أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

التلفزيون "العربي" في الزمن الحاجة.. عدنان عبدالرزاق*

من عمق غرفة عمليات "العربي" - زمان الوصل

يبدأ من لندن اليوم، البث التجريبي لـ"تلفزيون العربي" في واقع فضاء عربي ملبد بالخيبة والانكسارات وترددات التلفزات التي ساهمت، كل حسب استراتيجيته وهدف مموليه، بزيادة جرعة اليأس، بعد زخ إخباري موجه خلط من المفاهيم وغيّب من القيم والحقائق، ما يهدد بهزيمة الربيع الأمل، والعذر يتأرجح على الدوام، بين "هكذا يريد الشارع" حيناً، والتمسك بكذبة "الحيادية" بقية الأحايين.

ما يترك سؤالاً وإن سابق لأوان طرحه، قبل رؤية "العربي" ونتاجه وأسلوب تعاطيه مع متلقٍّ يملك كل الخيارات، ومحاولة استشفاف الهم والهدف من تجربة أقل ما يقال عنها إنها مجازفة تستحق القراءة والترقب.

ما الجديد الذي سيقدمه "العربي" للإنسان العربي المنهك، بعد أن أعياه الضخ الإعلامي وحمّله، حتى وزر تمرده على الديكتاتوريات ودولهم الأمنية العميقة، وعاملته بعض الأقنية التي وثق بها يوماً، كزبون يستهلك منتجا، فبالغت بنسبة المخدر في برامجها إلى أن استسلم المتلقي، أو اعتاد المخدر المعرفي السريع، لتكمل تلك التلفزات باستعادة الموتى وإحياء الثورات المضادة، وتقتل باسمه وعبر أبواق تدّعي تمثيله، ربما آخر حلم في استرجاع حقوقه في المواطنة والعيش كإنسان كامل الأهلية والحقوق.

بداية القول: ربما استمرار للخلط الذي نرى، التعاطي مع أي وسيلة إعلامية على أنها أكاديمية ستنشر المعرفة وتعلم الجمهور أو التعاطي بمفهوم الجمعية الخيرية ودار العبادة، لنشر الخير وتقديم النصح، وتجاهل أن المال وثقة الجمهور عبر مشاركته في صياغة الحدث، هما قائمتا الاستمرار، بصرف النظر عمن يقف وراء "العربي" وقدراته على التمويل، وهذا لا يعني البتة، الغرق في استرضاء بعض الشرائح أو استمالة المال التجاري بما يتضارب والهدف من إنشاء الوسيلة، بل هو الإدارة والمهنية، لأنه بتهافت "الإعلان" وتكريس "التفاعلية" مزيد من ثقة المتلقي بالوسيلة، وربما العكس صحيح، خاصة، إن تسربت لقناعاته، عبر حسه العفوي أو نتيجة ما سيتعرض له الوليد الجديد من حملات واستهداف، أن "العربي" ناطق باسم زيد ولا يهتم للتمويل لأن وراءه عمر.

قصارى القول: لعل من الخدع النظرية التي ترسخت لكثرة التداول والمتاجرة، هي الحيادية، بل وأطرب تردادها صناع الإعلام وأباطرته، وكأنها ميزة أو لازمة ضرورية لدى الحديث عن الوسيلة وأدواتها، رغم أنهم يعرفون أن الجمهور يعرف، بأن الحيادية "كذبة إعلامية" ساقها ويسوقها من يسعى للجذب وربما للمتلقي العفوي، إذ لا يمكن لأي مؤسسة أو دولة أو رجل مال، أن يصدر وسيلة إعلامية، فقط لإعلاء كلمة الحق ومرضاة الله، لذا، قد يكون من ميزات "العربي" أن يعلن منذ الافتتاح انحيازه وعدم حياديته.

انحيازه للجمال في واقع استمرار غالبية التلفزات في تسويق القبح وتكريس الثأرية عبر الدم، بعد أن سلعنوا الإنسان وبات رقماً ومقتله عنواناً رئيساً على رأس ساعتهم.

انحيازه للديمقراطية أياً بلغ حجم استهدافها واشتغل المستفيدون على تسويق دعاتها بالمخربين والمتطرفين والمرتبطين، فثمة قوائم عروش تهزها الديمقراطية، كما ترجف من عليها الحرية.

انحياز للشباب الذي يدفع ثمن صمت آبائه ومساهمتهم في تعميق الدول الأمنية وديكتاتورية حكامها، وحق الشباب بالمساهمة برسم ملامح مستقبل يتناسب وأحلامهم.

وانحياز للمرأة والاعتدال في واقع دفع الشباب العربي غصباً نحو التطرف، بعد خيبة الأمل بالمؤسسات الأممية وبالعروبيين والمتأسلمين.

وبالطبع انحياز للقضايا الكبرى التي قتلها الشعارات الزائفة ومتاجرة الحكام بتكرارها، ليضمنوا بقاءهم بالجثوم على صدر الشعوب، فمن فلسطين إلى الجولان إلى السوق العربية المشتركة فالوحدة العربية، قضايا لابد من إحيائها بعد أن وأدها الزعماء وباعوا الشعوب أولاً بسببها ومن ثم قتلهم لطمسها.

وانحياز للمهنية التي تقي "العربي" من الانزلاق، لأن القيّمين عليه يعلمون يقيناً، أن مجد الصحفي ليوم واحد أياً بلغ التألق والسبق، لكن الهنة والخطأ يوسم به الجميع، وربما لسنين، حتى من لا رأي وعلاقة به.

نهاية القول: المواطن العربي يحتاج لأن يقف أمام الكاميرا ويقول بعفوية وألم ما يعانيه، فتحويل المتلقي لمذيع ومقدم ونزول الكاميرا للبيوت المهدمة والمخيمات والأسواق، هي بعض ما يترقبه الجمهور، فماذا لو أضاف "العربي" البعض الآخر وأتى بمن يشبه المتلقي، ليقول ويعبر عن هواجسه وتطلعاته، وأبعد طرائق التعبئة والتحقين المباشرين أو التخدير والتنظير المملين، فوقتها سيكون أمام الشباب العرب وشيبها، وسيلة تمثلهم في واقع زحمة التلفزات التي تمثل عليهم.

*من كتاب "زمان الوصل"
(171)    هل أعجبتك المقالة (189)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي