أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الجولاني المأزوم

انتظر السوريون انفراد قناة الجزيرة بمؤسس جبهة النصرة وأميرها “أبو محمد الجولاني”، وتسمر المؤيدون والمعارضون أمام التليفزيون لمعرفة ما سيبوح به الجولاني بعد إشاعات شاركت النصرة ذاتها في إطلاقها عن احتمال فك الارتباط مع تنظيم القاعدة. وإن كان تأكيد العلاقة الوثيقة في الأفكار والخطاب والتبعية التنظيمية لم يفاجئنا، وكنا قد تطرقنا إلى صعوبته واستحالته مرحليًا في مقالتين نشرا في التقرير: “رسائل الجولاني المتناثرة على أبواب إدلب، عن العريدي وقعدنة الثورة”، فإن المقابلة صدمت كثيرين شكلًا ومضمونًا.

فمن الناحية الشكلية، لم يخرج مذيعو الجزيرة في لقاءاتهم مع قادة الفصائل المقاتلة في سورية، وفي مقدمتها النصرة، عن أسلوبهم التقليدي في طرح الأسئلة وتلقي الإجابة. لقد هجر هؤلاء ألف باء الصحافة، وفضلوا أن يكون شهداء أو مصدقين أو ربما مروجين لكثير مما جاء في الخطاب. أتذكر بألم اللقاء الأول الذي أجراه أحمد منصور مع الدكتور برهان غليون، والذي اختير كأول رئيس للمجلس الوطني السوري 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2011. آنذاك، شن منصور هجومًا لاذعًا، وكأن ثأرًا قديمًا بينه وبين الرجل، وراح يستفزه، ويقاطعه ويصحح له أحيانًا، وكأنه هو الضيف لا العكس، قبل أن ينهره غليون، ويطلب منه إتاحة المجال للتعبير عن أفكاره. أما في هذه المقابلة، فقد تجاهل الإشارة من قريب أو من بعيد للانتقادات السورية المتراكمة لجبهة النصرة على الأقل منذ منتصف العام الماضي، والتي لم تخرج عن علمانيين أو ليبراليين أو أصوات خارجية؛ بل صدرت عن فصائل إسلامية تشاركت مع النصرة المعارك على امتداد الثورة المسلحة، وعن قادة في جبهة النصرة ذاتها. أيًا يكن، فإن الجولاني وجد في هذا اللقاء متنفسًا ليعيد تكرار ما طرحه سابقًا عن الأقليات، والنظام، والخارج، والحكم الإسلامي، ولم يأت اللقاء بأي جديد للسوريين، واقتصر الجديد على منصور نفسه، والذي حاول أن يعمم الانطباعات التي كونها في خمسة أيام كمسلّمات لا يمكن التشكيك أو النقاش فيها.

أما من حيث المضمون، فقد أظهر الخطاب استمرار أزمة النصرة وأميرها، وهي أزمة بنيوية رافقت الجبهة منذ إعلان البغدادي دمجها في تنظيمه 9 نيسان/ أبريل 2013. لا ترى النصرة ما يجري حاليًا في سورية إلا من منظار صراعها وخلافها مع البغدادي وتنظيميه؛ لذلك فهي ليست مستعدة لأي نوع من المراجعة أو تقديم التنازلات ما دامت تحاول منافسة تنظيم الدولة على الخطاب وشرعيته، والرؤية المستقبلية، واجتذاب المقاتلين. الرسائل التي بثها الجولاني في مقابلته لا تختلف كثيرًا في المضمون عن رسائل تنظيم الدولة حتى وإن اختلفت شكلًا. العلويون والدروز والشيعة كفار، لكن لا نقتلهم على طريقة البغدادي؛ بل نرسل لهم دعاتنا ليعودوا إلى الإسلام (السنة). الفصائل السورية الأخرى مخطئون، مرتهنون لقوى دولية وإقليمية، لكن لا نقاتلهم الآن على طريقة البغدادي؛ بل نتعاون معهم ضمن تحالفات مؤقتة لا علاقة لها بالمستقبل. نسعى لإقامة دولة إسلامية وفرضها على الناس، ولكن ليس الآن، فخلافنا مع تنظيم الدولة حول الدولة خلاف توقيت لا خلاف مبادئ، واطمئنوا لن نفرض الجزية على المسيحيين اليوم؛ بل سنفرضها في المستقبل على من يقتدر فقط.

يدرك الجولاني أزمته وعجزه عن منافسة تنظيم الدولة؛ بل عجز تنظيم القاعدة بما يمتلك من تاريخ وشرعية لدى الجهاديين عن مثل هذه المنافسة. فدولة البغدادي قائمة وتتوسع، وحدودها تنفذ وتشتد، وعدد مقاتليها لاسيما الأجانب في ازدياد. في المقابل لا تستطيع النصرة أن تمتلك هامش الحركة والمناورة إلا في الفضاء السوري التقليدي الذي ينكره الجولاني وقادة جبهته. لقد غض السوريون الطرف عن كثير من انتهاكات النصرة وسلوكياتها المقلدة لتنظيم الدولة، ومنحوها الفرصة تلو الفرصة، وراهنوا على دمجها وتهذيبها لتكون إلى جانبهم وليست خصمًا لهم، وجاءت تجربة جيش الفتح كبادرة أمل استطاعت من خلالها النصرة اختراق قلوب السوريين من جديد على أمل أن تتسورن أو تعود إلى أسسها التي نشأت عليها بالتركيز على الجانب المحلي (القطري)، والابتعاد عن تجارب الجهاد المعولم التي أجهضت أو انقسمت على نفسها في كثير من البلدان. لكن خشية الجولاني، والتيار الأردني المسيطر عليه، من تجرع مرارة آنية قد تنجم عن تحولات جوهرية في الرؤى والأطروحات تدفعه إلى المحافظة على الجبهة بصيغتها الحالية، والتركيز على واقعها لا على مستقبلها والذي لن يكون موجودًا إلا في الإطار الوطني السوري الذي تقاتل ضمنه الآن.

يبقى أخيرًا، أن هذه المقابلة قد تترك أثرًا سلبيًا على علاقة النصرة مع فصائل متحالفة في جيش الفتح كحركة أحرار الشام، وفيلق الشام، والمتهمة من قبل قائد النصرة بالتوجيه أو بالعمالة للخارج، وهو ما يؤثر على تجربة جيش الفتح ذاتها، وإمكانية توسعها أو تكرارها في مناطق سورية أخرى لاسيما في حلب. ليس لأحد موقف عدائي من النصرة ليكتب عنها منتقدًا؛ بل لا ينكر بطولاتها في مقارعة النظام إلا جاحد أو جاهل. لكن، هذه الثورة انطلقت من أجل حياة ومستقبل أفضل، ودفع أبناء سورية مئات آلاف الشهداء للتخلص من الاستبداد وبناء دولة الكرامة والعدل، وليس لإلحاق سورية بقيادة تنظيم القاعدة أو ضمها كولاية إلى إمارة أفغانستان (طالبان) الأفغانية، وهذا هو أيضًا الدافع لانتقادنا للجزيرة أو بعض مذيعييها لاسيما وأن هذه القناة حملت همَّ الثورة منذ الأشهر الأولى، وساهمت في كشف جرائم النظام وميليشياته، وخلق رأي عام مؤيد للثورة ولحق الشعب السوري في الحرية والتحرير.

حمزة مصطفى عن التقرير - مختارات من الصحف
(169)    هل أعجبتك المقالة (189)

عدنان

2015-05-30

شو يعني ألف باء الصحافة...استح يا رجل.


التعليقات (1)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي