إن الطريق الصعودي من فكر الفزعة ومحمولاته إلى فكر الثورة ومحمولاتها طريقاً يُمهّدُه العقل المُحدّث الذي ينظر بمنظور النقد والتاريخ، وكان طريق التطوير الاجتماعي والسياسي في منطقتنا بالعموم طويلاً وشاقاً كلَّف كل من سلكه نوعاً من التضحية، وأعظم التضحيات التضحية بالحياة.
لم يكن الشيخ وحيد البلعوس أوَّلَ السوريين الذين كان لا بد لهم من أن يقدّموا حياتَهم فداءً للسير على هذا الطريق، ولكن كان للشيخِ أسلوبه، وكانت له خصوصيته من حيث طريقة طرحه لمشروعه مقارنةً مع أقرانه ضمن المكان والزمان والطائفة الدينية.
والحقيقة أن الكلام عن الشيخ المرحوم وحيد البلعوس اليوم ليس كلاماً عن البلعوس الشخص فحسب، بل عن البلعوس الظاهرة، شيوخ الكرامة.
يمكن شرح هذا الأسلوب وهذه الخصوصية في نقاطٍ ثلاث تُمثِّل أهم صفات الحالة الاجتماعية الوليدة في السويداء: النقطة الأولى هي التجديد في نمط التفكير ضمن المجتمع الديني الدرزي التقليدي في السويداء، والذي يتمثل بنمط تفكير مشايخ العقل، حيث مارس هذا النمط حكم الدين باسم الأصالة، وبهذا المعنى أدت سيادة المعيار الديني الذي يدير من الخلف إلى إجهاض كل محاولات التحديث في الفكر الاجتماعي، وبالتالي إجهاض أي محاولة لتغيير طريقة التفكير في المسائل السياسية.
وما قامت به ظاهرة مشايخ الكرامة كان خطوة مهمة في هذا السياق، إذ إنها، وإن هي لم تخرج عن قاعدة حكم الدين باسم الأصالة، اهتدت إلى الأصالة بشكلٍ أكثر تقدماً عندما طوّرت من وعيها السكوني الدرزي المحلي المنغلق على ذاته إلى وعي أكثر عقلانية ذي طابع سوري وطني تفاعل مع الهم السوري العام.
وكان هذا التطور تجاوباً مع إرادة الشعب السوري في التغيير، ونجاحاً من نجاحات الثورة غير المباشرة.
والنقطة الثانية هي تجاوز الفكر النمطي الدرزي القائم في مجتمع السويداء من حيث تغيير نمط تعاطيه مع التاريخ، حيث ينظر الفكر الدرزي التقليدي القائم إلى التاريخ بشكلٍ فيه من الأسطرة أكثر مما فيه من التاريخ، وفيه من الفخر أكثر مما فيه من الخبر، وأدت هذه النظرة لركوب إنجازات الثورة السورية ضد القرنسيين بالشكل الذي أعطى للكرامة صفتي الموروثة والمستدامة.
وما فعلته ظاهرة البلعوس هي أنها أرادت أن تصنع كرامتها اليوم بيد الأحياء لا بإرث الأموات، بحيث يستمر الفخر، ولا يُعوَّل على إنجازات الأجداد عند كل حديثٍ عن الكرامة.
وأدرك البلعوس في هذا السياق ما أدركه سلطان الأطرش سابقاً: كرامة الجماعة من كرامة الوطن.
والنقطة الثالثة هي إدراك شرط الحفاظ على الانتماء الدرزي، وشرط بقاء الجماعة الدينية، وهو الانتماء للوطن السوري والاندماج الوطني مع أبنائه. والوطنية تُمهد لدولة المواطنة التي بدورها تشكل الضمان الحقيقي للحفاظ على الانتماءات الأخرى كلّها.
والواقع أن سوريتنا اليوم هي شرط إنسانيتنا، وهي شرط الحفاظ على درزيتنا، وسنيتنا، ومسيحيتنا، وعروبتنا، وكرديتنا، وأي انتماء نختاره بصفتنا أحراراً، فالحرية شرط الكرامة، وهذا ماتشبع به المرحوم وحيد البلعوس كشخص، وكحالة اجتماعية.
ويتجلى في النقاط الثلاث السابقة نمط تفكير هام وقابل للتعميم على المجتمع السوري بالعموم، مضمونه الأساسي هو السير في خطوة أولى باتجاة الانعتاق من قيود التقليد الأعمى، والانتقال من حالة مُقلّدين نعيش بدلالة الماضي وباستخدام الطرق التي تقدمها لنا العادات والأعراف الصلبة الموروثة، إلى مبدعين نعيش بدلالة المستقبل، وإلى مواطنين يبنون دولتهم الوطنية الحديثة ويناضلون باستمرار لإحلال الجديد محل القديم.
وأخيراً: يقول سلطان الأطرش في وصيته: ((وصيتي لكم، إخوتي وأبنائي العرب، هي أن أمامكم طريقاً طويلة، ومشقة شديدة تحتاج إلى جهادٍ وجهاد: جهاد مع النفس وجهاد مع العدو. فاصبروا صبر الأحرار، ولتكن وحدتكم الوطنية، وقوة إيمانكم، وتراصّ صفوفكم، هي سبيلكم لردّ كيد الأعداء، وطرد الغاصبين وتحرير الأرض.....واعلموا أن الاعتزاز بالحرية، والفخر بالكرامة، وأن النهوض بالعلم والعمل، وأن الأمن بالعدل، وأن بالتعاون قوة.)).
واعتزت ظاهرة البلعوس بالحرية، فوقفت في وجه النظام الذي أمعن في مصادرتها، وفخرت بالكرامة في الحياة والممات: ((إما تحت الأرض بكرامة، او فوق الأرض بكرامة))، وآمنت بالانتماء للثورة السورية وبالتعاون مع المشروع الوطني الذي يحقق العدل وهو نقيض المشروع الفاسد القاتل الذي يزرع الدمار.
رحم الله البلعوس الإنسان والشهيد، والبقاء والتطور للحالة البلعوسية الوليدة.
*د. مضر الدبس
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية