فعلها بشار الأسد وآله وشبيحته أخيراً وفجروا السويداء، ليؤكد الوريث، للمغيبين ومن في حكمهم من الطائفيين والمنتفعين، أنه غير كفوء لمنصب رئيس على دولة بحجم وتاريخ سوريا، ويبدد آخر كذبة يمكن أن تروّج لإعادة إنتاجه على أنه حامي الأقليات، ويسحب الذريعة عن طياريه وجنوده البواسل، بقصف جبل العرب بالصواريخ والبراميل بتهمة خروجهم من المساجد وتأييدهم لداعش والقاعدة.
مختصر القول: ربما ليس من الحكمة والسياسة بمكان، قراءة أسباب انتفاضة السوريين في جبل العرب، بعد أكثر من أربعة أعوام من ثورة أهلهم في سوريا.
بيد أن التاريخ أولاً، وما قرأناه بالبيان رقم 1 الذي أصدره الشيخ رأفت البلعوس، رداً على مقتل شيخ الكرامة "أبو فهد وحيد البلعوس"، ولشكنا بأنها قد تُطفأ قريباً على أيدي "العقلاء"، يملي علينا المرور، دونما أن ننكأ مزيداً من الجراح أو نزيد من توسيع الهوة بين أطياف الشعب السوري، التي أخذت ما يكفي من أبعادها، جراء عزف أركان نظام الأسد، بالسر والعلن، على الفرقة والطائفية والقوميات.
لم يخرج أحرار السويداء، على هذا النحو على الأقل -لأن ثمة أحرارا كانوا سباقين لغيرهم ومنذ مطلع الثورة،- لمقتل أهالي حمص بمجزرة الحولة ولا لأهالي بانياس بمجزرة البيضا ولا لكيماوي الغوطة أو براميل حلب وإدلب، أو لانتهاك حرمات السوريات بالسجون أو على الحواجز وعلى مرأى أعينهم بعض الأحايين.
بل هبوا لفظاً مع بعض وعيد يوم اقترف عناصر من "النصرة" جريمة "قلب لوزة"، وتابعوا أول من أمس الجمعة لثأر شخصي له علاقة بالمرحوم وحيد البلعوس ورفاقه الأحرار..ولا شك في هكذا طرح، خروج عن سياق وفتح باب لأخذ ورد وأفعال وردود أفعال ووجهات نظر، أتمنى ألا تصل حدود الإقصاء والتخوين، لأنها حقيقة عشناها ولم نقرأها عن كتاب مقدس أو برواية لأديب مأجور.
أما ما ورد في بيان الشيخ رأفت الذي تسلّم البيرق، فيه أيضاً ما يدعوا للغرابة والدهشة، دون مشروعية أي تبرير، أو ما قد يقال، عن جنوح الثورة وأسلمتها، أو تحولها في عموم سوريا إلى حرب أهلية أو مذهبية.
ببساطة، لأن كل ما حصل وسيحصل، هي نتائج طبيعية ومخطط لها، وأشرف على تنفيذها الأشقاء بالخليج، قبل الأصدقاء والغرباء والأعداء، ولو عايش الفرنسيون أو النرويجيون ما عايشه السوريون خلال ثورتهم المقدسة، لخرج منهم وعنهم ما لا يخطر لأكثر المتطرفين على مخيلة وبال.
ربما، يمكن قراءة بعض نقاط البيان بوجهين، كجبل العرب منطقة محررة من عصابات الأمن وزمرهم، وإبطال دور اللجان الأمنية والأسدية، والإعجاب بالوعي للمحافظة على ممتلكات الشعب كما جاء في "استمرار عمل المؤسسات العامة والخدمية بإشراف الإدارة الذاتية المنبثقة عن الهيئة المؤقتة لحماية الجبل".
ولكن، كيف يمكن قراءة وفهم "تكليف لجنة التفاوض السياسي بالتواصل مع الحكومات وهيئات ومؤسسات المجتمع الدولي لإيصال الحقائق واعتماد وضع الجبل تحت بند منطقة آمنة أو منطقة حظر جوي، وفتح معبر حدودي مع الأردن بالتنسيق مع حكومته" وإن توبع بالبند الأخير بأن السويداء جزء لا يتجزأ من سوريا الحرة وتقف ضد كل إرهاب واحتراب أهلي وتكافح أي تكفير واستبداد.
أعتقد، ورغم "اعتبار السويداء جزء من سوريا" أن من يخرج على الظلم، وبعد أكثر من أربع سنوات لسبب يمكن اعتباره شخصيا أكثر منه عاما، حريّ به ألّا يخرج عن أهله، ويمد يده للثوار، في درعا على الأقل، مع كل الاعتراف بحقه، بعدم الانخراط بأي معارك جانبية إسلاموية، رغم أننا قلنا ونعيد، إن ما رأيناه حتى الآن هو نتائج بدليل "واحد واحد واحد" قبل حرف أنصار الأسد بالداخل وطهران وموسكو، قطار الثورة، بتخطيط غربي وبمساعدة الأشقاء من خوف وصول شرر ثورة الشام لقوائم عروشهم.
نهاية القول: كلما غاصت الثورة بمأزق، أنقذها بشار الأسد بخطاب أو بلقاء تلفزيوني، ليسحب أي ذريعة من أكثر المؤمنين بربوبيته أو المنتفعين من بقائه، ولو ليوم آخر.
ففي واقع الالتفاف على الثورة السورية من باب "العطف والإنسانية" وبدء سحب شبابها، بعد إيقاعهم بحالة اليأس من أي حل، وقبول دول الاتحاد الأوروبي وبعض دول أمريكا الجنوبية، على استيعاب ثلاثة ملايين سوري، سيكونون بالغالب من مناطق ولون محدد، ما يعني بطلان مقولة الأكثرية وتهجير حواضن الثورة وطلاب الثأر والحق، تدخل بشار الأسد ليشعل مدينة السويداء.
والأرجح أن يتابع بالقريب العاجل، عبر "خطاب تاريخي" لن يبقي خلاله ولن يذر، أي أمل بسوريا الواحدة، لعقود على الأقل، وإن رضي بمبادرة دي ميتسورا وحل الجغرافيا الضيق.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية