أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

أول التقسيم.. حنجلة*

الكاتب: ستشهد الأيام القليلة المقبلة تطورات لافتة ترسخ فكرة التقسيم بشكل أوسع - أرشيف

منذ فترة ليست بالوجيزة بدأ مصطلح التقسيم يدق مسامع السوريين المشتتين والمهجرين من كل حدب وصوب، سواء على وسائل الإعلام العالمية والعربية أو على مواقع التواصل الاجتماعي أو حتى في الصالونات الثقافية والتجمعات الفكرية وربما أيضا في سهرات "المضافات".

هذا المصطلح القديم الحديث يعيدنا بالذاكرة إلى اتفاقية (سايكس -بيكو) السرية بين عامي 1915-1916م والتي تم على إثرها تقسيم الشرق الأوسط الى دويلات تحتلها كل من بريطانيا وفرنسا بمباركة روسية بعد سقوط الامبراطورية العثمانية.

ولأن التعمق في تلك الاتفاقية يطول شرحه فلن أدخل في تفاصيل التقسيمات طالما أن غالبية سكان هذا المشرق العربي يتذكرون جيدا محتلهم قبيل الاستقلال، ولكن للضرورة بمكان الاستشهاد بهذه الاتفاقية التي بقيت سرية لعدة أعوام حتى جاءت الأوامر بفرضها على العرب، تماما كما تطبخ مؤامرة تقسيم سوريا على نار هادئة هذه الأيام.

تقاسم الكعكة السورية بدأ منذ نحو العامين بنشر الشائعات عن إمكانية قيام الأكراد في الشمال الشرقي لسورية بمحاولات جادة للقيام بإدارة حكم ذاتي في مناطق عين العرب والقامشلي والمالكية وعامودا، تبعها شائعات أخرى بأن جبهة النصرة والكتائب الإسلامية الأخرى تسعى لإنشاء إمارات خاصة لها في مناطق إدلب وحلب وريف اللاذقية، بالتزامن مع إمارات مماثلة لتنظيم "داعش" في الرقة ودير الزور تتصل بمناطق نفوذه بالعراق، وأما نظام الأسد فسيبقى متربعا على دويلته الممتدة من دمشق إلى جبال اللاذقية.
كل ما ذكر آنفا كان حبر على صفحات التواصل الاجتماعي وأوراق المحللين في البرامج التلفزيونية حتى دخلت الثورة السورية عامها الخامس وبدأت تلك التحليلات والشائعات ترى أمام أعين الشعب السوري بوضوح تام لا يشوبه أي غبار أو حاجب للرؤية.

ترسيخ مصطلح التقسيم تم تطويره في الآونة الأخيرة وخاصة بعد خطاب الأسد الأخير الذي تحدث فيه بمنتهى الموضوعية والشفافية عن "سوريا المفيدة" التي تشمل العاصمة دمشق وريفها والقلمون ومعبر التنف الحدودي مع العراق وصولا إلى حمص فجبال الساحل محافظا بتلك المناطق على مشروع طهران (الهلال الشيعي)، وحتى إنه تحدث عن سكان هذه الدويلة بأنهم لا يشترط أن يكونوا من حملة الجنسية السورية، إنما هي أرض لمن يدافع عنها فقط بإشارة واضحة إلى الميليشيات الطائفية التي تقاتل الى جانب نظامه وقد تشمل عائلاتهم أيضا.

بعد الخطاب بأيام باتت الأمور تتوضح بشكل أسلس للمتابعين والمهتمين بالشأن السوري، فوحدات حماية الشعب الكردية باتت واضحة أكثر في إدارة الحكم الذاتي لمناطقها بمباركة دولية، والمنطقة العازلة في الشمال السوري أو المناطق الخالية من "داعش"، كما تريدها إدارة أوباما باتت قيد التنفيذ بينما إمارات "البغدادي" في الرقة ودير الزور وتدمر بقي لها فقط التصديق في أروقة مجلس الأمن.

الأمر الهام الآخر الذي بدأت إيران بالغوص في تنفيذه هو تأمين شيعة سورية داخل دويلة الأسد أو سورية الصغرى، فبدأت مفاوضات جادة مع تركيا لعمليات تبادل للأراضي بين سكان الزبداني في ريف دمشق والفوعة وكفريا في ريف إدلب، كما تسعى طهران جاهدة وبشتى الوسائل الإجرامية التي يمتلكها نظام الأسد للضغط على سكان الغوطة لتهجيرهم إلى الجنوب السوري واستقدام عائلات شيعية إلى تلك المناطق، ولعل مجزرة دوما الأخيرة والتي راح ضحيتها 123 شهيدا و330 جريحا وما سيرافقها من تداعيات مستقبلا ستكون شاهدا مباشرا على هذا التحليل.

في خضم كل ما ذكرته ومع تقصد المجتمع الدولي إلغاء أي حل سياسي ونسف أي مبادرة لإنهاء الحرب المستعرة في سورية والبقاء ضمن مدرجات الجماهير المتفجرة على المحرقة السورية، ستشهد الأيام القليلة المقبلة تطورات لافتة ترسخ فكرة التقسيم بشكل أوسع، وأشمل وأوضح وستصبح الفكرة في ظل المذابح الممنهجة وإلغاء كل آفاق انتصار الثورة السورية مستساغة لدى جموع السوريين معارضين ومؤيدين من منطلق مثل شعبي يقول "ضاع فينا المضيع".

*صهيب قداح - مساهمة لـ "زمان الوصل"
(174)    هل أعجبتك المقالة (182)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي