ليس وحده تسارع الأحداث هو ما يفرض علينا الحديث بكل صراحة وموضوعية بل هو المحافظة على ما تبقى من نسيج اجتماعي سوري تمزق بفعل إجرام وسياسات نظام ديكتاتوري مستبد مجرم دعمته العديد من الأطراف عربيا وإقليميا ودوليا، فاستمر الإجرام حتى أوغل في دماء وحرمات شعب طيب محب للحياة، كل ذنبه أنه طالب ببعضٍ من حقه في حياة حرة كريمة.
إن أول وأكبر جريمة يرتكبها نظام الأسد الأب بحق سورية كانت عملية هدم الأخلاق وضرب القيم الاجتماعية والإنسانية ونشر الفساد والرشوة والمحسوبية وإتباع سياسة فرق تسد ومن ثم تجنيد شريحة كبيرة من السوريين وتحويلهم إلى عملاء ومخبرين لأجهزة المخابرات التي حكمت بالحديد والنار وحولت سورية إلى أكبر سجن عرفه التاريخ، سجن يحصي فيه جلاوزة النظام ومخبريه على الناس أنفاسهم، حتى أصبح الأخ عدواً لأخيه وبات الكل يخاف ويخشى الكل.
لقد كانت سورية ولازالت إحدى أكثر دول العالم تنوعا من حيث الإثنيات العرقية والطوائف الدينية ولم يحدث على مر التاريخ أن كان هناك صراعات كبيرة بين مكونات هذا المجتمع وليس أدل على ذلك من قدوم الكثير من قوقازيين وكرد وأرمن وحتى الترك والفرس إلى الشام واتخاذهم من سورية وطنا يعيشون فيه بأمان هربا من اضطهاد الآخرين لهم أو حبا في طبيعة هذا البلد الجميل الذي بارك الله فيه.
طائفة الموحدين الدروز هي أحد مكونات مجتمعنا، وهم من أكثر فئات المجتمع السوري أدباً وكرماً وحفاوةً بالضيف، وكلامي هذا ليس نقلا عن قائل بل عن خبرة وتجربة عشتها بنفسي وأنا إبن حوران الأبية، فقد خبرت شيبهم وشبابهم وحضرت بعضا من مناسباتهم وكنت من مستقبلي وفودهم في بعض مناسباتنا من فرح أو ترح، خبرت شبابهم شابا فكانوا زملاء دراسة وأنشطة رياضية سعدت بمعرفتهم وصحبتهم، إذاً تعتبر طائفة الموحدين الدروز بشكل عام وبسبب حساسية وضعهم كان حالهم كحال بقية شرائح المجتمع السوري فلم يشذوا عن معادلة الصراع مع النظام، فوقف بعضهم مع الثورة وكثير منهم ضدها وإختارت شريحة كبيرة منهم الوقوف على الحياد بانتظار إنجلاء الموقف ومآلات الصراع، وهو مالم يعجب نظام الأسد المجرم وعملائه من أبناء الطائفة، فعملوا على جر المنطقة الجنوبية إلى حروب وصراعات جانبية تستنزفهم وتخفف الضغط عنه، لكن الحكمة وحسن إدارة الأمور التي تحلى بها أبناء المنطقة هي ما أفشل هذه الفتن حتى الآن، ولا بد لنا هنا أن نذكر أن أول فتنة بين السهل والجبل قد تم وأدها أواخر الشهر الخامس من العام 2012 في مدينة بصرى الشام التي إحتضنت راية الصلح آنذاك.
اتعظوا يا أولي الألباب
لعل أعظم عبرة يمكن لعاقل أن يتعظ بها هي تكبر وصلف نظام الأسد الذي أهدر عشرات الفرص على مدى أكثر من أربعة أعوام تلك الفرص التي كان يمكن من خلالها تجنب وطننا كل هذا الدم والخراب، فقد إعتقل أطفال درعا ثم اهان ذويهم ليتطور الأمر إلى ثورة سلمية كان يمكنه إحتوائها بدل سفك الدماء ثم وبعد ذلك كان يمكنه ان يضحي بعاطف نجيب وقتلة أبناء درعا لكنه تكبر وأبى، لتكبر كرة الثلج المتدحرجة يوما بعد يوم حتى عمت المظاهرات معظم المدن والقرى والبلدات السورية ومع ذلك وبدل تغليب مصلحة الوطن أمعن في القتل والتدمير والتهجير وإنتهاك الحرمات إلى ان وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، هو حتى لم يفكر في مصلحة طائفته بل جرها إلى مصير أسود ينتظرها.
المأمول والمطلوب من بني معروف
بداية لا بد من التأكيد على أننا ضد أي عمل من شأنه الإساءة لكم فلا ديننا ولا أخلاقنا تبيحان لنا ذلك، لكننا نجد أنه من واجبنا التذكير والنصح ووضع الإصبع على الجرح رغم الألم الذي قد يسببه ذلك، فمصلحة الوطن فوق مصلحة قرية ومصلحة أمة أو طائفة فوق مصلحة فرد أو جماعة، وهنا ومن باب المصارحة والشفافية لابد من التذكير بما يلي:
أنتم قوم مروءة وشهامة وكرم وخطأ فادح على قوم يملكون هذه الصفات ألا يسجلوا حضورهم بالوقوف مع الحق إلى جانب أهلهم ضد نظام مجرم لم يترك نوعا من أنواع الموبقات إلا وارتكبها بحق وطننا وشعبنا المستمر في ثورة لم يرد لها الكثيرون الانتصار سلما، فحولوها وبشكل لا أخلاقي إلى فوضى تكثر فيها التجاوزات والأخطاء، وإعلموا أن عدم الرد على الإستفزازات التي يقوم بها البعض بحقكم ليس ضعفاً بل هو حكمة بالغة وأنتم لا تنقصكم الحكمة وفيكم من أهلها الكثير، وصبر على الأذى قليل خير من تسرع وإتباع للمحرضين المغرضين تعقبه ندامة.
نظام الأسد إلى زوال فلا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، فالكثير منكم وقف مع ثورتنا وآخرون التزموا الحياد، وإن منكم ومنا من ارتبط بقاؤهم ببقاء نظام الأسد وسيستمرون في محاولات جركم إلى مواجهة مفتوحة مع محيطكم العربي السني، الذي يقود ثورة عظيمة لم يعرف لها التاريخ مثيلا، هي ثورة تحولت إلى معركة وجود لن تتوقف وستستمر حتى تحرير سورية من المحتل الصفوي وأذنابه، فكونوا جزءا منها وضعوا بصمتكم فيها، أو إلتزموا الحياد ما استطعتم إلى ذلك سبيلاً وهذا أضعف الإيمان، وإياكم والثقة بهذا النظام المجرم أو الاعتماد عليه فلا هو ولا إسرائيل يملكون القدرة على حمايتكم لأنهم يريدون منكم أن تكونوا أداة بيدهم ووقودا لحربهم الاستباقية علينا وتماما كما جعلت إيران من شيعتها العرب وقودا لحربها الدنيئة على أهلنا في العراق وسورية ولبنان واليمن والبحرين، وإعلموا أن حادثة بسيطة أو إشكالا عارضا قد يجرنا وإياكم إلى ما لا تحمد عقباه، ولكم في قلب لوزة وحادثة مقتل الجرحى من البدو على يد بعض الدروز ومن ثم قتال شبيحتكم إلى جانب عصابات الأسد في مطار الثعلة العسكري والتلول الحمر عبرة، فاحسموا أمركم بني معروف قبل فوات الأوان وثقوا أننا معكم ولن ننجر إلى ما يريده أعداؤنا.
مدينة درعا تتحرر وقريبا بإذن الله ستندحر عصابات الأسد عن حوران وكل سورية وسيتركونكم تواجهون مصيركم بعد أن زرعوا العداوة والبغضاء بيننا، فكفوا أيدي شبيحتكم عنا، وكونوا إخوة لنا لا أعداء وعَوناً لنا لا علينا، فالتاريخ شاهد يسجل الأحداث من أفعال وأقوال ستروى وسيرثها من بعدنا الأبناء والأحفاد. ألا هل بلغت اللهم فاشهد.
*خليل المقداد - مشاركة لـ "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية