بتاريخ 2015/05/16 يكون قد مر 99 عاماً على اتفاقية (سايكس بيكو) لتقاسم النفوذ في منطقتنا بين فرنسا وبريطانيا وفي ذات اليوم من العام القادم ستكمل هذه الاتفاقية قرنا من الزمان بالتمام والكمال فهل ستصمد الحدود التي وضعتها هذه الاتفاقية أم أننا سنشهد ميلاد اتفاقية جديدة أم ربما أحداثا ستقلب الأمور رأسا على عقب.
ما أشبه اليوم بالأمس ولو عدنا بالتاريخ قليلا إلى الوراء لوجدنا أن كل من بريطانيا وفرنسا قد استخدمتا العرب جنودا في حربها على الدولة العثمانية التي كانت بمثابة الرمز الجامع للمسلمين وهي في أشد مراحل ضعفها وإنكسارها، وهنا لا يمكن لنا ان ننسى أو نغفل موقف السلطان عبد الحميد الذي رفض كافة المغريات التي عرضت عليه من أجل السماح بقيام كيان يهودي في فلسطين.
حتى مع وجود اتفاقية سايكس بيكو التي نجحت في شرذمة أمتنا، فإن العمل كان ولايزال مستمرا على تكريس حالة الفرقة والتجزئة التي وصلنا إليها وهم في سبيل ذلك وضعوا العديد من المخططات التي لو قدر لهم تنفيذها لحولوا بلداننا إلى مجرد مقاطعات صغيرة لاحول لها ولا قوة، أما أهم هذه المشاريع والمخططات فيمكن إجمالها فيما يلي:
أهم وأحدث مخططات ومشاريع تقسيم المنطقة:
خطة عوديد ينون 1982
وثيقة كيفونيم الإسرائيلية هي نفسها المعروفة بخطة "عوديد ينون" رجل السياسة الخارجية والمخابرات ومستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أريئيل شارون وهي عبارة عن مجموعة تصورات حزب الليكود اليميني لطبيعة الصراع في الشرق الأوسط والخارطة المستقبلية للمنطقة العربية، حيث قام اليهودي إسرائيل شاحاك بإخراج هذه التصورات كوثيقة باللغة الإنجليزية وحملت اسم مجلة كيفونيم التي نشرت الوثيقة في العام 1982، لتصبح فيما بعد خارطة طريق للساسة وصناع القرار في الدولة العبرية، حيث يمكن تلخيصها بعملية تفتيت المفتت وتجزئة المجزأ من الدول العربية، الخطة بإختصار تعتبر أن الدول العربية دول غير متجانسة إجتماعيا وطائفيا وعرقيا، وعليه فإنه ينبغي أن يتم العمل على تعزيز النزعات الطائفية والعرقية الانفصالية للقوميات غير العربية كالأمازيغ والكرد وإذكاء الصراع الشيعي السني، على أن تبدأ الخطة في العراق ثم سورية وصولا إلى مصر والسودان وشمال أفريقيا مرورا بشبه الجزيرة العربية، وهو ما يفسر حل الجيش العراقي وإطلاق يد إيران في العراق والمنطقة وتسهيل نشوء الميليشيات الشيعية والجماعات الجهادية السنية وإفساح المجال أمام حرب طائفية لا تبقي ولا تذر ولكن بشرط أن لا تنتصر فئة على أخرى وصولا إلى شرذمة المنطقة وجعل مجتمعاتها قبائل متناحرة.
برنارد لويس 1992
وهي الخطة المعروفة بخرائط برنارد لويس لكنها خطة معدلة عن خطة عوديد ينون وإن بطريقة مفصلة أكثر مع إستبعاد تقسيم سورية، حيث توصي بالعمل على إماتة مشاعر التضامن بين العرب تدريجيا مع إشعال بعض الحروب في المنطقة بحيث تؤدي إلى تفتيت ما هو قائم من الدول بحيث تصبح الدولة مجموعة دويلات على الطريقة الرومانية القديمة أما التقسيم فيكون على أسس عرقية وطائفية ولغوية، وصولا إلى الهدف الإستراتيجي المتمثل بعدم سيطرة دولة كبيرة قوية على البترول وبحيث تبقى هذه الدويلات خاضعة للإرادة الأمريكية، خطة برنارد لويس لم تستثن حتى إيران وباكستان وافغانستان من التقسيم والشرذمة.
بيرنارد لويس صرح في مقابلة صحفية نشرت يوم 20 مايو 2005 في عدة صحف ومواقع: إن العرب والمسلمين قوم فاسدون ومفسدون فوضويون، لا يمكن تحضرهم، وإذا تركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمر الحضارات وتقوض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم.
رالف بيترز وحدود الدم 2006
رالف بيترز هو منظر المحافظين اليمينيين الجدد والمحلل السياسي في فوكس نيوز المدافع عن وجود إسرائيل وانقلاب السيسي في مصر والمعادي لثورات الشعوب العربية، رالف بيترز هذا يضع الأولوية لإعادة رسم حدود المنطقة وأسمى خطته "حدود الدم" بحيث تضمن أمن إسرائيل، مع العمل على إقامة دولة للكرد وتقسيم العراق ومنح شيعته دولة شيعية في الجنوب وضم إمارات الخليج العربي وجزء من إيران إليها، مع بقاء إمارة دبي إمارة مستقلة على غرار إمارة موناكو، كما يوصي بيترز بإنشاء دولة علوية في الساحل السوري ولبنان، أما الهدف الأهم فهو تقسيم السعودية بحيث لا يبقى منها إلا دولة دينية رمزية كالفاتيكان.
جيفري غولدبيرغ 2008
وهو أول من تحدث بدولة جنوب السودان في العام 2007 وهو من المنادين بقيام دولة مستقلة في شبه جزيرة سيناء ودولة شيعية في جنوب لبنان وأخرى درزية في جنوب سورية وشمال الأردن عاصمتها مدينة القنيطرة السورية.
روبرت فورد ورؤيته لاحتمالات تقسيم سورية إلى 6 مناطق
يقول روبرت فورد شارحا رؤيته لاحتمالات تقسيم سورية: من المرجح أن تكون النتيجة النهائية تقسيم البلاد بين الفصائل والتحالفات المختلفة إلى 6 مناطق وربما أكثر حيث يفصلها على النحو التالي:
أولا: منطقة علوية شيعية على طول الحدود مع لبنان على ساحل البحر الأبيض المتوسط.
ثانيا: منطقة شمال غرب سوريا التي يسيطر عليها الفصيل المسلح المعروف باسم جيش الفتح.
ثالثا: منطقة يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة الشرقية التي تشكل ثلثي مساحة سوريا.
رابعا: منطقة سنية يسيطر عليها الجيش السوري الحر والفصائل المرتبطة به في الجنوب
خامسا: منطقة دمشق يتصارع عدة فصائل للسيطرة عليها
سادسا: منطقة الشمال والشمال الشرقي التي يسيطر عليها الكرد.
ترسيم الحدود لمناطق السيطرة المذكورة لن تكون ثابتة وستستمر المناوشات في القتال، وستكون الهدن ووقف إطلاق النار هي القاعدة التي سيُعتمد عليها.
المخطط الإيراني
وهو آخر واحدث مخططات التقسيم حيث يقضي بإفراغ مناطق دمشق مع ريفيها الغربي والشمالي إضافة إلى حمص وريفها وصولا إلى اللاذقية وطرطوس وكامل الشريط الساحلي من سكانه المسلمين السنة واستبدالهم بشيعة كفريا والفوعة وبصرى الشام إضافة إلى المقاتلين الشيعة الذين تم استجلابهم من باكستان وأفغانستان والعراق ومنحهم للجنسية السورية وهو ما يمكن اعتباره أكبرعملية تغيير ديموغرافي تشهده المنطقة.
لقد عمدت إيران ومنذ ثمانينيات القرن الماضي على بناء مراكز دينية وثقافية في سورية هدفها تشييع السوريين من سنة وعلويين وإسماعيليين، ثم استغلت الحرب الدائرة ومارافقها من فوضى فقامت باستقدام آلاف الشيعة الأجانب إلى سورية وتوطينهم بصمت مستغلة عملية التهجير المنظم والممنهج للسوريين السنة والذي لم يكن فقط عن طريق القصف بل تعداه إلى عملية مضايقة السكان والتضييق عليهم وصولا إلى تهجيرهم وتوطين الشيعة مكانهم وهو ما كشفته مفاوضات هدنة الزبداني مع جيش الفتح عندما طلبت إيران اخلاء الزبداني من أهلها وإسكان شيعة الفوعة وكفريا مكانهم.
كثيرة وخطيرة هي المخططات التي تهدف إلى تقسيم منطقتنا وشرذمة دولها، ومكمن خطورتها هو في علنيتها وتبني الأحزاب والحكومات اليمينية الأمريكية واللوبيات اليهودية والإيرانية لها، حيث إن معظم واضعي هذه الخطط هم من اليهود الصهاينة، ومع ذلك ورغم علنية هذه المخططات، إلا أننا لا نجد من الحكومات العربية ولا مؤسساتها البحثية أو نخبها السياسية والأمنية والعسكرية أي خطوات ملموسة تضع الدراسات الإستراتيجية أو الحلول السياسية والعسكرية التي يمكن تبنيها والعمل عليها من أجل التصدي لهكذا مشاريع، أما سورياً فنحن أمام أخطر عملية تقسيم يشهدها العصر الحديث وعلى جميع الفصائل السورية المقاتلة أن تنتبه إلى هذا المخطط وصولا إلى إفشاله.
إسرائيل شاحاك المحلل السياسي الإسرائيلي والأستاذ بالجامعة العبرية في القدس ورئيس الرابطة الإسرائيلية لحقوق الإنسان يقول: "لقد أثبت العالم العربي عجزه عن التحليل المنطقي للمستقبل وكل ما يقومون به مبني على الأساطير والأوهام".
كلام لا يمكن إغفاله أو تجاهله فمكمن خطورته في علنية تحديه وعلى العرب أنظمة ونخبا وشعوب أن تعي حقيقة مخططات التقسيم هذه وأن تغلب مصلحة العامة على المصالح الضيقة لأن العقد إذا ما انقطع تناثرت حباته وضاعت.
*خليل المقداد - مشاركة لـ"زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية