أمضى الشاعر والكاتب "عدنان المقداد" 15 عاماً في سجون نظام الأسد بسبب انتمائه إلى الحزب الشيوعي السوري في نهاية الثمانينات، وأول هذه السجون كان سجن "الشيخ حسن" الذي يقع داخل مقبرة الباب الصغير في دمشق، والذي اكتسب سمعة سيئة لمن عاش فيه أو سمع عنه، ويكفي أنه كان موجوداً داخل مقبرة، وهذا كفيل بالإيحاء بأن من فيه هم من الأموات أو في حكم الأموات، كما أمضى المقداد 4 سنوات في سجن القلعة والسنوات العشر التالية في سجن عدرا.
كان المقداد طالباً وشاعراً معروفاً في جامعة دمشق، وكان يشارك في الندوات ويقيم الأمسيات الشعرية على مدرج الجامعة أوائل الثمانينات، ورغم أن دمشق آنذاك كانت عبارة عن سجن كبير والسجان "حافظ الأسد"، وكان أغلب الشعب قد اعتاد الخنوع والتصفيق ضمن جامعة دمشق.
ويقول المقداد لـ"زمان الوصل" إن الكثير من المعارضين للنظام، وكان أحدهم، كانوا شبه مكشوفين، وكانت الظروف مختلفة آنذاك عن كل المراحل السابقة واللاحقة.
ويردف: "كنت أتحدث بكل جرأة، وكانت أشعاري تنم عن موقفي، ومن ثم أصبح لي تواصل مع الشباب في الحزب الشيوعي السوري، ورابطة العمل الذين كانوا جميعاً من ضمن أصدقائي".
وحول بداية ارتباطه بحزب العمل الشيوعي يقول مقداد :"لم أنضم مباشرة إلى الحزب بل تأخرت قليلاً حتى احتدمت الأمور، ومن ثم توطدت علاقتي أكثر بالحزب، وكان لا بد من الانضمام إليه لاسيما بعد أن صرّحت بموقفي المطالب بالديمقراطية والحريات العامة وحقوق الانسان، وعدم الاعتداء على المواطنين أثناء آخر أمسية لي، والتي ألقيت فيها قصيدة بعنوان "الحرية" في الشهر السادس من عام 1980.
ويستطرد المقداد: "لم أعد أذكر مضمون تلك القصيدة التي ضاعت وضاعت معها كل ذكرياتي، فقد حرقت كل أوراقي في تلك المرحلة، غير أني قبل القصيدة تليت مقدمة طالبت فيها بالديمقراطية والحريات العامة والقانون وعدم الاعتداء على الناس وكان ذلك سببا كافيا للغضب مني".
هذه القصيدة الجريئة كانت من ضمن الأسباب التي أدت إلى التضييق على الشاعر "عدنان المقداد" واعتقاله فيما بعد واتهامه بالانتماء إلى الحزب الشيوعي السوري، إذ يقول: "مُنعت من الإلقاء في جامعة دمشق، وكانت المدينة تشهد أحداثاً كثيرة آنذاك، وتعاني من حصار أمني مطبق، وكانت هناك احتجاجات من كل هيئات المجتمع كالنقابات واتحاد الكتاب العرب، حيث عقد الكتاب مؤتمرهم وتحدثوا بصراحة".
ويضيف المقداد: "لم أكن سياسياً ولكن الأقدار ساقتني آنذاك للانخراط في السياسة بسبب الجو العام الخانق واعتداءات الأمن وسرايا الدفاع على المواطنين".
وحول الظروف التي سبقت اعتقاله يقول الشاعر"عدنان المقداد": "لم أعتقل مباشرة، كانت الحملة على الحزب الشيوعي السوري في 7//10//1980 وقد شملت الكثير من المثقفين والكتاب والصحفيين، وكانت هذه الحملة عشوائية في البداية.
ويروي الشاعر مقداد تفاصيل اعتقاله آنذاك وكأنه يستعيد شريطاً سينمائياً:
في 16//10 1980 جاء دوري. كنت في الجامعة ثم ذهبنا أنا وبعض الأصدقاء آنذاك إلى قهوة أبو شفيق على طريق دمر ومنهم الفنان "جمال سليمان" ثم عدت إلى البيت".
ويضيف محدثنا: "بعد منتصف الليل جاء زوار الفجر، لم أعرف رعباً كذلك الرعب الذي حلّ بي تلك الليلة بسبب الطريقة الوحشية فقد طوقوا المنطقة وحاصروها تماما ثم طرقوا باب المنزل بأعقاب البنادق بقوة فاستفقنا من النوم".
ويستدرك مقداد:"لم يكن في البيت سوى الأطفال وأمي، وما إن فتحنا الباب حتى عاثوا في أرجاء المنزل، ووجهوا أسلحتهم وصفونا إلى الجدار".
ويتابع: "أمسك بي أربعة عناصر كانت أشكالهم مرعبة، ولقموا الأسلحة، وشرعوا يفتشون المنزل كما لو كنا نتعرض لغزو بربري".
ويصف عدنان مقداد ما حصل معه آنذاك بالكابوس وسرعان ما وضعوا العصابة على وجهه والقيود في معصمه واقتادوه.
ويضيف: "كانت أربعة سيارات أمام المنزل وعشرات العناصر، لم يجرؤ أحد من الجيران على فتح باب منزله ثم انطلقت السيارات".
عندما تم وضعه في إحدى السيارات انهالت عليه قبضات العناصر بالضرب دون أن يستطيع التفوّه بأي كلمة، وبعد الوصول إلى الفرع أنزلوه إلى القبو يقول: "لم أعلم أين أنا إلا بعد أيام، كنا في فرع التحقيق العسكري في العدوي والذي يسمى بفرع المنطقة".
كان هناك العشرات من المعتقلين وكان بعض العناصر يقفون وبأيديهم كابلات رباعية على الباب يضربونا بها كل الوقت.
ويتذكر مقداد تفاصيل لا تُنسى من اعتقاله: "كانوا ينادون علينا بالأرقام وكان رقمي (48) ويتابع: "هناك كنا أشباحاً بكل ما للكلمة من معنى، بعد 15 يوماً نادوا علينا وأخبرونا بأننا ذاهبون إلى الإعدام".
ويستدرك: "فعلا كان المشهد يوحي بذلك: اصطف عشرات العناصر من الجانبين ومررنا من بينهم وكانوا يضربونا بشدة حتى صعدنا إلى السيارات التي شكّلت موكباً مرعباً في شوارع دمشق".
*سجناء داخل الوطن
اعتقل "عدنان مقداد " لمدة 15 سنة أي من عام 1980 حتى عام 1995 أمضى منها 4 سنوات في سجن القلعة ثم نقل إلى سجن الشيخ حسن الذي كان داخل مقبرة الباب الصغير، وكأنه يوحي بأن سجناءه من الأموات أو في حكم الأموات.
ويردف: "كان كل شيء ممنوعا في هذا السجن الذي لم نكن نعرف سبب تسميته بالشيخ حسن، بدءاً من القلم والورقة ومروراً بالكتاب والجريدة".
لم يكن مسموحاً للمعتقل فيه سوى اصطحاب البطانية و"الصباط" وفراش النوم والثياب التي عليه".
ويروي المعتقل السابق: "بسبب ممنوعات السجن كنت أكتب بعود الثقاب بعد إطفائه على ورقة باكيت الدخان".
ويردف مقداد: "ذات مرة وقعت ورقة من أوراقي بأيدي الأمن فجُن جنونهم وكان سجان برتبة مساعد يدعى "أبو عيد" يشعر بالانزعاج الشديد إذا عرف أن أحد السجناء يقوم بتصرف ما، لا يروق له وفي تلك الحالة كانت عينا "أبو عيد" تنقلب 180 درجة وتصبح عيون وحش كاسر ويتحول إلى جلاد حقيقي لا يرحم".
ويكشف المعتقل السابق: "كان هناك الكثير من المثقفين وكوادر الحزب الشيوعي والنقابات من أمثال الدكتور "فايز الفواز" و"عمر قشاش" و"نقولا الزهر" و"فرحان نيربية" و"سلامة كيلة" و"هيثم المالح" و"سليم خير بك" ووالد "هيثم المناع" المعارض "يوسف العودات"، وغيرهم الكثير.
كان على الشاعر "عدنان مقداد أن ينتظر 12 عاماً من اعتقاله لتوجه له مع رفاقه المعتقلين تهمة جماعية: "تمت محاكمتنا في محكمة أمن الدولة ووجهت لنا (زعزعة ثقة الجماهير والإشاعات الكاذبة ومعاداة أهداف ثورة الثامن من آذار ومحاولة إسقاط النظام وحكمت بموجبها 24 سنة مع الأشغال الشاقة والحرمان من الحقوق المدنية).
بعد الإفراج عن الشاعر"عدنان مقداد" استمر حال البلاد على ما كان عليه فالنشاط السياسي ظل محظوراً، والقمع على أشده ولم يكن هناك مجال للحركة –كما يقول– مضيفاً: "كنا سجناء داخل الوطن بمعنى أن سوريا تحولت إلى سجن كبير والسجان كان حافظ الأسد، وكان أغلب الشعب قد اعتاد الخنوع والتصفيق أو الصمت، لقد استعبد نظام الأسد أهل سوريا لفترة طويلة ولم تلبث مافيا عائلة الأسد -كما يقول- أن "تحكّمت بالشعب وسيطرت على كل مناحي الحياة".
*من السجن إلى الثورة
ورغم تجربة الاعتقال المريرة التي سلخت 15 سنة من عمره استمر "عدنان مقداد" في معارضته للنظام وكان من الناشطين بعد خروجه من المعتقل في عام 1980 وشارك في منتدى الأتاسي وأنجزت محطة الجزيرة عنه فلماً وثائقياً عام 1995".
وبعد انطلاقة الثورة السورية كان من الطبيعي أن ينحاز إليها بكليّته يقول :"بعد اندلاع الثورة كنت من المستهدفين، حيث بدأت الفروع الأمنية بدراسة ملفي وكانت التقارير تلاحقني رغم كل حذري".
ويروي مقداد: "عندما سقط الكثير من الشهداء في القابون وبرزة أنشأت مع مجموعة من الأصدقاء صفحة على النت أطلقنا عليها اسم "مؤسسة شهداء الحرية"، وكان الأصدقاء ينشرون كتاباتي ولم أكن أحرم نفسي من متعة المشاركة في المظاهرات ولكن بسبب مرضي كنت حذراً".
بعد خمسة أشهر أصبح المعتقل مقداد مطلوباً للفروع الأمنية في دمشق حيث تم اقتحام منزله من قبل المخابرات الجوية والشبيحة بعد محاصرة المنطقة من قبل الفرقة الرابعة– كما يقول-
ويضيف:"تسلّلت من "القابون" حيث كنت أقيم، وبقيت متخفياً في "جرمانا" و"الدويلعة"، وبعدها أصرّ أصدقائي على ذهابي إلى الأردن وتم تأمين خروجي، بعد أن وصلت إلى بلدة "النعيمة" حيث ساعدني صديقي الشاعر "خلف زرزور".
والشاعر "عدنان مقداد" حاصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي عمل كمدرس خاص لمادتي اللغة العربية والإنكليزية لديه 8 دواوين شعرية لم يطبع منها سوى كتاب واحد (ليس هناك حد )، ويكتب المقالات السياسية والنقد الأدبي.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية