تاه السوريون، إلا من رحم ربي، عن جادة الثورة وحقوق الجوعى، وغرقوا في تفاصيل ولدت من رحم اختلافاتهم بعد جرهم لمستنقعات الأنا والنفعية عبر أفخاخ من الإغراء والتبعية، غدا الرجوع عنها، أمنية أقرب للمستحيل، في واقع استئثار فرسان الأمس بأقدار الحاضر ورسم ملامح المستقبل، وعلى طريقتهم في التشكي وعرض آثار وندوب السجن، لكسب الاستعطاف حيناً وحصد غلة النضال، بقية الأحايين.
ما ينذر، أن أملا يلوح بأفق سوريا المستقبل، أياً بلغت أماني الحالمين ووصلت تحريضات المجنسين في بلاد الأحلام، أنهم سيقاتلون إلى آخر سوري.
ثمة مثالان، ربما في التعاطي السوري معهما، دليل على التخبط الذي يلف الجميع، وانعكاس لحالة اليأس التي بلغت مداها تمهيداً لقبول أي خلاص، من قبيل التقسيم أو حتى مرحلة انتقالية بشروط بشار الأسد.
المثال الأول قتل المرأة الزانية في ريف إدلب وما حمل القتل برصاصة بالرأس لا الرجم بالحجارة، من أدلة ورسائل، زادت من حالة التغييب، بين فسطاطي المعارضة، الداعين لتطبيق شرع الله الذين يرون في الدولة الإسلامية حلاً، بعد أن اختبروا ماعداه من حلول من جهة، وبين دعاة الدولة المدنية التعددية لأنها الحل الذي يضمن بقاء سوريا بأطيافها واختلافاتهم، من جهة أخرى.
والثاني، مؤتمر موسكو للحوار لا للتفاوض، بين المعارضة والمعارضة ومن ثم مع النظام، لينبش ما تبقى من خلاف بين من صمت من المعارضة عن إدلاء الرأي بقتل المرأة الزانية، رغم ما يرشح من شبه توافق على عدم الحضور، المبني على اعتبارات منطقية انفعالية، أكثر من انطلاقه -عدم الحضور– من أسباب ومبررات سياسية.
الآن، ماهو الرابط بين مثالين، قد يبدو الأول من الشرق والثاني من الغرب؟!
أعقد أن طرح سؤال لماذا، يسهّل الإجابة على المطالبين بصلة بين الزنا ومساعي روسيا الاتحادية، فلو سألنا وبشيء من الهدوء، لماذا قتلت جبهة النصرة امرأة في عقدها الخامس عقاباً على ارتكابها إثم فاحشة الزنا، وأي الحلول أقرب للمنطق وتعاليم الإسلام، هل الستر عليها وتركها لتعيل أولادها التي استغاثت قبيل قتلها لرؤيتهم أم قتلها على الملأ ليحمل الأولاد ذل فضيحة أمهم مدى الحياة، إضافة لحملهم متاعب الحياة بعد اليتم والحرمان.
هذا إن لم ندخل في جدليات مع من زنت ولماذا لم يحاسب الجاني أو الزاني، أو نبحث في أسباب الزنا ومدى ضغط الحاجة والخبز، لطالما شاهدنا القتيلة التي لا تحمل أي ملامح الإغراء والغنج ليدفع الفحول ليزنوا معها أو بها.
وأيضاً، لماذا تصمم موسكو على عقد مؤتمرها القاتل لمرجعية جنيف والقرار الأممي، حتى بمن حضر، ولماذا تصمت واشنطن على محاولات روسيا بوتين للظهور ثانية كقطب ومالك لحل أكثر قضايا العالم الراهن تشابكاً وتعقيداً.
أعتقد الإجابة تختصر في "نحن ها".
فجبهة النصرة التي طبقت، حسب مرجعية قادتها وأهدافهم، شرع الله وعلى طريقتها، تريد القول إني هنا في مدن الشمال، وأني أحكم بما أراه أنا صحيحاً، ومن لا يمتثل، فالقتل في المرصاد، وأي كعكة أغيب عن اقتسامها، مصيرها الحرق أو التفتت، وهاهي قواعدي الشعبية ومساحاتي الجغرافية تتوسع بعد أن حققت ما عجز عنه الثوار عبر سنوات، إن في تحرير وادي الضيف والحامدية، أو في تطبيق سنة السلف الصالح وإن بحد السكين وفوهة المسدس.
وموسكو كذلك، تقول أنا هنا، ولدي من الضغوط والديون على نظام الأسد، ما يبقيني على قيد القرار، مهما انخفضت أسعار النفط وبلغت نيران الاحتقان في الشوارع المتجمدة، وكل ما يطبخ على نيران الخليج وأوروبا وواشنطن، غير صالح للاستهلاك والتطبيق، فالذي يُحل بفرضنا على الأسد رفضه نفعل، وما يستعصي فلدينا الفيتو.
قصارى القول: أين كل من ورط السوريين وحرفهم عبر ماله ووعوده عن سكة ثورتهم الصوفية، وما مبرر الصمت الدولي والعربي عموماً ومباركة جون كيري لخطوة موسكو على وجه التحديد.
أعتقد أن طول عمر الثورة وزيادة الأعباء، وعلى الصعد جميعها، أثر على حرارة الداعمين، حتى على مستوى التصريحات، حيث لم نسمع حتى إدانة لما يجري في سوريا من قتل، رغم سبق جرائم الأسد وطرائق تنفيذها على مر الحروب والأزمان، فأن تموت طفلة بين يدي والدها غرقاً أو تموت أسرة بأكملها برداً، بعد الموت الجماعي عبر البراميل والكيماوي، فهذا يكفي لإسقاط كواكب مجرة، لا نظام يترنح من عيار الهواة والبائعين في دمشق.
غير متناسين التبدل القصدي في الحالة السورية، الذي حولها من ثورة إلى حرب أهلية ليوقعها أخيراً في فخ الحرب على الإرهاب، ليغدو كل مناصر لها، مع الإرهاب وضد حرية الرأي والمعتقد...ولنا في فزاعة شارلي ايبدو مثالاً لن يكون الأخير.
أما عن موقف واشنطن من عودة موسكو للواجهة، فليس من استغراب بالأمر لكل مطلع على السياسة الأمريكية، فهل يعقل لواشنطن أن ترفض من يحمل عنها عبئاً ويدعها تتفرغ لما هو أهم، اللهم إن نجح، وإن لم ينجح يكون قد زاد وبما اقترفت يديه، من مساحة السواد في مستقبل موسكو المنهكة مالياً...بل وإن نجح ولم ترض النتائج واشنطن، فما أسهل إفشاله لطالما الخيوط بيد الولايات المتحدة، وفي يدها الأرض والخليج والمعارضة المعتدلة التي تحضرها للمرحلة المقبلة.
نهاية القول: أين العقلاء في المعارضة من كل ما يجري، ليقوموا بأفعال غير متوقعة، تلفت أنظار العابثين بمصير السوريين، ويعيدوا النظر بدافع وطني وجداني، لا ثأري أو نفعي، بتاريخ يكتب الآن وجغرافيا يحضر لتفتيتها.
أفعال مختلفة من قبيل وقف الغرباء في المناطق المحررة عند حد يتناسب ودين أهل الشام السمح وإبعاد أهلنا عن حالات تطبيع قد تتحول مع التراكم والزمن إلى طبع، أفعال صادمة منطلقها سياسي تقول نعم لموسكو ولأي حل يوقف الدم، على الإعلام كأضعف الإيمان، والتعاطي خلال المؤتمر بما هو على الأرض دون زيادة، وكسب موقف كالذهاب لجنيف2 بدل الغياب وترك الساحة للآخر يعيث فيها قتلا وفسادا.
الجميع يحاول القول "أنا هنا" إلا المعارضة بأطيافها السياسية والعسكرية وحتى النخب الثقافية، تسعى عارية لتقول أنا مع من.
*من كتاب "زمان الوصل"
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية