أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

من المنطقة الآمنة هلت البشائر!... عدنان عبدالرزاق*

من دمشق - عدسة شاب دمشقي

تبدلت أحلام السوريين بوطن واحد وشعب واحد وحرية وكرامة ودولة مدنية تتسع الجميع، إلى مناطق آمنة على حدود دول الجوار بأحسن الأحوال، بعد أن عمّق "التحالف الدولي"، شعور الخيبة وربما الهزيمة لديهم، وباتت الحلول الفردية والسعي للخلاص الشخصي، هي السمة الواقعية الغالبة على أداء السوريين.

وإن تؤثر قلّة حتى اليوم، نظرياً وتنظيراً وأحياناً سلوكاً، على مطالب وأهداف الثورة، بشيء من الحلم والأمل، وقليل من الأداء، متكئة على حقائق الثورات وسيرورة التاريخ، قافزة على كل ما آل إليه الحال، من تشرذم وتجهيل وتطييف داخلي ووصول الأرض السورية ساحة لتصفية حسابات تاريخية وجغرافية ودينية واقتصادية، للكبار إن لم نقل للعالم أجمع.

بيد أن تبدلات طرأت أخيراً، بدأت بتغير بعض ملامح الصراع، ربما تأريخها بدأ مذ توقيع اتفاق إيران النووي مع مجموعة الخمسة زائد واحد، ليكون التدخل التركي الجوي وعلى الأرض، أهم نتائجها حتى الآن، وإن لن يكون أخطرها.

في الأمس، تم جر تركيا مرغمة لمستنقع "داعش"، بعد تعفف وتخوف وحرص وسياسة منذ قبل خطف دبلوماسييها وحجزهم بالبصرة جنوب العراق العام الفائت، لكن هجوم تنظيم "داعش" على مدينة "سوروج" القريبة من الحدود السورية والتفجير في حديقة مركزها الثقافي، سرّع، مشفوعاً بمقتل ضابط تركي على مخفر حدودي، من اتخاذ أنقرة ما يلزم، محلياً ودولياً، لتدخل الحرب بسوريا متأخرة، بعد ضمانة أمريكية غير معلنة، بإقصاء طهران عن المواجهة، وتخلي أنقرة عن شرط المعركة البرية واستهداف نظام الأسد ضمن الحملة، والسماح لـ"قوات التحالف" باستخدام قاعدة "إنجليرليك" الأمريكية قرب مدينة "أضنة" التركية، لانطلاق الطائرات وقصف جغرافيا "داعش"، ليكون التعادل 2/ نتيجة أولية للمقايضة، بعد الاتصال الحسم بين رئيسي البلدين، أردوغان وأوباما، ليل الأربعاء الفائت، وحصول تركيا على "الأوكي" برسم ملامح "المنطقة الآمنة" وضرب "داعش" وأذرعة "حزب العمال الكردستاني"، بعد حصولها على اتفاق تدريب وتسليح المعارضة السورية الذي وقّعه السفير الأميركي في أنقرة ومستشار وزير الخارجية التركية، ليبدأ فصل جديد، أعلنت أنقرة أنه ليس مؤقتا والنظام السوري ليس بمأمن عن أهدافه.

قصارى القول: لم يكن تصريح طهران الذي تضمن وعيدا مبطنا حول اختراق أنقرة "السيادة السورية"، إلا للاستهلاك الإعلامي، أو ما يمكن أن يتخلق فجأة عن واشنطن من تراجع وحنث بوعودها لأنقرة، أو حتى ما قد يتأتى إقليمياً إن تعثر المشروع التركي من قبيل مواجهات محتملة أو وساطات وهدن متوقعة أعلن ليل السبت رئيس وزراء حكومة إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني، عن أولها.
السؤال برسم السوريين والتاريخ، هل المنطقة الآمنة التي يقال عن بدء تطبيقها بطول 100 أو 90 كلم وعمق 50 كلم، هي في صالحهم وتخدم ثورتهم وتطلعاتهم، أم تراها إسفيناً سيدق في الجسد الجغرافي والديموغرافي، ليكون بداية لتقسيم سوريا إلى "كانتونات" وربما لدويلات تقتطع تباعاً ويتم التعاطي معها واقعياً، إن لم نقل باعتراف دولي، ليضيع الحلم ويترحم السوريون على السيدين مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو معاً.

ربما الإجابة السريعة، إن لم نقل المتسرعة، المنطلقة من وجع السوريين، وخاصة في شمال شرق سوريا، بعد الموت الذي طال كل أسرة والتهديم الذي شمل كل منزل، وبعد الخيبة التي كستهم جراء أداء تمثيلهم السياسي المراهق والمرتهن معظمه للممولين، والإحباط الذي سكنهم، بعد وعود الأشقاء والأصدقاء. هي -الإجابة- نعم ومرحب بالمنطقة الآمنة التي تضمن لنا شيئا، وإن مبدئياً، وتمنع عنا البراميل المتفجرة وحمم قذائف الأسد، وتعيد الأمل بلمّ شمل الأسر، أو من تبقى منها، والعودة للعمل والعيش دونما ذّل المخيمات ورحمة الأوصياء الجدد.

ويذهب أنصار هذا الرأي بحلمهم، إلى اعتقاد بأن هذه المنطقة ستتحول إلى جنة على الأرض، ففضلاً عن خصوبة أراضيها وتهافت المستثمرين السوريين وربما غير السوريين لإعادة البناء والإعمار والتأهيل، سيكون ازدهار هذه "الآمنة" رهان تركيا الأكبر، لتجذب الأنظار، وتكسب الأنصار وتحقق ربما حلماً عثمانياً دفيناً، وإن عبر وصاية عصرية بإرادة السكان.

لتأتي الإجابة بالنفي، وإياكم أيها السوريون من السعي إلى "كانتون" سيكون بداية لتقسيم وطنكم، هي ما سيقوله أنصار الرأي الآخر.

ويستند أصحاب هذا الرأي إلى الطمع العثماني التاريخي بحلب، ما ينذر باحتلال أو ربما اقتطاع، ولو جزء من المنطقة الآمنة، ضمن التحولات المتوقعة إن استمرت الحرب وقويت شوكة المقاتلين على الأرض، بأنواعهم، وبقي الأسد ضمن صفقة "اللاانتصار" وتقسيم كعكة خراب سوريا على الداعمين.

بل، يقول رافضو المنطقة الآمنة، إن هذه الخطوة ستسرع بتقسيم سوريا إلى دويلات، ويبقى نظام الأسد على قيد الحكم، وإن على دويلة الساحل، إن ضمت لها دمشق، أو حتى دون دمشق.

ليبقى الرأيان كلاهما مرهونين، بما ستؤول إليه المعارك على الأرض، وما سيتمخض عن اتفاقات تحضر بغرف مغلقة منذ مدة، تم جسّ نبض السوريين مراراً حول تقبلّها، وكان الترحيب-للأسف- الإجابة الغالبة، مع الاحتفاظ بالمكاسب والفتات وإبقاء قضية السوريين حالة معلقة، تجوز فيها وعليها، كل الاحتمالات.
نهاية القول: موجع لدرجة الإغماء والهروب مما يجري، ما آل إليه حال السوريين وما خلصت إليه الثورة الأكثر عدالة وأحقية، ربما في التاريخ الحديث، فالوقوف بوجه انتصارها، كي لا تتبدل جغرافية المنطقة وربما ميازين القوى العالمية، ولا يتطاير شرر الحرية لعروش التوريث والقومجية، صغّر من حلم السوريين بعد أن قاد نظام التوريث القاصر، المؤامرة وسوريتهم، لآخر احتلال وآخر مشروع تقسيم بالتاريخ الحديث.

*من كتاب "زمان الوصل"
(180)    هل أعجبتك المقالة (168)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي