سقفه قانون يحمي مواطنيه، بلا أي ديكتاتور جديد قد يخطر له إحراق البلد من أجل الحفاظ على سلطته.
بلد بلا أناس يجرّون مواطنيه من أعناقهم ليدلوهم إلى طريق "الجنة" والسيف في نحورهم.
الأحاديث البسيطة للناس تتساءل عن قوة التاريخ وفعله، إنه التاريخ فهل نتعلم؟ تحت كل تلك العواصف الرملية السياسية والعسكرية ثمة حقائق بسيطة، يعرفها السوريون، حتى الموالون طبعاً، من غير أصحاب المصالح باستمرار الموت) وهي أن على السوريين نفض الغبار عن أهداف الثورة الأولى (الموالون لا يسمونها كذلك) والعودة للالتفاف حولها، بتعبيرات سياسية (وحتى عسكرية) جامعة تفرض واقعاً جديداً، بهدف الوصول إلى بناء بلد طبيعي. بلد يشبه حلم كل الناس في العالم، عن الأوطان الطبيعية، التي يعيش فيها بشر طبيعيون.
مشاركة من دمشق
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية