أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

"العمل استحقاق يا عصابة السرّاق".. عدنان عبد الرزاق*

لا يكاد يمر يوم، دون أن تجتاحك الأسئلة من صفوف الهاربين من تجويع وقتل الأسد - أرشيف

يقال، تقوم الثورات عندما يتلاشى الأمل ويفقد الزعماء شرعيتهم، وقلما ينسب الاقتصاد ويعطى لتردي الظروف المعاشية، السبق في إشعال فتائل الانتفاضات، إذ لم يرد الاقتصاد سبباً منذ الثورة المجيدة في بريطانيا عام 1689، حتى ثورة الكرامة في سوريا عام 2011، بل، غلب ما قاله أفلاطون، من تغيير جذري، أو جزئي للدستور، على كتابات المؤرخين وتفاسيرالمنظرين، فتركوا للسياسي السبب والمسبب وحصروا الثورات بـ"الحركات السياسية" وإن لا يمكنهم نكران النتائج الاقتصادية التي تتأتى عن الثورات.

ربما الجدل هنا عقيم، إن استندنا إلى أنطونيو غرامشي أوصموئيل هنتنغتون، ليقيننا أن لكل ثورة أسبابها التي إن تشابهت مع أخرى لجهة ديكتاتورية واستبداد الحاكم، قد لا تتطابق لما يتعلق بصيرورتها، التي –في الغالب– تغير الأسباب أو تبدل بعض ملامحها، ولعل في "واحد واحد واحد" وما آلت إليه مطالب السوريين اليوم من "بدنا ناكل"، دليلا حاضرا لا يمكن لخلفيات مؤرخي الأمس وأسبابهم، المساس بمصداقيته.

بداية القول: اعتمد نظام بشار الأسد، ضمن أسلحة غير معلنة، بداية استخدامها على الأقل، على الاقتصاد ليواجه معارضيه، فمن يتذكر رشى أول خطاب بالبرلمان وحقارة زيادة الأجور، يمكنه استشفاف تعاظم سلاح التجويع، الذي أتى على سوريين وفلسطينين جوعاً، فضلاً على من لفظ أنفاسه حرماناً في مخيمات أشقاء العروبة والإسلام ومن أكلته الأسماك الجائعة خلال رحلات الأحلام، هرباً من الموت والجوع، لتكون الأرقام، ربما بحجم قتلى سلاح الكيماوي في الغوطة.

وأما موت الأحياء جراء الجوع، فهو ما لم يوثّق حتى اليوم، فتعاظم نسب الأمية بين صفوف الأطفال وسيلان دم العذراوات أسوداً لفرط الانتهاك، وقبول مالم يعتد السوريون قبوله، كان، أو معظمه، بسبب الجوع والهروب لإسعاف مطالب الأبناء، نحو ما لا يمكن للذواكر -عبر السنين– محوه، هو الموت الآخر، حتى لما فينا من رحمة.

وفي حين استمر النظام الوريث في التجويع إيغالاً، عبر الحصار وفصل العاملين بالدولة بتهمة طلب الحرية، لم تعر المعارضة بالاً للعاطلين ولا لتبديد الطاقات البشرية وهجرة العقول، ولعل في رفض إنشاء "الصندوق السوري للتمويل والإعمار" الذي طرح مع تهافت الأموال والمساعدات للمعارضة، وعدم استثمار المعابر الحدودية وثروات المناطق المحررة زراعيا ومائيا ونفطياً وصناعياً، ربما يدفعنا للقول إن "شهاب الدين أضرط من أخيه".

قصارى القول: لا يكاد يمر يوم، دون أن تجتاحك الأسئلة من صفوف الهاربين من تجويع وقتل الأسد، حول عمل، وأحياناً أي عمل، بعد أن باع السوريون ما يمكن تعويضه لاحقاً ويخشون من بيع ما لا يمكن بيعه مرة ثانية.

فإن أجلنا البحث بنسبة بطالة السوريين الذين اختاروا الثورة، من أيد عاملة وعسكريين وإداريين ومثقفين، ودور المؤسسات المعارضة في عدم إيلاء هذا الركن الأهم، في استمرار الثورة وإعادة ترميم سوريا الحلم لاحقاً، لنسلط الضوء على قنبلة موقوتة، قد تنفجر بوجه الأسد الابن بكل لحظة، بعد ارتفاع نسبة البطالة 70% والفقر أكثر 80%، فيمكننا القول إن ثورة سوريا ثانية وبأسباب اقتصادية هذه المرة، ستنفجر وإن آجلاً، بوجه الأسد الذي باع كل ما فوق الأرض، بل وتحتها، لحليفي الموت في موسكو وطهران، وتنكّر حتى للمغيبين والمؤيدين، الذين يسمع صوت عويلهم جوعاً، بعد أن أكل التضخم عملتهم وأجورهم وزاد صرف الدولار عن 250 ليرة.

نهاية القول: تهنا في الشعارات العريضة وتوهتنا، وتناسينا أن الجميع تمشي على بطونها، وليس الجيوش فقط، فإعادة النداء بشعار بكورة ثورات الربيع العربي الذي انطلق بعدما ترك البوعزيزي النار شعاراً لثورات العصر الحديث "العمل استحقاق يا عصابة السرّاق"، بدأ يعاد اليوم، وعلى كلتا ضفتي سوريا، وإن بأصوات مخنوقة، إن صبرت الآن لا نحسبها ستنسى لاحقاً ما تركته البطالة على الجسد والنفس من آثار، لتعاود إشعال النار ثانية وربما ثالثة، وتسجل في سابقة، أن الثورات تشتعل لأسباب اقتصادية.

من كتاب "زمان الوصل"
(176)    هل أعجبتك المقالة (187)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي