هامش1: هل تبدل المواقف ذبذبة واقتناص منافع، أم تراه ضرورة سياسية لطاما تبدلت المعطيات ومن الحماقة التعنت والثبات في واقع متبدل.
هامش2: هل يمكن اعتبار، حتى قضايا الوطن، من دعوة للاحتلال وبقاء الديكتاتورية والرد على القتل بالقتل وجهات نظر، والتعاطي التبريري مع المستبد القاتل، ديمقراطية.
بداية القول: تأخذنا، كسوريين تحديداً، الأحداث اليومية، فنغرق في تكتيك شاءه غيرنا ضمن استراتيجية غدت واضحة وبيّنة، ونتوه في مقارنات غير جائزة، بحثياً ودرساً ومنطقاً أيضاً، لعدم تشابه أسبابها ونتائجها ومنطلقاتها، فننبش كل ما في دواخلنا من قبلية وعشائرية لتتوسع بيننا الهوة ونساهم على نحو ما، بتحقيق تلك الاستراتيجية التي نتشدّق جميعنا باكتشافها، تماما كما اكتشف الأسد الابن المؤامرة على سوريا، فمشى بها ونفذها ولم يزل، ليوصل بصموده وممانعته راسميها، إلى أبعد مما اشتهوا وخططوا.
وتتالت أراؤنا المتباينة، منذ اختيار الثوار للعلم مروراً بتسليح الثورة وأسلمتها، وصولاً إلى حرق الطيار الأردني على يد تنظيم الدولة "داعش"، وقصف دمشق على يد "جيش الإسلام" لنؤكد لأي مراقب، بمن فيهم أنصار الثورة وأصدقاء الشعب السوري، أن ما تعيشه سوريا، لا يمت للثورة بأية صلة، بل ينقاد جلنا، بعفوية واندفاع أو بقصدية ودور وظيفي، ليرسخ فكرة "الحرب الأهلية" ويبعد السوريين عن حلمهم بالحرية والمواطنة.
ربما، كل هاتيك الخلافات والاختلافات، مشروعة، وقد يراها البعض ضرورية وضرورة، إن من منظور ديمقراطي يتوق إليه السوريون بعد عقود من الإملاء والقمع، أو حتى لاعتبارات تسمى بالوطنية والحرص على عدم سرقة الثورة، وفي كلتا الحالتين، الاستنتاج واحد. وهو بيع السوريين لقراراتهم ومصيرهم، وأن لا خطة ولا قائد لثورة السوريين، ولا محددات ومحرمات وضعها عقلاء، للتمييز بين أهداف الثورة وغاياتها، وبين تهديم الوطن وقتل انتفاضة السوريين.
هذا إن لم نأتِ على ما عرّته الثورة -إن جاز وصفها كذلك حتى الآن- من اختلافات بين مكونات السوريين، وما نبشته من جمر المذهبية المتّقد، الذي منع الأسدين رماد السنين وشرعية القوانين والوطن للجميع، إطفاءها على مر السنين.
مختصر القول: ما إن ينعت أحدهم، وأخص ديمقراطيو الائتلاف الوطني، شخصاً أو تياراً بـ"الإخوان المسلمين" حتى يعلق على ذلك المشجب، كل خطايا التاريخ، من تفاحة حواء ومقتل هابيل حتى فشل الثورة السورية والخيانة العظمى للدين والشعب.
وما إن يفند سياسي هاوٍ أو حديث نعمة، الجائز والمحرم في التصدي لبراميل وحقد الأسد، ويحمل اللوم بانزياح هدف الثوار ووجهة المعركة على زهران علوش، حتى تقفز إلى الذاكرة مؤامرة إخراجه من سجنه وحكاية حمايته للأسد من خاصرة دمشق الشرقية ..وربما حلم علوش في ترسيخ إمارة دوما التي ربما سيعلنها لاحقاً تتمة لدولة داعش.
وقبل أن أنال حصتي برشق هؤلاء الساسة والمحلين، وأخص منهم "الجنس اللطيف" اللائي اعتزلن الأعمال المنزلية وتنشئة الأجيال، وتفرغن للسياسة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أقول: لست إخوانياً ولا قناعة لي بأي تأطير لأي معتقد، إن في حزب أو في دولة، كما كل ياسمينة في فيحاء سوريا تعنيني كما زيتون إدلب، وفستق طرطوس وعنب السويداء، بيد أني أرمي لما غيبناه عن فكرنا ومعتقداتنا المدنية.
إذ ليس من الديمقراطية التي تتشدقون بها، إلغاء الإخوان فقط لأنهم إخوان، وقياس الجميع على مسطرة من دحش قصداً ضمن صفوف المعارضة السياسية ليكون ممثلاً عن الإخوان، فإن لم ننظر للأمر على أنه حق سياسي أو حتى إنساني، فلا يمكننا تغييبه من اعتبار حقهم كسوريين.
كما ليس من المنطق، الإنابة عن كل المعذبين في ريف دمشق المحرر، الذين يحرقون بنيران الأسد ويصارعون البقاء ولو أكلوا القطط والجرذان، وتحريم نقل معركتهم للعاصمة، لتشعر حواضن الأسد، ببعض ما يشعرون.
هنا، أتعاطى بمنطق الحقوق والديمقراطية التي تفهمونها، ولا أقول قناعتي، لأن ديمقراطيّ الثورة يتعاطون مع أي حدث في جبل العرب أو السلمية أو قرى الساحل السوري، على غير ما يفعلون مع قصف ريف إدلب وحلب، وكأن الدم هناك صاف حمايته واجب وطني، وقتل الناس هنا قرباناً لاستكمال الثورة، أو، وهو الغالب، تشدق البعض بضرورة حماية الشعب السوري هناك ديمقراطية ونفياً لتهمة الطائفية، واستباحة دمه هنا، أو اعتباره أمراً يومياً وعادياً، فعل ثوري غيري عدم إعلانه خيانة عظمى للثورة.
ولكن -نهاية القول- أمام هذا الخلط وربما الكيدية التي تتجلى تباعاً، أي مكان تبقّى للثورة وما طرحه رعيلها الأول من حرية وكرامة وواحد واحد واحد.
أعتقد، وبعيداً عن الرومانسيات، أن ما يجري اليوم، إن بعد سيطرة الغرباء على الأرض أو بعد الصمت والمباركة الدولية وتزكية ما يجري، أو بعد إعلان المشروع الفارسي بلبوس روحي شيعي، لم يعد من مكان للثورة في سوريا، بل تحولت لصراعات قد يكون إخضاعها لأي صفة أو مصطلح، أمرا صعبا حتى على القواميس والمؤرخين، وربما تكون الأقرب لحالة كفاح وطني يأخذ هويته بالتدرج كلما زال مستوى مما تركبت عليه الحالة، كفاح وطني لإسقاط الاحتلال بكل ما تعنيه الكلمة، احتلال العصابة الحاكمة وعصابات الغرباء والعصابة الفارسية التي -بعد اغتصاب الحوثي لليمن– لم يعد طرحها من المؤامرة بأي شيء.
لذا، عود على بدء، تحريم السياسة، بل تنفس الهواء على الإخوان المسلمين، فقط لأنهم إخوان، وتحميل وزر دماء ياسمين دمشق واغتصابها، لزهران علوش، ربما يكون من الملهاة التي ننساق إليها لتمرير ما هو أعظم...وإن خال بعضنا أن النقد وتنظيف الثورة من شوائبها واجب وطني، ليرضي غروره أو ليبرر إقامته في العواصم العالمية ويرسل لمن يهمه الأمر، أني ثوري وذو رؤية ثاقبة، ويقول كلما اقتضت الضرورة "ألم أقل لكم".
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية