اخترع أحمد إسكندر أحمد وزير الإعلام السوري في ثمانينيات القرن الماضي، العديد من ألقاب التمجيد التي تسبق اسم حافظ الأسد، وصارت لزمة تتكرر في الإعلام السوري بشكل خاص، وفي الخطاب السياسي المحلي عامة فهو القائد الملهم، وقائد المسيرة، وقائد النصر والتحرير، وبطل التشرينين، وربان السفينة، وغيرها من الألقاب التي زاد عليها المنافقون ألقابًا أخرى، فأصبح حافظ الأسد الطبيب الأول، والمحامي الأول، والمهندس الأول، وبطل كمال الأجسام الأول، والمصارع الأول، والصحفي الأول، وحتى المراسل الشعبي الأول لصحيفة الثورة الرسمية، حين قرر مديرها العام تشكيل قسم للمراسلين الشعبيين، كان مثار سخرية، وموطن فساد لا مثيل له.. هذا عدا عن مئات "نوط" وأوسمة الشجاعة العسكرية، التي تهد ظهره وتنيخ جسده عندما يرتديها في مناسبة من المناسبات العسكرية، رغم أن المؤرخين يتفقون على أن حافظ الأسد سلم مفاتيح مدينة القنيطرة للإسرائيليين عام 1967م عندما كان وزيرًا للدفاع، وأنه أعلن سقوطها قبل يومين من انسحاب القوات السورية منها.
من بين هذه الألقاب الكثيرة حظي لقب" القائد البطل" باستخدام أكثر من غيره، وكثيرًا ما يتفنن خطاطو الصحف في إبرازه في الصفحة الأولى التي لا يمكن أن يمر يوم دون أن يكون فيها صورة للقائد البطل: "القائد البطل يستقبل وفد.."، "القائد البطل يزور.."، "القائد البطل يرعى.."، "القائد البطل يترأس اجتماعًا.." .. إلخ.
في تلك الأيام، لم يكن الكومبيوتر قد دخل إلى الإعلام السوري، وكان الخطاطون من العناصر الهامة في العمل الصحفي. من بين مجموعة الخطاطين في الصحيفة، كان الخطاط المكلف بالصفحة الأولى أكثرهم مسؤولية، وأكثرهم حذرًا في عمله، إذ إنه يمكن غفران خطأ في عنوان من عناوين الصفحات الداخلية كالمجتمع والثقافة والمنوعات والفنون وغيرها من الصفحات غير السياسية، أما خطأ الصفحة الأولى فهو الكفر بعينه.
كانت الصفحات تذهب إلى المطبعة تباعًا ليتم تجهيزها لبدء الطبع، ولا تعطى إشارة البدء إلا بعد وصول الصفحة الأولى، التي لا موعد ثابت لوصولها في الإعلام السوري، ومن يحدد إرسالها هو القصر الجمهوري، والخبر المتعلق بنشاط حافظ الأسد، فإن كان استقباله باكرًا لهذه الشخصية أو تلك فإن الصفحة الأولى تصل المطبعة باكرًا، أما إن كان الاستقبال متأخرًا فإن الصفحة الأولى تتأخر ذلك لأن خبر القصر الجمهوري لا يكتمل دون موافقة القصر نفسه على صياغته النهائية والتأكد من التزام هذه الصياغة لأعراف التبجيل التي رسخها القائمون على الإعلام آنذاك، وجعلوا منها قواعد ملزمة، يضاف إلى ذلك بالطبع اختيار الصورة، التي يجب أن تكون زاوية التقاطها تخدم فكرة "القائد البطل"، وأن لا توحي بأي حالة مرضية من الحالات التي كانت ملازمة ل"القائد البطل" في سنواته العشرين الأخيرة.
ذات ليلة شتائية بردها شديد، ذهبت الصفحات إلى المطبعة وتم تجهيزها للطبع، وتأخر استقبال حافظ الأسد لضيفه إلى ساعة متأخرة، وجلس المحررون والخطاط والمسؤولون في الجريدة، ينتظرون في غرفهم وصول الخبر الرئيس في جو دافئ يبعث على النعاس..
وصل الخبر الرئيس من القصر في ساعة متأخرة، كان أغلب المنتظرين قد أخذهم النعاس، وفورًا عمل المحرر المسؤول على وضع عنوانه: "القائد البطل يستقبل فلانًا ويبحث معه قضايا البلدين".. أيقظوا الخطاط.. أمسك بدواة الحبر والريشة.. النعاس مسيطر على الكل.. كتب الخطاط العنوان وسلمه ونزل مع النازلين إلى الباص الذي يقلهم إلى بيوتهم..!
في الصباح الباكر انتشرت عناصر الأمن في أنحاء دمشق يجمعون نسخ الجريدة من المكتبات، والمكتبة التي لا يتمكن صاحبها من إعادة كامل الأعداد التي استلمها، يضعونه في السيارة ويأخذونه إلى منزل أو مكتب من اشترى نسخة من الجريدة، والويل له إن أمسكوا به وقد وضع الصفحة على الطاولة وافترش عليها فطوره، والويل كل الويل لها إن كانت قد بدأت ببلها بالماء وبدأت مسح بللور النوافذ في البيت، إذ تحكي ربات البيوت أن ورق الجرائد السورية أصلح لمسح الزجاج من الخرق البالية التي يستعملنها عادة..!
من طرف آخر، لحقت سيارات الأمن -التي لا تراعي في سيرها قانونًا مروريًّا- بسيارات التوزيع التي تأخذ الصحف والمجلات إلى المحافظات، والسيارة التي لم يتمكنوا من اللحاق بها، كانت دوريات الأمن في مداخل المدن بانتظارها..!
جمعوا نسخ العدد المشؤوم خلال ساعات، أما النسخ القليلة التي لم يتمكنوا من استرجاعها، فقد استبدلوها باعتقال المشترين، أو أصحاب المكتبات، لأيام وبعضهم لشهور..!
لماذا جمعوا العدد المشؤوم من المكتبات؟!
الدفء والنعاس هما السبب.. نعم ليس غيرهما!
حين أيقظوا الخطاط من نومه كان النعاس قد استبد به مع البقية من المحررين وعمال الخدمة المناوبين، بسبب الدفء الشديد، إذ إن مازوت المدافئ في القطاع العام ب"بلاش"، ومن كثرة الاستعجال من مرؤوسيه، الذين لم يتركوا له فرصة ليغسل وجهه و"يصحصح" أضاف المسكين سهوا حرف " الألف" فأصبح " القائد البطل" "القائد الباطل"، ومن يومها.. نعم من يومها.. والخطاط معتقل في أقبية الفروع الأمنية، ينقلونه بينها، وهم مصرون، بل متأكدون من أن إسرائيل والإمبريالية والإخوان المسلمين والرجعية العربية وقوى الظلام كلها، قد دفعوا له ليضيف حرف "الألف" فيصبح "البطل" "باطلًا".. مات "القائد البطل" وعظامه صارت مكاحل، وما زال مصير الخطاط مجهولًا!
عن "هافينغتون بوست" - مختارات من الصحف- *كاتب وناقد سوري
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية