في الأمس، وبعد انقطاع طويل، شاءت الظروف والاتصالات، لأكلم ابن عمي القائد في "أحرار الشام" ولأسمع من مصدر أثق به، ما اختلط عليّ وعلى كثيرين، بفعل التشويه الإعلامي والمبالغة المتعمدة والضرورات التي أتت بسياق السيرورة، تناسبنا كانت، أم فرضت علينا بمنطق الأمر الواقع.
سأقفز، رغم الأهمية القصوى، على كل ما يندرج ضمن الخصوصية والشخصية، بما في ذلك وضعه المالي المتردي بالقياس مع ما كان عليه قبل الانشقاق وابتعاد أولاده عن المدرسة، لآتي ولو على عجالة، على بعض النقاط الخطرة، التي كنت، وربما جلّ القارئين، أعرفها، وتأكدت منها بالأمس، من مصدر موثوق، قبل أن أقاطعها مع مصادر أخرى على الأرض.
بداية القول: حتى مكلمي، المنحدر من خلفية مؤسسية، لم يأت على كلمة "الثوار" طيلة حديثنا، بل استبدله بالمجاهدين، ما يعني تحليلاً أمرين ربما لا ثالث لهما، الأول أن لفظة المجاهدين أخذت على لسانه لغواً كما يقول العامة نتيجة الاستخدام اليومي ومنذ نحو عامين، ليكون الاحتمال الثاني المؤلم، أن الرجل لم يعد يؤمن بما يسمى ثورة، بل هي حالة جهادية هدفها إعلاء كلمة الحق وتطبيق شريعة الله في سوريا، وهي قناعة، إن صح التخمين، أقل بكثير مما يعتقده آخرون حول إقامة الخلافة الإسلامية على أرض الشام والعراق مبدئياً، ريثما تسنح الظروف لفتح روما وموسكو وواشنطن، بعد نقل الإمارات والأمراء طبعاً، إلى دول جوار "الدولة الإسلامية".
"الثورة، أو ما يسمى بالثورة" رددها مراراً خلال مكالمة غير متواصلة بسبب الاتصالات، لم تزد عن ربع ساعة، ما يعني أن القناعة على الأرض، عداها بالمطلق عن التي يعتنقها تمثيل الثورة السياسي والثقافي، وحتى رعيلها الأول. والتأويل أيضاً ثنائي ومتشابه مع سابقه، فإما أنها معركة جهادية لا تمت لمطالب العلمانيين الذين نادوا بها أولاً، أو الاحتمال الثاني، أنها انحرفت عن أهدافها، حتى الاجتماعية والسياسية، وباتت أشبه باستقواء إن لم نقل بحراً، يأكل سمكه الكبير صغاره ومستضعفيه.
والملفت، هي حالة الشعور باللاجدوى واستحالة التغيير بعد استفحال وتكريس "شريعة الأقوياء" فحتى قريبي القائد ضمن التنظيم الأكثر اعتدالاً وقوة وربما قبولاً وانتشاراً، بعد مقالات كتبها بعض قادته بصحف غربية والتسويق على أنه حامل التغيير، إثر أفعال وأهداف جبهة النصرة، التي خرجت إثر انفعالاتها، ما دفع محللين كثرا لوصفها أنها "على خطى داعش"، طلب- قريبي- أخيراً الانسحاب لعجزه عن الاستمرار بواقع ليس من السهولة تغييره.
سألته عن السبب، ومن يبقى بالداخل إن انسحب القلة المنحدرين من خلفيات عسكرية ومؤسسية، وليس من السهل استمالتهم بالسلاح أو إغراؤهم بالإمارة والمال، لتأتي الإجابة من الصفع، أكثر منها من واقعية.
"القوة والدم" هما ثنائيتا البقاء بالداخل، واستفاض: صراحة أنا لا أقتل على الشبهة ولا أقتل لأكون قاتلا أو قائدا، فأنا مقاتل ولست قاتلاً، وإن لم تقتل فلا يمكن أن تستمر وتبقى مهاب الجانب في واقع تلوّن ناسه وفهموا من الشريعة ما يريد مسوقوها ومن السياسة وجهها البراغماتي ليس إلا.
أو القوة، والتي يأتي ضمنها الملاءة المالية، فإن لم تقتل فلا بد أن تكفي من معك وربما حولك، بعد موجات ومستويات من إدمان التمويل، الذي كان يغدق بعد تسجيل فيديو لدقائق وإطلاق نار وتكبيرات.
قصارى القول: قتل ابن عم لي وزوجته غيلة واغتيالاً قبل نحو شهر، بعد تفخيخ سيارته، ولم يقتل على جبهة قتال أو جراء قصف برميل أو صاروخ، وهو الأخ الخامس بالأسرة نفسها، قبله ثلاثة قتلهم شذاذ الثورة ووافدوها الجدد والرابع قتله النظام المجرم، وهو المحور الأهم الذي ركزت ومكلمي عليه، خاصة أن ثمة تحقيقات وتوقيفا لمشتبه بهم، وأن "أحرار الشام" أهم من تولى كشف الجريمة لهولها وبشاعتها.
ليكتمل مشهد الخيبة فيما قاله من استسهال القتل، وما قاطعته مع سواه من تسخير الأطفال والنسوة للتفخيخ ولصق عبوات ناسفة، بأمر من اصحاب الأمر في غالب الأحيان، تماشياً مع شريعة الله التي يفهمونها وبأمر ممن يدعي وكالته الحصرية على الأرض، وتحت إغراء المال أو التخويف أحياناً.
نهاية القول: لم آتِ على مثال شخصي إلا لأعكس ما آل إليه الحال على الأرض، وإن يختلف زيادة هنا أو نقصان هناك، علنا نتنبه لجسامة الهوة بين الأماني والواقع، بين منطلق الثورة ومنتهاها.
بيد أن ما يلزم الإشارة له هنا، أمران... الأول أن كل ما جرى ويجري وسيجري يتحمل مسؤوليته النظام القاتل، وتراكم بتخطيط وقصدية من عصابة ثأرية، ورثّت سوريتنا بما فيها وعليها، وسوّقت عبر طرائق وأفعال كثيرة، أن بديلها هو ما يجري اليوم على الأرض، بل كانت من الوضوح ما يذهب أي اتهامية وتشكيك، وقت طرحت ومنذ مطلع ثورة السوريين "الأسد أو نحرق البلد" ولعل في سيطرة الجهل والتغييب، أحد أشكال الحريق.
الأمر الأخير، أن كل ما يجري وعلى هوله وخطورته وبشاعته، يمكن اعتباره طبيعياً وإن فاق التوقع، فأن تستهدف ثورة السوريين إلى هذا الذي رأيناه، ممن ادعى الإخوة قبل الصداقة والتحالف، ومن أبنائها الذين أكلوها أولاً، فهاتيك النتائج مستوى لا بد منه، بعد عقود من الكبت والظلم والاستيلاب.
غير أن الطبيعي والمتوقع والممكن تجاوزه هنا أمر نسبي، وتتعلق نسبيته بما طرأ من تطورات على القضية السورية أخيراً، فإن أعادت اجتماعات الهيئة العامة للائتلاف المجتمعة اليوم لانتخاب هيأتها الرئاسية، تاريخ الانتخابات السابقة والخلاف حول الفتات والتبعية وربما العمالة، وشفعت نتائج "الانتخابات" بخيبة جراء "المنطقة الآمنة" التي بدأت التقلبات تشوبها، فوقتها، قد يكون الحق كله إلى جانب ابن عمي ألا يستمر، ليسعى لخلاص فردي، كما فعل تسعون بالمئة ممن يتلكم باسم الثورة، وفي جيبه جنسية غير السورية، أو إقامة بدولة أوروبية.
*عدنان عبدالرزاق - من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية