السوري الكردي.. حازم نهار*

في عام 1986 سألني أستاذي في المدرسة الثانوية، وهو سوري (مسيحي بالولادة): من أقرب إليك، السوري المسيحي أم المسلم الباكستاني؟ أجبته آنذاك: المسلم الباكستاني. بعد عامين تغيرت آرائي، فاتصلت بأستاذي وأخبرته أنت أقرب إلي.
منذ عام 2000 وصلت أيضاً إلى قناعة جديدة في فهم الوطن والوطنية والمواطنة. فلو سألني أحد خلال الخمس عشرة سنة الماضية: من أقرب إليك السوري الكردي أم المصري العربي؟ لأجبته من دون تردد: السوري الكردي.
قناعاتي هذه ليست مجاملة لأحد، بل لها علاقة أولاً بفهمي للمعاني الحقيقية للوطن والوطنية والمواطنة، ولها علاقة ثانياً بالروحانيات والذكريات التي تولدت من الحياة المشتركة مع الأصدقاء الكرد، أبناء وطني.
من جانب آخر، هذه القناعات لا علاقة لها بأوهام وقناعات وأمراض منتشرة هنا وهناك، لدى العرب والكرد في سورية على السواء، أو بممارسات خاطئة لدى هذه القوة السياسية (أو العسكرية) أو تلك، فقناعتي هي أن هذه الأمراض والأوهام غير مرتبطة بالعرق بل بالبيئة الثقافية السياسية التي عاش فيها الكرد والعرب معاً، وهي تنفجر اليوم مثل الدمامل بحكم غياب افتقادنا لنظام سياسي ديمقراطي منتج لهوية وطنية.
لذلك، في الحقيقة أنا لا أصدق ذلك الشخص (أو على الأقل أرى أن تفكيره خاطئ) الذي ينادي بالمواطنة المتساوية، وفي الوقت ذاته يسعى لدولة دينية أو دولة عرقية (عربية أو كردية)، فهاتان الدولتان تنفيان فكرة المواطنة المتساوية من أساسها. لذلك أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تحدد اليوم فعلاً مدى صدقية إيماننا بالمواطنة المتساوية.
في هذا السياق أيضاً، لا بدّ من التنويه أن الكردي يمكن أن يكون عدو نفسه، والعربي كذلك، وكلاهما يمكن أن يكونا عدوين للعقل في لحظة ما. هذا معناه أن وقوفي ضد الموقف أو السلوك السياسي لأحد السوريين الأكراد أو لأحد التيارات السياسية الكردية لا ينبغي تحميله أكثر من ذلك، بما يعني ضرورة إبقاء الخلاف في الحيز الفكري السياسي وليس نقله إلى ساحة التمايز والتمييز العرقي. والمعنى العميق لكل ذلك أنه ليس من المؤكد أن كل كردي يمكن أن يخدم حقاً الأكراد، وليس كل عربي يمكن أن يخدم فعلاً العرب. ولذلك لست مع الفكرة الرائجة التي تقول إن الأكراد ينتجون ممثليهم السياسيين، والعرب ينتجون ممثليهم السياسيين، أي إنتاج التمثيل السياسي استناداً إلى العرق، والصحيح هو أن ننتج كسوريين ممثلينا السياسيين بصرف النظر عن العرق، واستناداً إلى الحقيقة السياسية والبرامج السياسية والاقتصادية.
آلام الواقع السوري اليوم عميقة وكثيرة، ومن الحماقة أن نركن إلى “الموتورين” في رؤيتنا إلى المستقبل، أو إلى أولئك الذين يردون عليهم بردات فعل سلبية تستند إلى النهج “الموتور” ذاته وإن تغطى ظاهرياً ببعض الكلمات المصطنعة التي تدغدغ مشاعرنا مؤقتاً.
*كاتب سوري
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية