لا أعتقد الأمر يحتاج لنزهة لوادي عبقر ولا حتى لمخيلة واسعة، كي يستشف السوريون أن عملية إعادة إنتاج وتأهيل لنظام بشار الأسد، تجري وعلى نحو مخطط وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، وأن ثمة تراجعا بمواقف بعض الدول المؤثرة والتي تبنت ثورة السوريين يوماً، لتعيد تمثيلها الدبلوماسي مبدئياً لدمشق، والعذر الأقبح من ذنب "محاربة الإرهاب"، فيما يمكن اعتباره سياسياً على الأقل، نجاحاً للأسد الوريث الذي نجح من ذي قبل، عبر أسلمة الثورة وتسليحها وتدويلها.
قصارى القول: شاركت شركات سورية تعمل بكنف النظام وتذهب قسما من أرباحها لدعم حربه على الثورة، في معارض عربية "بيروت وبغداد ودبي" وثمة عودة لروح العلاقات، وإن بحياء، بين نظام الأسد ودول عربية، على صعيد الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية، ووصل الأمر ببعض دول المغرب العربي لطرح عودة العلاقات بشكل علاني.
وأيضاً، بدأت بعض دول الاتحاد الأوروبي التي سحبت سفراءها من سوريا تشير في "أحاديث خاصة" إلى أن الوقت قد حان لمزيد من التواصل مع دمشق على الرغم من معارضة فرنسا وبريطانيا لذلك.
وبدأت الدعوات تنتقل من المجالس الخاصة ليروّج لها بهدف التحريض، بعد دعم السويد والدنمارك ورومانيا وبلغاريا والنمسا وإسبانيا وجمهورية التشيك التي لم تسحب سفيرها من دمشق حتى الآن، كما تؤيد النرويج وسويسرا وهما من خارج الاتحاد هذه الخطوة.
وربما المقلق، وإن لم يكن مفاجئاً، أن صدى تلك الدعوات بدأت تتردد في أروقة القرار الأمريكي، وإن بالتوازي مع جوائز الترضية التي توزعها واشنطن لإسكات المعارضة السورية والحفاظ على ماء وجهها -اللهم إن وجدت– بعد دعواتها للأسد منذ أول دم أراقه النظام، بأن ارحل.
فالذي نقل عن السفير روبرت فورد، أول المتحمسين لرحيل الأسد والداعي سابقاً لتسليح المعارضة، إنه بدأ بانتقاد المعارضة والمعارضين ووصفهم "بالمتعاونين مع الجهاديين وجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة الذي لا يختلف عن ايديولوجية تنظيم داعش".
بل أعلن فورد، الذي زار حماة مطلع الثورة وقاد حملات التحريض وربما بعض غرف العمليات، أن "لدى المعتدلين في المعارضة المسلحة فرصة ضئيلة ليصبحوا قوة قادرة على البقاء وأنهم غير قادرين على المبادرة بالهجوم، ما يعني أنهم يقاتلون في معارك دفاعية وبالتالي لا داعي للاستمرار في إرسال المساعدات إلى جانب خاسر".
نهاية القول: أتت على نحو مدروس، موضة مكافحة الارهاب واعتبار ماعداها ثانويا أو مؤجلا، وربما من اللاسياسة أن نندب ونشكو ونحاول إقناع واشنطن وعواصم أوروبا أن الأسد هو من أوجد الإرهاب، منذ درب سوريين وغرباء ليرسلهم إلى العراق ولبنان، قبل أن يصدر عفواً رئاسياً مطلع ثورات الربيع العربي وفقاً للنصائح الروسية والإيرانية، ويخرج من يعلم يقيناً ميولهم وقناعاتهم تجاه الحرية والدين الإسلامي، هذا إن لم نتهم بتجنيده لهم أو لبعضهم.
ببساطة، لأن هذه المعلومات يعرفها الجميع وما عاد لها تداول في السوق الدولية بعد التحول الذي شهده العالم، منذ "فزاعة داعش" والاتفاق على أنها -وليس الأسد– الخطر الذي يجب محاربته.
ما يعني أن على المعارضة السورية تعّلم لغة مختلفة، يمكن خلالها أن تشد اهمام المتحولين المرشحين للزيادة، لغة يفهمها العالم، بعيدة عن التسول والتوصيف والنواح، ويمكن اختصارها بكلمة القوة.
القوة بما تحمل من معان خشنة وناعمة، القوة التي تبدأ من الأرض ولا تنتهي عند طمأنة المتخوفين على مصالحهم لما بعد الأسد. القوة التي تعرف كيف توائم بين أحلام موسكو وعنجهية واشنطن وتدغدغ كلتا مشاعرهما.
ولعل الأهم في الأمر برمته، أن واشنطن وموسكو والعواصم الأوروبية..بل وحتى طهران، تسعى وتفضل أن تتكلم وتتفق، أو تتآمر، مع شخص واحد، وهو ما يحققه الأسد حتى الآن وخابت المعارضة التي نالت الجوائز بالتشرذم والانقسامات عبر نحو 1500 يوم، من أن تحققه، بل على العكس، كل يوم يخرج زعيم وناطق وتكتل وفصيل جديد، ما أسكن الملل وربما القرف، ليس بالقوى العالمية، بل حتى بالسوريين الحالمين.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية