يتضمن هذا الملف 7 اجزاء نشرتها "زمان الوصل" بفترات متفاوتة جمعت في صفحة واحدة
تنوه "زمان الوصل" أن المصطلحات المستخدمة هي تعابير مجردة، مع احترامها لكل الطوائف والأديان
الجزء الأول
تعمل "زمان الوصل" على مشروع لرصد الحركات الإسلامية المدنية والعسكرية... باختلاف طوائفها..
• الشيعة في سوريا لا يتجاوزون 1% من السكان، وقرابة نصفهم يتركزون في طرطوس.
• لم يخرج النظام عن دائرته الطائفية عندما قرر كسر احتكار العلويين لوزارة الإعلام؛ ما يعزز الشكوك حول "تشيع" الوزير الحالي.
طيلة عقود من حكم عائلة الأسد، كان النصيريون - الأسم التاريخي - (المعروفون بالعلويين) هم الظاهرون في واجهة السيطرة على مفاصل الدولة العسكرية والأمنية، وحتى بعض المفاصل المدنية، ولم يكن تعرّف السوريين على العلويين بالأمر الصعب، فالعلويون لم يكونوا يجهدون في إخفاء أنفسهم، سواء عبر احتفاظهم بلهجتهم المميزة، أو من خلال طريقة تعاطيهم مع الأشياء والأشخاص من حولهم، خلافا للشيعة (المتاولة) الذين لم يكن لهم أي حضور معلن، وكانوا أشد حرصا على "التخفي"، والتغلغل في أوساط المجتمع، دون أن يعرف كثير من السوريين عن هؤلاء أنهم شيعة، رغم أن بعضهم وصل إلى مواقع حساسة في الدولة والمجتمع وعالم المال!
ولكن وبعيد اندلاع الثورة السورية، مزق الشيعة في سوريا معظم إن لم يكن كل حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!
وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لهذه الدراسة التي دونت بالإنجليزية، محاولة استخراج أهم ما فيها وتقديمه للقراء.
الدراسة والدارس
الدراسة المعنونة بـ"دور الشيعة في سوريا" نشرت خلال حزيران 2009، في دورية "كرنت تريندس" (اتجاهات معاصرة)، التي يصدرها واحد من أعرق المعاهد البحثية الأمريكية (هدسون إنستتيوت)، وهي تعد بحثا نادرا إلى حد ما، كونه بحثا ميدانيا يستند إلى معطيات حديثة أولا، وثانيا كونه مكتوب بقلم واحد من أبرز الأكاديميين، الذين نذروا جل بحوثهم للتعمق في واقع الشيعة والمتشيعين، عقائديا واجتماعيا وأدبيا، حتى غدا واحدا من المراجع الدولية المعتمدة في هذا الباب، ألا وهو الباحث الفلسطيني خالد سنداوي.
ويعد البروفسور سنداوي من أكثر الباحثين المعاصرين غزارة وتعمقا في قضايا الشيعة التشيع، وله مؤلفات ودراسات عدة في هذا الباب، لعل أهمها: "معجم مصطلحات الشيعة"، "وفاة فاطمة الزهراء عليها السلام"، "من شعراء الشيعة في جبل عامل" (دراسة وتحقيق وشرح)، "ظاهرة التشيع في السودان"، و"دور الشيعة في سوريا".
وسنداوي، هو باحث أكاديمي نادر التخصص، من مواليد قرية الجشّ في الجليل الأعلى بفلسطين المحتلة، له ما يزيد عن 60 دراسة ومقالا نشرها في مجلات عالمية محكّمة، و10 كتب صدرت عن دور نشر عالمية.
ترقّى سنداوي في تعليمه الجامعي، حتى حصل على شهادة الدكتوراه عام 2000 عن أطروحته "مقتل الحسين بن علي في الأدب الشيعي".
وحرصا منها على تقديم هذه الدراسة في إطار متوائم مع أساسيات الإعلام الإلكتروني الذي يبتعد عن الإطالة، مع عدم تفويت أي معلومة مهمة، فإن "زمان الوصل" ستعرض أهم المقتطفات التي جاءت في الدراسة، على شكل حلقات مسلسلة.. وإليكم الحلقة الأولى.
تشجيع النظام أولاً
يقول "سنداوي" في بداية دراسته إنه "لم يكن في سوريا أبدا نسبة كبيرة من السكان الشيعة، ولكن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في حالات التحول إلى المذهب الشيعي". مشيرا إلى أن "القرب الجغرافي لسوريا من إيران أدى بدرجة معينة لنفوذ إيراني، زاد مع وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 2000، بعد وفاة والده حافظ".
ويتابع: "تشجيع النظام في سوريا لنشاط التشيع الإيراني، قد يكون السبب الرئيس لزيادة التشيع، ولكنه ليس السبب الوحيد"؛ ذاكرا عوامل مساعدة أدت إلى التمدد الشيعي في سوريا، ومنها: وجود سكان شيعة سوريين، قوة الإعلام الشيعي، ما سماه حزب الله "انتصارا" في حرب لبنان عام 2006، الإغراءات الاقتصادية والتعليمية، هيمنة الطائفة العلوية.
ويؤكد سنداوي أن تقرير الحريات الدينية الدولية لعام 2006، الذي تنشره وزارة الخارجية الأميركية، أشار إلى أن الأقليات العلوية والإسماعيلية والشيعية وغيرها يشكلون 13 في المئة من سكان سوريا، أي حوالي 2.2 مليون شخص من مجموع السكان البالغ عددهم 18 مليون نسمة.
وهناك تقرير آخر بعنوان "الطوائف الدينية والمذاهب والمجموعات العرقية" نشر في 2005، من قبل مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في القاهرة، يقول إن الشيعة يشكلون 1 في المئة من سكان سوريا، بينما يشكل العلويون بين 8 و9 في المئة.
وتوضح الدراسة أن سوريا تؤوي علاوة على شيعتها الأصليين، جالية من المهاجرين الإيرانيين الشيعة الذين يقيمون بصورة رئيسة في دمشق، فضلاً على عدد كبير من الشيعة العراقيين الذين فروا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن، وتكاثروا بشكل أكبر مع وصول دفعات جديدة من الشيعة العراقيين في أعقاب غزو العراق عام 2003.
"دخل الله" شيعي
يقول سنداوي إن الشيعة يعيشون في معظم المحافظات السورية، لكن تركزهم الأكبر في طرطوس، وهي المحافظة التي تضم 44 في المئة من شيعة سوريا.
وينوه سنداوي بشخصيات مهمة قد لايعرف كثير من السوريين انتماءها الطائفي، مؤكدا أن "بعض الشيعة وصل إلى مناصب رفيعة في سوريا، بينهم مهدي دخل الله، وزير الإعلام الأسبق، وصائب نحاس، رجل الأعمال البارز"، معددا طائفة من العائلات الشيعية الأكثر شهرة في سوريا، وهي: نظام، مرتضى، بيضون، الروماني (ومنهم الممثل الشهير هاني الروماني).
وتنوه "زمان الوصل" بأن تعيين "دخل الله" الشيعي كان كسرا لاحتكار أعطى النظام بموجبه النصريين منصب وزير الإعلام عدة عقود؛ ما يعني أن هذا النظام لم يخرج من دائرته الطائفية إلا قليلا عندما عيّن "دخل الله" على رأس هذا القطاع، وهو ما يعزز الشكوك والأقاويل التي تثار حول تشيع وزير إعلام النظام الحالي "عمران الزعبي"، وإلا لما كان مؤهلا لتسلم هذا المنصب بالذات، ولا يبدو هذا مستبعدا، لاسيما في ظل ما كشفته تحقيقات رسمية بمقتل "محمد ضرار جمو"، حيث تبين من شهادة زوجته أن "جمو" الذي يعد من رجال النظام البارزين، قد تحول إلى المذهب الشيعي، خلافا لما كان يعتقده الكثيرون من أنه سنّي.
وحول تبعية شيعة سوريا الدينية، تقول الدراسة إنهم لا يتبعون مرجعا واحدا، فالبعض يتبعون "علي السيستاني" في النجف بالعراق. وآخرون يتبعون "علي خامنئي"، المرشد الإيراني، وآخرون (كانوا) يتبعون محمد حسين فضل الله في لبنان، الذي كان على قيد الحياة وقت نشر الدراسة.
وتحت عنوان "العامل العلوي"، يتساءل سنداوي عن تفسير المعاملة التفضيلية التي يحظى بها الشيعة في سوريا، ليجيب إن الوضع الإيجابي للشيعة كان موجوداً حتى قبل مجيء بشار الأسد، الذي تقارب بشكل كبير مع إيران وشجع نشاطها التشييعي العلني.
ويعود سنداوي إلى الورءا قليلا، ليقول إن "حزب البعث الحاكم كان يدرك دائما موقفه المقلقل، ومن هنا كانت النخبة العلوية المهيمنة على الحزب تحاول أن تحافظ على التوازن بين ادعائها انتماء العلويين إلى المذهب الشيعي الإثنى عشري المعترف به، وبين ضرورة الإبقاء على هويتهم الحقيقة والحؤول دون فقدان الطابع العلوي العرقي والثقافي، الذي يتضمن عقائد وممارسات مذهبهم السرية".
وواصل سنداوي: لذا انتهج حزب البعث سياسات تهدف إلى إضفاء الشرعية على العقيدة العلوية، التي لعبت دورا بارزا في صياغة سياسة الحكومة السورية تجاه الشيعة، وكان أحد أبرز نتائج هيمنة العلويين السياسية، هو إيلاء دمشق اهتماما شديدا بعلاقاتها مع وإيران ولبنان، حيث كانت العلاقات مع الأخيرة تتعزز بفضل العلاقات الشخصية لأركان نظام الأسد مع زعماء لبنان الشيعة.

الجزء 2
التشيع ينذر بانقراض العلويين في سوريا خلال ربع قرن
• نسبة إجمالي المتشيعين بين السنة لاتتخطى 2%، وهي نسبة ضئيلة جدا، وغير مستهجنة.
• الغالبية العظمى من المتشيعين في صفوف العلويين، هم من الطلاب أو العاطلين عن العمل.
• في حلب وحدها، نسبة 88 في المئة من السنة المتشيعين، يتحدرون من عائلات ذات أصل شيعي.
بعيد اندلاع الثورة السورية، وبعد طول تستر وتخف، مزق الشيعة في سوريا معظم حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!
وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لدراسة ميدانية حول "دور الشيعة في سوريا" نشرها بالإنجليزية الباحث الأكاديمي المرموق خالد سنداوي.
وإليكم الجزء الثاني من السلسلة التي تعرض فيها "زمان الوصل" لأهم نقاط هذه الدراسة:
يقول الدكتور سنداوي: في دراسة ميدانية ممولة من الاتحاد الأوروبي تم إجراؤها خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2006، تكشفت بيانات مفيدة عن المشهد الديني في سوريا، فقد تم التوصل إلى نسب المتحولين إلى المذهب الشيعي، سواء من المذهب النصيري (العلوي)، أو من أهل السنة.
متحولون عادوا لأصولهم!
ووفقاً لهذه الدراسة، فإن توزع المتشيعين بين العلويين في مختلف المحافظات، هو على النحو التالي: طرطوس (44 في المئة)، اللاذقية (26 في المئة)، حمص (14 في المئة)، حماة ودمشق (16 في المئة).. أي إن نسبة 44% من المتحولين عن النصيرية إلى التشيع يتركزون في محافظة طرطوس، و26% في حمص.. وهكذا.
أما توزع المتشيعين بين السنة، فهو على النحو التالي: حلب (46) في المئة، دمشق (23 في المئة، حمص (22 في المئة)، حماة 5( في المئة)، إدلب (4 في المئة).. أي إن نسبة 46% من المتشيعين بين السنة يتركزون في محافظة حلب، و23% في دمشق.. وهكذا.
لكن المثير للاستغراب أن سنداوي ينسب للدراسة الأوروبية الميدانية أن معدلات التشيع في محافظات القنيطرة، دير الزور، والرقة، هي معدلات ضئيلة إلى درجة لاتستحق الذكر، وهذا خلافا لما أشيع قبل سنوات عن توسع نشاط التشيع في دير الزور والرقة على وجه الخصوص!
وبحسب الدراسة، فإن نسب المتشيعين بين الإسماعيليين، تتوزع على النحو التالي: حماة (51 في المئة)، طرطوس (43 في المئة)، حلب (3 في المئة)، دمشق (2 في المئة)، إدلب (1 في المئة).. أي إن 51% من الإسماعيليين الذي تحولوا للشيعة يتمركزون في حماة، و43% في طرطوس.. وهكذا.
ويخلص سنداوي للقول إن نسبة إجمالي المتحولين من السنة إلى التشيع في عموم سوريا لاتتخطى 2%، وهي نسبة ضئيلة جدا وغير مستهجنة، لاسيما إذا علمنا أن نحو 7 في المئة من المسلمين السنة الذين تحولوا في منطقة دمشق، ينتمون إلى أسر سورية كانت في الأصل شيعية ولكنهم تحولوا إلى سنة مع مرور الزمن، مثل عائلات: العطار، قصاب حسن، لحام، بختيار، إختيار. أما في حلب، فنسبة 88 في المئة من السنة المتشيعين كانوا أيضا من عائلات ذات أصل شيعي.
الأسباب "الارتزاقية" نادرة
ووفقا لدراسة الاتحاد الأوروبي، فإن من تشيعوا من السنة لا يمكن أن يعزى تشيعهم لأسباب اجتماعية أو اقتصادية قياسية؛ ففي دمشق، مثلا، 64.4 في المئة من المتشيعين ينتمون إلى أسر ذات مداخيل متوسطة أو مرتفعة، من فئة التجار والمهنيين.الغالبية العظمى منهم (69%) حاصلة على مستوى تعليمي لايقل عن شهادة الثانوية.
وفي حلب، أيضاً، وُجد أن 61 في المئة من المتشيعين، يتحدرون من طبقات متوسطة أو عليا.
وبين الفقراء، هناك 39 في المئة من المتشيعين ينتمون إلى عائلات ذات أصل شيعي (أي إنهم "جددوا" انتماءهم الشيعي)؛ ولذلك فإن تشيعهم له أساس ديني.
أما نسبة المتشيعين من السنة، لدواع مالية (في جميع المحافظات التي شملتها الدراسة)، فإنها لم تتجاوز 3 في المئة.
وينقل سنداوي أن الدراسة الميدانية، أثبتت أن التشيع نادراً ما حدث لأسباب "ارتزاقية"، باستثناء عدد قليل من المتحولين السنة، وخاصة بعض طلبة الجامعات، الذين قالوا إنهم غير متدينين على الإطلاق، ولكنهم قرروا التشيع "من أجل الحصول على ما يكفي من المال لإنهاء دراستهم أو للزواج، مع تأكيدهم أن أياً من المذهبين السني والشيعي لا يعنيان لهم شيئا".
كما وجدت الدراسة نسبة ضئيلة من المتشيعين السنة، الذين ادعوا أنهم تشيعوا بعد حرب لبنان عام 2006، وذلك "بدافع الحب لحزب الله وحسن نصر الله".
أما فيما يخص تشيع النصيريين في المحافظات السورية التي شملتها الدراسة، فعلى خلاف السنة المتشيعين، كانت الغالبية العظمى (حوالي 76%) من الطلاب أو العاطلين عن العمل.
كما تشيع بعض العلويين الذي يخدمون في القطاع العسكري، وفقا لشهادة رجل دين علوي من طرطوس، تبدو شهادته مهمة؛ نظرا لصعوبة الحصول على معلومات تخص العسكريين.
أما الأغلبية الساحقة (84%) من المتشيعين في صفوف الإسماعيليين، فهي تتحدر من أسر من الطبقة الوسطى أو العليا.
استنتاجات
ويعرض سنداوي خلاصة ما توصلت إليه الدراسة الميدانية الممولة أوروبيا، وهي تتمثل في 4 استنتاجات تخص التشيع في سوريا، معتبرا أن الاستنتاج الرابع والأخير على وجه الخصوص قد يكون مقلقا للنظام الحاكم الذي يهيمن عليه العلويون:
1- معظم حالات التشيع، في الماضي وكذلك في الحاضر، تحدث بين الطوائف التي لها جذور شيعية تقليدية (إسماعيليون، علويون)، وليس بين السنة.
2- انخفاض معدل التشيع بين السنة يشير إلى غياب أي نشاط تبشيري (تشييعي) في صفوفهم، لاسيما إذا ما أخذنا بالحسبان أن بعض المتشيعين من السنة ينتمون في حقيقتهم أسر ذات أصول شيعية، اختارت "التسنن" مع مرور الوقت، لسبب أو لآخر.
وعند هذا الاستنتاج الثاني، تتوقف "زمان الوصل"، لتذكّر بأنه استنتاج لا يعكس الواقع تماما، لأن تفسير انخفاض نسبة المتشيعين بين السنة بأنه ناجم عن انعدام نشاط التشييع في صفوفهم، يبدو تفسيرا ظاهريا وربما سطحيا، ويمكن أن يرد عليه بالقول إن قناعة السنة بدينهم وقرآنهم وسنة نبيهم متجذرة في قلوبهم، إلى درجة يصعب معها تحويلهم إلى دين أو مذهب آخر، أيا تكن الإغراءات أو الضغوط، وهذا ما أقرت به الدراسة نفسها، حين نفت عن غالبية المتشيعين في صفوف السنة صفة الفقر، ونسبت تشيع فئة عريضة منهم إما لانتمائهم إلى عائلات ذات جذور شيعية، وإما إلى "عدم تدينهم" أصلا.
وهكذا فإن هذا الاستنتاج الذي خلصت إليه الدراسة، يناقض ما حوته الدراسة نفسها من نسب وأرقام، عدا عن أنه يناقض شهادات سبق أن وردت في وثائق سرية من "ويكليكس"، تولت "زمان الوصل" ترجمة إحداها ونشرها في ملف "ويكليكس سوريا" ضمن الموقع، وهي البرقية السرية المؤرخة في 20 شباط/فبراير 2007، والمعنونة بـ"كفتارو يفضح حسون وتواطؤه مع بشار لإسكات السنة، ومنع انتقاد التشييع الإيراني" ، وهذا رابطها لمن أراد الاستزادة، لضيق المجال عن تفصيلها..
اضغط هنا
اضغط هنا
أما ثالث الاستنتاجات فهو: نسبة التشيع لتحقيق مكاسب اقتصادية أو مالية منخفضة جدا؛ لدرجة أن فكرة "التشيع لأسباب نفعية" يمكن استبعادها كنمط سائد. وهنا يعلق سنداوي بين قوسين: "ولكن يبدو أن هذا الاستنتاج لا يعكس واقع كل الذين تشيعوا في سوريا، حيث تشير دراسات موثقة أخرى إلى أن نسبة كبيرة، من المتشيعين الجدد في سوريا إنما تشيعوا لأسباب مالية".
الاستنتاج الرابع والأخير، الذي يجب أن يقلق النظام العلوي، هو أنه إذا استمر المعدل الحالي للتشيع بين الإسماعيليين والعلويين في سوريا على حاله دون تراجع، فإن الإسماعليين سينقرضون في سوريا في غضون 10 سنوات، والعلويون خلال 25 سنة.
وهنا تعلق "زمان الوصل" بالقول: مضى على الدراسة التي تنبأت بانقراض العلويين في سوريا خلال 25 سنة 7 سنوات، ما يعني أن المدة المتبقية حسب الدراسة لا تزيد عن 18 عاما، علما أن الدراسة ربطت هذا الانقراض ببقاء التشيع على معدلاته، فكيف إذا عرفنا أن حضور الشيعة تعزز في سوريا بشكل لم يسبق له مثيل، بعيد اندلاع الثورة قبل حوالي 3 سنوات، حيث تدفقت آلاف مؤلفة من غلاة الشيعة والمتشيعين المسلحين (إيرانيين وعراقيين ولبنانيين وباكستانيين وأفغان، بل وحتى أفارقة).. كلهم تدفقوا على سوريا لمساعدة نظام بشار، فباتت لهم اليد الطولى في أي تقدم أو اختراق يحرزه هذا النظام، الذي كان متهاويا لولا أن تداركته هذه المليشيات، وهو ما أكدته شهادات مرتزقة عراقيين، تفاخروا بأنهم يقفون في الصفوف الأولى لأي معركة، بينما يقتصر دور جنود النظام "الخائفين" على القصف بالمدفعية والصواريخ من بعيد، وعلى الاستعراض بالطيران!
لاشك أن مثل هذا الحضور الشيعي المكثف والمسلح، من شأنه تقليص الحضور العلوي، والتسريع بـ"انقراض العلويين"، عبر إقناع مزيد من علويي سوريا للالتحاق بصفوف المتشيعين، إن لم يكن "إعجابا وتقديرا" بما يقدمه الشيعة من "خدمات"، فعلى الأقل ليضمن العلويون المتشيعون حمايتهم من أي تداعيات مستقبلية بعد سقوط النظام الطائفي، لاسيما أن إيران الصاعدة كقوة كبرى في الإقليم، تنصب نفسها بوصفها "حامية حمى الشيعة" في العالم كله، وهي تخضع علاقاتها (توترا أو تقاربا) مع دول المنطقة إلى مقياس وضع الشيعة داخل هذه الدول!

الجزء 3
كيف مهّد النظام الأرض للشيعة بالفقر، ثم بالمدفعية؟
• بنى جميل الأسد حسينيات في جبال الساحل، ولم يكن هناك من قبل سوى أضرحة علوية.
• قام عدد من شيوخ وزعماء القبائل والعشائر في سوريا بزيارة إيران، وعادوا محملين بالهدايا، وجيوبهم تزخر بالمال!
• "وهابي".. كانت تهمة كل من كان يعارض التشيع وتمدد إيران، وهي نفس التهمة الموجهة للشعب الذي نادى بالحرية لاحقا في 2011.
بعيد اندلاع الثورة السورية، وبعد طول تستر وتخف، مزق الشيعة في سوريا معظم حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!
وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لدراسة ميدانية حول "دور الشيعة في سوريا" نشرها بالإنجليزية الباحث الأكاديمي المرموق خالد سنداوي.
وإليكم الجزء الثالث من السلسلة، التي تعرض فيها "زمان الوصل" لأهم نقاط هذه الدراسة:
"المرتضى"
يقول الدكتور سنداوي: أول وأبرز عالم شيعي في التاريخ الحديث عمل على نشر التشيع في سوريا كان عبد الرحمن خير (ولد 1925)، ولكن التشيع لم يتخذ منحى واسعا إلا مع جميل الأسد، شقيق حافظ الأسد، الذي بدأ (أي جميل) تكثيف نشاطه في هذا الملف خلال ثمانينات القرن الفائت.
ويمكن ردّ بدايات الاتجاه إلى التشيع إلى زيارة موسى الصدر في عام 1974، التي جمعته بـ"شيوخ" الطائفة العلوية في جبال اللاذقية، وقد سبقه "آية الله الشيرازي"، الذي أصدر فتواه الشهيرة بأن أهل تلك المنطقة ينتمون إلى الشيعة الإثني عشرية.
بدأ جميل الأسد بتشجيع التشيع في الساحل السوري، وبخاصة بين النصيريين، فابتعث مجموعات من هؤلاء إلى إيران لدراسة المذهب الإثني عشري، وبعد عودتهم إلى سوريا نشروا العقيدة الشيعية بين زملائهم وإخوانهم من النصيريين.
وبنى جميل الأسد حسينيات في جبال الساحل، بينما لم يكن هناك من قبل سوى أضرحة علوية، ومن أجل جعل التشيع أكثر قبولاً لدى الناس في المنطقة، عيّن شيخا شيعيا في موقع إمام لمسجد الزهراء العلوي في مدينة بانياس الساحلية.
وبعد وصول حافظ الأسد إلى السلطة في عام 1970، عمل على أن يقوم شقيقه جميل بتأسيس جمعية "المرتضى"، وافتتاح فروع لها في جميع أنحاء سوريا، وقد دفع حافظ باتجاه إنشاء جمعية "المرتضى" الطائفية، أملا في إظهار أن العلويين ينتمون إلى الدائرة الأوسع من الشيعة، وليسوا أقلية.
وبعد بعض التمحيص، طلب حافظ الأسد من عالم الدين الشيعي "محمد حسين فضل الله" العمل في سوريا، فافتتح "فضل الله" مكتباً في حي السيدة زينب قرب دمشق، وبدأ التلفزيون السوري لاحقا ببث برامج للواعظ الشيعي العراقي عبد الحميد المهاجر.
ويتابع سنداوي: بعد وصول بشار الأسد إلى السلطة عام 2000، تضاءل تأثير "فضل الله" إلى حد ما، وحلّت مكانه السفارة الإيرانية، وملحقيتها الثقافية في حلب، وبدأ نفوذ إيران ونشاطها في حقل التشيع يتصاعد، وتم إطلاق حملات بين السنة العاديين لتشجيعهم على اعتناق المذهب الشيعي.
وهناك من اتهم مفتي سوريا أحمد حسون بأنه تحول سرا إلى المذهب الشيعي. وقد تعززت هذا الاتهامات في أعقاب خطبة لـ"حسون" ألقاها في 2008 بمناسبة "يوم عاشوراء"، وفي تلك الخطبة تلفظ "حسون" بالعديد من العبارات المتعاطفة مع عقيدة الشيعة، وذهب إلى اتهام كل الخلفاء المسلمين من معاوية فصاعدا بالكفر، مشيرا إلى أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان حجة الله على خلقه، وأن وجود عترة النبي صلى الله عليه وسلم يكفل العدالة والسلام في العالم.
نعم للإيرانيين، لا للأكراد
ويتابع سنداوي: جرت تحت حكم بشار الأسد الكثير من التغييرات في الإعلام الرسمي، وانعكست في برامج القنوات التلفزيونية المحلية والفضائية ومحطات الإذاعة المتاحة في سوريا، حيث كان التلفزيون السوري الرسمي يقدم أسبوعيا (على الأقل) برنامجا لمدة ساعة للواعظ الشيعي عبد الحميد المهاجر، كما يبث برنامجا مشابها للعراقي عبد الزهراء، وبخاصة خلال شهر رمضان، حيث يتلو بعض الآيات القرآنية، ويلي ذلك أناشيد في مديح أهل البيت.
كما شجع نظام بشار على ظهور شيوخ موالين لإيران في وسائل الإعلام على حساب رجال الدين السنة، بينما استخدم رجال الدين الشيعة وسائل الإعلام السورية الرسمية لنشر أفكار ذات محتوى جدلي يثير الخلاف بين السنة والشيعة، (مثل موقفهم تجاه صحابة النبي صلى الله عليه وسلم). وقد أدت المواقف التي اتخذها رجال الشيعة لردود فعل حادة جدا، وخصوصا في دمشق، وأيضا في مناطق أخرى مثل حلب وضواحيها.
وتشير تقارير إلى أن هناك اليوم (وقت نشر الدراسة) أكثر من 500 حسينية قيد الإنشاء في سوريا. ووفقا لمصادر أخرى، فإن هذا الرقم يشمل دمشق فقط، وليس سوريا كلها.
وبموازاة كل ماسبق، فإن نظام بشار منح الجنسية لآلاف الشيعة الإيرانيين، والشيعة العراقيين الموالين لإيران. ووفقا لبعض المصادر، فقد منحت الجنسية السورية لـ20 ألف إيراني، ولكن هناك من شكك بهذا الرقم من علماء السنة السوريين.
وبينما منح نظام بشار الجنسية السورية لآلاف الإيرانيين، فقد رفض منحها للمواطنين الأكراد السوريين، رغم مرور 40 عاماً على مطالبتهم بها.
ويواصل سنداوي مستعرضا التغلغل الإيراني الشيعي في أوساط الدولة والمجتمع بسوريا قائلا: يحضر كبار المسؤولين السوريين والإيرانيين مختلف الاحتفالات التي تنظمها السفارة الإيرانية بدمشق، مثل الأعياد الوطنية الإيرانية، والذكرى السنوية للثورة الإيرانية، والأعياد الدينية، مثل يوم استشهاد الحسين في عاشوراء.
ويتلقى رؤساء القبائل وكذلك عدد من أعيان آخرين في سوريا، وبخاصة في منطقة الرقة، دعوات من قبل السفير الإيراني لزيارة إيران مجانا، كما تشمل الدعوات أساتذة الشريعة السُنة في المعاهد وكليات الشريعة.
وينقل سنداوي أن عددا من شيوخ وزعماء القبائل والعشائر في سوريا زاروا إيران بالفعل، وعادوا محمَّلين بالهدايا، وجيوبهم تفيض بالمال!
ورأى سنداوي أن الإغراءات المالية تؤدي دورا ملحوظا في ترويج التشيع الإيراني، فالفقراء على سبيل المثال يتم إعطاؤهم القروض باسم التضامن الإسلامي، وفي نهاية المطاف يقال لهم إنه لا داعي لإعادتها، وعلى نحو مشابه يتم توفير الرعاية الطبية المجانية في المستشفيات "الخيرية" الإيرانية في سوريا، مثل مستشفى الإمام الخميني في ضواحي دمشق.
أنت معارض إذن أنت وهابي!
ويقول سنداوي: يقدم شيوخ الشيعة السوريون والإيرانيون في بعض الأحيان المال للناس، أو يعرضون مساعدتهم في المعاملات التجارية أو الرسمية.
وهنا، ومن خلال التجربة الواقعية والمعاشة لمعد هذه السلسلة، تنوه "زمان الوصل" بما كان عليه نشاط العالم الشيعي اللبناني "حسن فضل الله" في دمشق، حيث كان يفتح مكتبه (في السيدة زينب) خلال يوم محدد أسبوعيا لاستقبال السوريين وسماع شكواهم من حاجة للتوظيف أو الدراسة أو غيرها، ومحاولة حلها، وكأنه محافظ دمشق! أو مسؤول رسمي مكلف بالتواصل مع الناس، وكل ذلك تحت سمع أجهزة النظام وبصرها، بل وبتشجيع منها، إذ لطالما عرف أن النشاط الديني هو أخطر أنواع الأنشطة في عرف النظام الأسدي، وأنه يوليه اهتماما خاصا جدا، ويضع كل المشتغلين والمهتمين بالنشاط الديني تحت المجهر على الدوام.
ويستمر سنداوي في التطرق إلى التشيع عبر الإغراءات المادية، قائلا إن هذه الإغراءات عادة ما تقدم إلى زعماء ووجهاء العشائر، وخصوصا في المنطقة الواقعة بين نهري دجلة والفرات، حيث تعد هذه الطريقة نسجا على المنوال العراقي للسيطرة على الناس من خلال رؤساء القبائل والعشائر.
وهناك نوع آخر من الإغراءات يتمثل في تزويج المستهدفين بالتشيع، أو تزويدهم بالمواد الأساسية مثل الزيت والسكر والأرز والسمن.
وينقل سنداوي عن عدة مصادر قولها إن الذين يبدون معارضة للنشاطات الدينية والسياسية التي تقوم بها المنظمات الإيرانية في سوريا وخاصة في محافظة الرقة، يتعرضون للاعتقال من قبل قوات الأمن، حيث يواجهون اتهامات جاهزة بأنهم من "الوهابيين" أو "السلفيين الأصوليين".
وهنا نفتح قوسا صغيرا لنقول إنه لمن المثير للسخرية أن تكون تهمة "وهابي" و"سلفي" بحق من يعارض التشيع والتمدد الإيراني، هي نفس التهمة التي سارع النظام لإطلاقها على الملايين من الشعب السوري، عندما قرروا النزول للشارع والجهر بمعارضته، ابتداء من آذار 2011.
وحسب سنداوي فإن هؤلاء المناوئين للتشيع الإيراني في سوريا، يقولون بأن العديد من القبائل تحولت إلى المذهب الشيعي بسبب إغراءات مالية، وأن نظام الأسد والمشيعين الإيرانيين استغلوا فقر فئة من الناس في تلك المناطق لتشييعهم.
وهنا تذكّر "زمان الوصل" بأن سياسة النظام الهادفة إلى تدمير قطاعي الزراعة وتربية المواشي في المناطق الشرقية والشمالية من سوريا، كانت تسير –وبشكل مثير للشك- جنبا إلى جنب مع ارتفاع مستوى نشاط التشيع، فكلما زاد تدمير هذين القطاعين وزاد فقر الملايين ممن يعتمدون عليهما في معيشتهم، زاد المشيعون من تحركهم في أوساط الفقراء، تحت غطاء المساعدة ومد يد العون!.. وهو ما يوحي بأن النظام الطائفي كان "يمهّد" للمشيعين الأرض حتى يمارسوا عملهم بكل أريحية، تماما كما "تمهّد" مدفعيته وطيرانه الأرض لمليشيات الشيعة حتى يقتحموا البلدات والمدن والأحياء السنية ويعيثوا فيها دمارا!.

الجزء 4
زمن ما قبل الثورة.. أيام كان حزب الله "أيقونة"، ومدعاة للتشيع في سوريا!
• كان بعض المثقفين السوريين، يرون أن "حسن نصر الله" أصبح رمزا وطنيا أكثر منه رمزا دينيا!
• رغم كل الدعم المالي والإعلامي الإيراني والتشجيع الرسمي من قبل نظام الأسد، لم تكن كل دروب العاملين في حقل التشيع "سالكة"
• أخبر رئيس البلدية الجديد أهالي داريا أنه لا يمكن أن يفعل شيئا؛ لأن الأمن هدد بعواقب وخيمة، إذا استمر الأهالي في الاحتجاج على المشروع الإيراني
بعيد اندلاع الثورة السورية، وبعد طول تستر وتخف، مزق الشيعة في سوريا معظم حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لدراسة ميدانية حول "دور الشيعة في سوريا" نشرها بالإنجليزية الباحث الأكاديمي المرموق خالد سنداوي.
وإليكم الجزء الرابع من السلسلة، التي تعرض فيها "زمان الوصل" لأهم نقاط هذه الدراسة:
أداة التعليم في معرض حديثه عن إغراءات التشيع، يقول سنداوي إن التعليم أداة أخرى تستخدم من قبل نظام الأسد لترويج التشيع وتقوية العلاقات مع إيران؛ وقد شهدت بداية العام الدراسي 2006-2007، افتتاح كلية دينية شيعية في بلدة الطبقة التحق بها أكثر من 200 طالب.
ولم يجد الشيعة أي صعوبة في الحصول على ترخيص لافتتاح هذه الكلية، رغم أنه لم يكن يوجد في سوريا بأكملها سوى كليتين للشريعة (السنية)، واحدة في دمشق والأخرى في حلب، وقد كان على حلب الانتظار عدة عقود للحصول على إذن بافتتاح كلية للشريعة فيها، لم يأت إلا في عام 2006.
وهناك مصادر حكومية تقول إن طهران حصلت مؤخراً (وقت نشر الدراسة) على ترخيص من نظام بشار لتأسيس جامعة إيرانية كبيرة، ستحتوي عددا من الكليات، وستقدم منحا دراسية مجانية للدراسة في "قم" و"طهران"، وبخاصة لطلاب الدراسات العليا ممن يتم اختيارهم بعناية. وتمنح هذه المؤسسات معاملة تفضيلية للطلاب الذين يؤيدون النظام، حيث يتم إعطاء طلاب هذه المؤسسات فرص عمل، كما حدث سابقا مع مفتي سوريا الحالي أحمد حسون وغيره.
وفي نفس الإطار يسمح نظام بشار لبعض الطلاب بالدراسة في "الحوزة العلمية بالسيدة زينب"، حيث لا يدفعون رسوماً دراسية، بل على العكس يحصلون على راتب شهري.
ويشير سنداوي إلى فتح الإيرانيين مكتبات في أماكن مختلفة من سوريا، تقوم بتوزيع كتب الشيعة مجانا.وتحت عنوان "تأثير حرب 2006، على التشيع في سوريا"، يقول سنداوي إن فهم عملية التشيع في سوريا، لايمكن أن يتم في ظل تجاهل دور حزب الله، المنظمة الشيعية المرتبطة عقائديا بإيران.
ويلفت سنداوي إلى أن حرب الأيام الـ33 بين إسرائيل ولبنان في صيف عام 2006، أثارت موجة من الإعجاب بين السوريين بشخصية زعيم الحزب حسن نصر الله ومنظمته، بسبب "مقاومتهم" لإسرائيل؛ ونتيجة ذلك، أصبح التشيع ينظر إليه بصورة أكثر إيجابية، وتصاعد عدد المتشيعين من السوريين.
وأدت "إنجازات" و"انتصارات" حزب الله في تلك الحرب إلى زيادة في النشاط الإيراني، كما يقول رجل الدين الشيعي السوري مصطفى السادة، الذي لديه اتصالات عديدة مع السنة، معتبرا أن "جورج بوش خدم العرب و وحّدهم".
لعب بالنارويروي سنداوي: قال "السادة" إنه يعرف 75 شخصا سنيا في دمشق اعتنقوا المذهب الشيعي منذ بداية حرب تموز 2006، وإن الحرب أعطت زخما إضافيا لاتجاه السوريين المتزايد في السنوات الأخيرة نحو التشيع.ويتابع سنداوي: "وائل خليل"، طالب يبلغ 21 عاما ويدرس القانون الدولي في جامعة دمشق، قال: "لأول مرة في حياتي أشهد حرباً ينتصر فيها العرب". ولاحقا بدأ "خليل" يخطط للتحول إلى المذهب الشيعي.
ومنذ تلك الحرب، أصبحت صور حسن نصر الله وخامنئي الأكثر عرضاً في سوريا من بين الشخصيات الأخرى، وسيشاهد أي شخص يمشي في شوارع دمشق اليوم (وقت نشر الدراسة) صورا لبشار الأسد وإلى جانبها صور لزعيم مليشيا حزب الله، حيث يتم عرض هذه الصور على واجهات المتاجر والسيارات الخاصة والحافلات والجدران.
حتى إن مثقفين سوريين، يرون أن هذه الصور ترمز للوطنية وليس لمشاعر دينية طائفية؛ لأن "حسن نصر الله" أصبح رمزا وطنيا أكثر منه رمزاً دينيا، حسب تعبيرهم.
ولاحاجة لـ"زمان الوصل" أن تستفيض هنا، بما آلت إليه صورة مليشيا حزب الله وزعيمها في العقلية السورية، وانقلاب هذه الصورة رأسا على عقب، إثر زوال غشاوات "المقاومة"، و"الصمود"، و"الانتصارات".
ويتابع سنداوي: في رد فعل على الوتيرة المتزايدة للتشيع، وعدم اكتراث النظام في دمشق بذلك، أطلق الداعية السعودي البارز سلمان العودة، تحذيرا في نهايات 2006، واصفا التمدد الشيعي في أوساط السنة بأنه لعب بالنار.
وجاءت تحذيرات العودة إثر زيادة نشاط التشيع في سوريا، وقيام الإيرانيين ببناء ضريحين، الأول على ما يعد قبرا للصحابي عمار بن ياسر، والثاني على قبر التابعي أويس القرني، وكلاهما في محافظة الرقة.
لكن رجال دين شيعة في سوريا انبروا للرد على "العودة"، ونفى اثنان منهم (هما: عبد الله نظام ونبيل الحلباوي)، وجود أي "حملة تشييع" بين السنة، وطالبوا من يدعي خلاف ذلك بأدلة، وكذلك نفى رجل دين نصيري بارز (ذو الفقار غزال) أي نشاط لتحويل العلويين إلى التشيع.
وليس ذلك فحسب، بل إن رجل الدين الشيعي عبد الله نظام، المشرف على المؤسسات والمزارات الشيعية في سوريا، والمدرس في حوزة السيدة زينب، بعث برسالة توبيخ إلى سلمان العودة قال فيها: "نتمنى أن يريح العودة نفسه وذهنه؛ فليس هناك خطر على العقيدة السنية هنا، ونحن نعارض الأشخاص الذين يبيعون دينهم".لكن شخصيات سورية سنية شهيرة اتهمت المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق بممارسة أنشطة لا تتفق مع أهدافها الرسمية المعلنة، وأنها تعزز جهود التشيع سوريا.
داريا و"المقام" والثمن!رغم كل الدعم المالي والإعلامي الإيراني والتشجيع الرسمي من قبل نظام الأسد، لم تكن كل دروب العاملين في حقل التشيع "سالكة"، لاسيما مع وجود أناس لم يكونوا يخشون الجهر بكلمة الحق، والوقوف في وجه هؤلاء.
ويذكر سنداوي عددا من الحالات التي اصطدم فيه المشيعون بعقبات الرفض الكؤود، ومنها قيام الواعظ العراقي الشيعي عبد الحميد المهاجر في عام 1996، برحلة عبر المحافظات السورية، مر فيها بما يعتبره "مراكز التشيع"، بما في ذلك مسجد عمار بن ياسر بالرقة، وقد ألزمت السلطات السورية الدعاة والطلاب بحضور خطبة ألقاها "المهاجر"، ولكن محتواها أثار غضب علماء سنة، نجحوا بمساعدة بعض زعماء القبائل المقربين من النظام، في وقف تجوال "المهاجر" في بقية أنحاء البلاد.
وفي عام 1998، زارت مجموعة من رجال الدين الشيعة مفتي دير الزور خلال عطلة عيد الفطر، ولم يتورعوا عن مهاجمة السنة وعقيدتهم، فما كان من المفتي إلا أن قال لهم: "كنت مع الرئيس حافظ الأسد منذ يومين فقط، وقال لي إنه لا يريد أي فتنة طائفية هنا"، وقد نجحت هذه الكلمات في إحباط خطتهم للقدح في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي عام 2003، زار وفد من رجال الدين الشيعة من دمشق مسجد خالد بن الوليد في ضواحي دير الزور، وأبلغوا إمام المسجد أن لديهم تصريحا رسميا للبحث عن قبور أفراد من عائلة الرسول صلى الله عليه وسلم، ورعايتها بشكل صحيح! ثم طلبوا من الإمام أن يتعاون معهم ويسمح لهم بالإشراف على المسجد، وعندما رفض، حاولوا مضايقته واشتروا الأرض التي حول المسجد، لبناء حسينية كبيرة تزاحم المسجد، ولكن محاولاتهم لم تنجح.
في عام 2006، أراد بعض المتشيعين الأغنياء بناء حسينية في قرية عين علي، ولكن بعد يوم واحد من وضع القواعد، قام القرويون بإزالتها.
وفي مدينة داريا القريبة من دمشق، بدأ الإيرانيون في إنشاء مركز شيعي واسع، تحت اسم مقام السيدة سكينة، وزار مسؤولون إيرانيون بارزون الموقع للتعبير عن دعمهم لهذا المشروع، وعلى رأسهم الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي حط رحاله في الموقع خلال زيارة له إلى سوريا مطلع 2006.
ولما كان سكان المدينة على بينة بما تبيته إيران لمدينتهم، فقد احتجوا لدى رئيس البلدية الذي كان يؤيد وجهة نظر سكان مدينته، ولكن نظام بشار الأسد وأجهزته الأمنية، قرروا الرد على "الدارنيين" بحسم، فتم عزل رئيس البلدية المتعاطف معهم، وعُين آخر بديلا له.
أخبر رئيس البلدية الجديد أهالي المدينة أنه لا يمكن أن يفعل شيئا؛ لأن الأمن هدد بعواقب وخيمة على المدينة بأكملها، إذا استمرت في الاحتجاج على المشروع الإيراني!
وتذكّر "زمان الوصل" أن داريا كانت من أوائل المدن التي صب النظام عليها جام حقده، وهي من بين أشد مدن سوريا تعرضا للدمار والقصف، وقد قتل النظام واعتقل من سكانها الآلاف، ومن ذلك إعدامه أكثر من 500 شخص في يوم واحد نهاية آب 2012، في واحدة من أكبر وأفظع المجازر التي ارتكبت خلال ثورة الشعب على الطاغية.
كما إن بشار الأسد نفسه، ولغاية مقصودة تماما، حرص على التقاط صورة له أمام لافتة تشير إلى "مقام السيدة سكينة"، خلال جولة نادرة له على حواجز قواته في المدينة، نُشرت صورها في الأول من آب 2013.
الجزء 5
الجزء 5
دير الزور.. عندما ترك الفقراء لقمة سائغة للتشيع مقابل لقيمات!
طهران، لم تكن المصدر الوحيد لـ"المال الشيعي" في دير الزور.
• أحيانا يتم شراء الأرض بمبلغ مليون ليرة للدونم الواحد، رغم أن سعره في السوق لا يزيد على 50 ألف ليرة.
• يرعى الإيرانيون نشاط التشيع في الحسكة، وتحديدا عبر ملحقهم الثقافي في حلب، بالتعاون مع أجهزة استخبارات النظام.
بعيد اندلاع الثورة السورية، وبعد طول تستر وتخف، مزق الشيعة في سوريا معظم حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!
وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لدراسة ميدانية حول "دور الشيعة في سوريا" نشرها بالإنجليزية الباحث الأكاديمي المرموق خالد سنداوي.
وإليكم الجزء الخامس من السلسلة، التي تعرض فيها "زمان الوصل" لأهم نقاط هذه الدراسة:
الشرارة الأولى
خصص دكتور خالد سنداوي قسما من بحثه للتعمق في مسألة التشيع في دير الزور، قائلا: تعزى موجة التشيع في منطقة دير الزور إلى بلدة حطلة، حيث اعتنق 10 في المئة من سكان البلدة البالغين 30 ألف نسمة المذهب الشيعي، وبدأ هذ التحول في حطلة مع "عمر الحمادي"، وهو رقيب أول في الجيش، خدم في غرب وجنوب سوريا، وتحول إلى المذهب الشيعي في عام 1979، بينما كان يخدم في درعا، وفي العام نفسه أقنع "الحمادي" ابن عمه وصهره "ياسين معيوف" بالتشيع، وكان هذان الفردان حينها هما المتشيعان الوحيدان في تلك المنطقة.
وهنا تلفت "زمان الوصل" بأن المتشيعين في "حطلة" وظفوا أنفسهم كغيرهم من التجمعات الشيعية ليكونوا خنجرا في ظهر الثوار ومقاتلي الجيش الحر، وقد دفع غدر شيعة حطلة المتكرر الجيش الحر لشن حملة على البلدة، قتل خلالها 60 شبيحا، الأمر الذي سماه النظام "مجزرة" وبعث رسالة خاصة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مطالبا بالتحرك ضد من "ارتكبوها"!
ويواصل سنداوي: في عام 1982م دعت جمعية "المرتضى"، التي أسسها جميل الأسد شقيق حافظ، وجهاء وشيوخ العشائر السورية إلى مقر الجمعية في القرداحة، وطلبت تعاونهم مع أنشطتها الخاصة بالتشيع، وعُين "ياسين معيوف" رئيسا لفرع الجمعية في قرية حطلة.
وكانت "المرتضى" نشطة جدا، وأنفقت بسخاء مبالغ كبيرة من المال على عملية التشيع، حتى تم إغلاقها في منتصف الثمانينيات، ولكن ياسين معيوف وقبل حل الجمعية كان قد تواصل مع إيران، وأصبح واحدا من "الطلاب" المبتعثين إليها، واستمر "معيوف" وآخرون -من بينهم إبراهيم الساير-، في تلقي الأموال من المستشارية الثقافية الإيرانية في دمشق، ومن حوزة السيدة زينب، ومن عدد من التجار الشيعة في دول الخليج.
ويشير سنداوي أنه وبعد عودة "معيوف" من إيران في مطلع التسعينيات، بدأ الناس يستشعرون النفوذ الشيعي في حطلة السنية، حتى إن نداء الصلاة في مسجد حطلة أصبح يشتمل على عبارة "أشهد أن علياً ولي الله"، التي أدخلها الشيعة زورا على الأذان.
ووظف "معيوف"، الذي أصبح ثريا جدا بفضل الدعم الإيراني، الأموال لحث الناس على اعتناق المذهب الشيعي، إما عن طريق الإغراء المالي المباشر، أو عن طريق تأجير المحلات التي أصبح يملكها في السوق مقابل مبلغ زهيد، وبنى "معيوف" بجانب منزله قاعة تجري فيها مراسم الاحتفال بيوم عاشوراء.
وبدوره نال حسين الرجا، ما نال قريبه "معيوف" من الثراء، لاسيما أن "الرجا" كان المشرف على أنشطة التشيع في منطقة دير الزور.
ويفصّل سنداوي: ورد أن "الرجا" كان يقيم ولائم كبيرة يستضيف فيها وجهاء القبائل وكثيرا من الناس، وقام ذات مرة بتصوير تلك الولائم وإرسال شريط الفيديو إلى الإيرانيين، زاعما أنه قد شيّع كل هؤلاء الضيوف، ولهذا فهو يتلقى مبالغ كبيرة من طهران.
كما يقال أيضاً إن "الرجا" يصور حفلات الزفاف وما شابه من تجمعات، ويرسل الأشرطة إلى الإيرانيين لنفس الغرض، وفي الوقت الحاضر (وقت نشر الدراسة) يلقي "الرجا" خطبة أسبوعية في الرقة.
وتردد أن ياسين المعيوف وحسين الرجا، جلبا أكياسا من المال من دمشق إلى دير الزور، إثر حرب لبنان في صيف 2006، وتم توزيعها على اللاجئين اللبنانيين من غير الشيعة ممن وفدوا إلى المنطقة، في محاولة لإغرائهم بالتشيع.
راتب شهري
ولكن طهران ليست المصدر الوحيد لـ"المال الشيعي"، إذ يقول سنداوي إن هناك شيعيا من منطقة الخليج يصل إلى دير الزور مرة في الشهر، ويحمل معه أموالا ليست من مستشارية طهران في دمشق، مع وجود احتمال قوي بأن الرجل يعمل بالتعاون مع المستشارية. ويعطي هذا الشيعي المال لـ"معيوف" و"الرجا" ويحدد لهما كيفية التوزيع على كل المتشيعين. ويقال إن المبلغ المعتاد صرفه هو 5 آلاف ليرة شهريا لكل متشيع.
و5 آلاف ليرة كانت تعد وقت نشر البحث مبلغا جيدا جدا لأي أسرة ريفية، حيث إنها كانت تعادل أكثر من 100 دولار حينها، وكانت سوريا وقتها لاتزال تتمتع بـ"نعمة" رخص الغذاء والمعيشة بشكل عام.
ويشير سنداوي إلى إن هناك عددا من المحسوبين على المثقفين في منطقة دير الزور ينشطون أيضاً في دعم عملية التشيع، وأحد هؤلاء "أمير شبيب"، وهو صاحب مكتبة القرآن الكريم الواقعة في ساحة دير الزور الرئيسة، وهناك أيضا "عبد الله حمدان"، الذي تشيع والده أولاً، وتبعه هو في عام 1990، وتربطه قرابة بالمتشيع ياسين معيوف.
وفي وقت كتابة هذا البحث، كان "حمدان" يبيع الكتب على جسر الفرات بالقرب من مسجد السرايا، وقيل إنه يعير كتب الشيعة، وخاصة للنساء والفتيات، مثل كتاب محمد جواد مغنية، "الإثنا عشرية وأهل البيت"، لكنه يبيع كتبا منوعة أخرى للتمويه على نشاطه وجذب مزيد من الزبائن.
ويتابع سنداوي: في بلدة حطلة والقرى المجاورة لها، تم بناء ما لا يقل عن 6 حسينيات مؤخرا (وقت نشر الدراسة)، وهناك أيضا العديد من الحسينيات في قرى أخرى، ويتم شراء الأرض التي تبنى عليها الحسينية بمبالغ باهظة تحفيزا لأصحابها، ومثل هذه الصفقات تحدث حتى في المدن التي لا يوجد فيها متشيعون، وذلك طمعا بالحصول على موطئ قدم في المنطقة، تحسبا لأي نشاطات مستقبلية، وأحيانا يتم شراء الأرض بمبلغ مليون ليرة للدونم الواحد، رغم أن سعره في السوق لا يزيد على 50 ألف ليرة.
ويحاول المتشيعون دعوة القرويين وأبناء القبائل إلى الولائم، و"رشوتهم" بالمواد الغذائية الأساسية مثل الأرز والطحين والسكر وما شابه، وهؤلاء المتشيعون لا يدعون "ضيوفهم" للتشيع من أول مرة، وإنما يسعون إلى محاولة كسب قلوبهم، ولاحقاً في الوليمة الثانية أو الثالثة، يباشرون إقناعهم بالتشيع.
الحسكة أيضا
ومن التشيع في دير الزور، ينتقل "سنداوي" للحديث عن التشيع في الحسكة، موضحا أن المصادر تشير إلى ازدياد نشاط العاملين في حقل التشيع في المحافظة الحسكة التي تسكنها نسبة كبيرة من الأكراد.
ويقول سنداوي إنه تم توزيع منشورات تدعو الناس إلى التشيع، وتستهدف أساسا الشباب والعاطلين عن العمل، وإن تلك المنشورات وزعت في المحلات التجارية بمدينة الحسكة، واحتوت على وعود براتب شهري يتراوح بين 5-10 آلاف ليرة (بين 100 و200 دولار وفق سعر الصرف حينها).
وكعادتهم يستغل العاملون في نشاط التشيع الفقر في المنطقة، ويمارسون نشاطهم بعلم السلطات. ووفقا لبعض المصادر، فإن من يرعى نشاط التشيع في الحسكة هم الإيرانيون، وتحديدا ملحقهم الثقافي في حلب، بالتعاون مع أجهزة استخبارات النظام.
وملحق إيران في حلب رجل دين اسمه "عبد الصاحب الموسوي"، وهو شخص يتحدث العربية بطلاقة.
وهناك أقاويل يبثها قادة حركة التشيع في المحافظة زاعمين أنهم قاموا بـ"تأهيل" عدد كبير من الناس، إما من خلال إرسالهم إلى إيران بمنح دراسية كاملة، لغرض دراسة العقيدة الشيعية، أو عن طريق تمويل رحلات لزيارة جنوب لبنان.
ويؤكد سنداوي أن العاملين في حقل التشيع يتمتعون بحماية السلطات في سوريا، التي تسمح لهم بالاستفادة الكاملة من المساجد في المحافظة، وتمنحهم حرية كاملة في الحركة.
وفي ذات السياق، يقوم قادة حركة التشيع بشراء الأراضي لبناء حسينيات، وكانت آخر صفقة شراء في مدينة القامشلي الكردية، كما تم بناء حسينية "آل البيت" في حي النشوة، ومولها رجل أعمال شيعي من الكويت.
ويذكر سنداوي أسماء أهم العاملين في التشيع ضمن محافظة الحسكة، وهم: محمود نواف الخليف، والدكتور حسن الأحمد المشهداني. وذو العمامة السوداء أبو فراس الجبوري (مصطفى خميس)، إضافة إلى عبد المحسن عبد الله السراوي، مؤلف كتاب "القطوف الدانية في المسائل الثمانية".
"السيد" ثمرة باهرة
ولسبب غير معروف، ربما يكمن في شح المعلومات وصعوبة الحصول عليها، اختصر سنداوي حديثه عن التشيع في حمص بشكل لافت، فمن أصل بحثه الذي يقارب 9 آلاف كلمة، اكتفى سنداوي بثلاثة أسطر، مشيرا إلى أن حي البياضة في حمص يحوي أعدادا من الشيعة، وهناك مسجد شيعي، وكذلك حي يدعى "حي إيران".
وكذلك اقتصر سنداوي على ذكر قرية "الحميدية" بوصفها قرية شيعية في ريف حمص، رغم إن هناك أكثر من 20 قرية شيعية في هذا الريف، منها: أم العمد، الثابتية، المختارية، الغور، زيتا، الديابية، المزرعة، الزرزورية، الدلبوز.. وغيرها.
وبنفس الاقتضاب المخل تعرض سنداوي إلى التشيع في طرطوس قائلا إن الشيعة الإيرانيين والعراقيين ينشطون على طول الساحل السوري، حيث سبق لرمز التشيع هناك "جميل الأسد" أن تمدد في مدن الساحل السوري والمناطق القريبة منها، بدعم وتشجيع من أخيه حافظ، بالتزامن مع ممارسة "جميل" لنشاط التشيع في مناطق الساحل بين العلويين خصوصا.
ويعتبر سنداوي أن واحدة من ثمرات المشيعين الباهرة في الساحل، يمثلها مدير أوقاف طرطوس (حينها)، "محمد عبد الستار السيد"، الذي دافع علنا عن العقيدة الشيعية، كما صرح على الصفحة الأولى من مجلة "المنبر" الإيرانية، وهي مجلة مكرسة للمتشيعين.
ويبدو أن هذا الموقف من "السيد" -حسب رؤية "زمان الوصل"- هو ما أهله لنيل رضى بشار شخصيا، الذي رقاه مباشرة من منصب "مدير أوقاف طرطوس" لينصبه معاونا لوزير الأوقاف في 2002، ثم وزيرا للأوقاف في 2007، وهو من الوزراء الذين جدّد بشار ثقته فيهم خلال الأزمة، رغم حدوث أكثر من تغيير وزاري.
وبالانتقال إلى التشيع في إدلب، يقول سنداوي إن نهايات 2006، شهدت افتتاح كلية شيعية في المحافظة، وكان منهاجها إيرانيا خالصا، وقدمت العديد من الحوافز للمستهدفين بالتشيع. ويتصف العاملون في التشيع على مستوى المحافظة بأنهم نشيطون جدا، حتى إن بعضهم يقدم مبالغ نقدية، تقدر بـ2500 ليرة، فقط لمن يسمي ابنه الحسن أو الحسين!
ويتابع سنداوي: قرية زرزور هي أحد أبرز مراكز النشاط الشيعي في المحافظة، وهي قرية قريبة من الحدود التركية، وقد شهدت القرية أول حالة تشيع في عام 1945، على يد محمد ناجي غفري، الذي كان قد تشيع من قبل.
وقد دعمت السفارة الإيرانية في دمشق "غفري"، وحافظت على اتصال منتظم معه وساعدته في بناء حسينية.
واليوم (وقت نشر الدراسة) أصبح ربع سكان "زرزور" من الشيعة، وقد تشيعت أسر بأكملها، منهم: "طرمش، المنجد، السيد"، وانتشرت عملية التشيع أيضاً إلى بعض القرى المجاورة، ولكن بأعداد أقل.
الجزء 6
الجزء 6
في درعا "غزالة" وفي اللاذقية "زيتون"، وبينهما إيرانيون وعراقيون ولبنانيون!
• كان زيدان ابن عم رستم غزالة قد تخرج في الجامعة وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين وفي ما بعد حركة "المرتضى" الشيعية!
• حرص الشيعة على بناء أول حسينية في مدينة درعا بجانب اثنين من المساجد السنية
• "المرتضى" بنت قرابة 76 حسينية في منطقة اللاذقية، واحدة منها بمساحة 6 آلاف متر مربع
بعيد اندلاع الثورة السورية، وبعد طول تستر وتخف، مزق الشيعة في سوريا معظم حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!
وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لدراسة ميدانية حول "دور الشيعة في سوريا" نشرها بالإنجليزية الباحث الأكاديمي المرموق خالد سنداوي.
وإليكم الجزء السادس وما قبل الأخير من السلسلة، التي تعرض فيها "زمان الوصل" لأهم نقاط هذه الدراسة:
"كاش" وزواج متعة
تحت عنوان التشيع في درعا، يقول دكتور خالد سنداوي: بعض البلدات في درعا، مثل بصرى الشام، كان فيها سكان شيعة منذ قرن من الزمان، ولكن هؤلاء الشيعة كانوا يتظاهرون أنهم سنة! وكانت هذه هي الحال حتى عام 1997، مع وصول زيدان غزالة في العام نفسه، وهو قريب اللواء رستم غزالة، الرئيس السابق للاستخبارات السورية في لبنان، الذي قربه بشار ورقاه تباعا حتى عينه رئيسا لجهاز الأمن السياسي.
وبمناسبة ذكر "رستم غزالة" تلفت "زمان الوصل" هنا إلى نقطة غاية في الأهمية (هي جزء من سؤال واحد كبير سنفجره في ختام القسم الأخير من سلسلتنا)، وهي أن بشار "النصيري!" أبعد ابن طائفته غازي كنعان عن عرش الاستخبارات في لبنان، بل عن عرش لبنان كله، حيث كان كنعان بمثابة المفوض السامي للأسد، وعين بدلا عنه "غزالة" الذي يفترض أنه سني، ويذكر الجميع كيف كانت طريقة تجريد كنعان من صلاحياته مهينة، وكيف تم "نحره" أو "انتحاره" لاحقا.
ويقول سنداوي: كان زيدان ابن عم رستم (وهما من بلدة قرفا) قد تخرج في الجامعة وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين وفي ما بعد حركة "المرتضى"!، ثم تشيع علنا وبدأ الدعوة للمذهب الشيعي، حيث كان يتلقى دعما ماليا من إيران، ويقدم إغراءات للشباب، معتمدا على دفع "الكاش" وتقديم الأثاث والكتب والملابس.
وشجع "زيدان غزالة" الزواج المؤقت (المعروف بزواج المتعة) مقدما فتيات صغيرات للرجال الباحثين عن تلبية احتياجاتهم الجنسية دون أن يرتبطوا برباط الزواج المعروف.
ويؤكد سنداوي أن كل من كان يعترض على "زيدان" كان يجد نفسه في السجن أو مهدداً من قبل قوات أمن النظام، التي كان "زيدان" وثيق الصلة بها عطفا على مركز ابن عمه رستم.
ويتولى زيدان حاليا (وقت نشر الدراسة) منصب إمام وخطيب مسجد علي بن أبي طالب في حي الزاهرة بمدينة درعا، وهو مسجد سني استولى عليه زيدان قسرا.
وهناك جالية شيعية عراقية في محافظة درعا، كانت قد استقرت فيها قبل سقوط بغداد في عام 2003، واستمرت في النمو، حتى بات هناك شارع كامل في مدينة درعا يحتله التجار الشيعة العراقيون.
ويتابع سنداوي موضحا أن هؤلاء التجار بنوا حسينية وألحقوا بها عدة مرافق، مثل روضة الأطفال، وغرفة للحاسوب ومكتبة للأطفال.
انعزال
وقد كان لشخص اسمه أبو جعفر العراقي، تأثير عميق في عملية التشيع في درعا، حيث اشتغل هذا الرجل على تشييع الأثرياء والأطباء، الذين كان يعرض عليهم رحلات مجانية إلى إيران، كما كان يغدق الأموال والهدايا على الطلاب والفقراء.
وكان "أبو جعفر" يحضر تجمعات يتم خلالها لعن الصحابة الكرام واتهام زوجة النبي عائشة رضي الله عنها بالفاحشة (التي نزهها عنها القرآن الكريم)، كما قام "أبو جعفر" بتوزيع مئات من كتب الشيعة في جميع أنحاء محافظة درعا، وأصبح خطيبا في مسجد الرسول الأعظم الذي شيد مؤخرا (وقت الدراسة) في درعا.
لكن "أبو جعفر" غادر سوريا إلى العراق بعد سقوط بغداد؛ وحل مكانه "كاظم التميمي"، وهو واعظ شيعي كان أقل نشاطا من سلفه؛ ولهذا السبب تم استدعاء "أبو جعفر" مرة أخرى، ولكن ولأسباب غير معروفة غادر "أبو جعفر" من جديد، بعد شهرين من عودته إلى سوريا.
ويؤكد سنداوي أن بناء الحسينيات غدا مؤشرا على تزايد فعالية عملية التشيع في محافظة درعا، فضلا عن كونه أداة لمحاولة تشييع مزيد من السوريين، موضحا أن بناء أول حسينية في مدينة درعا كان في عام 1976، بالقرب من المطار، لتكون إلى جانب اثنين من المساجد السنية!
ويوضح أن رجال دين شيعة إيرانيين وعراقيين ولبنانيين وحتى سوريين كانوا يقومون بزيارة هذه الحسينية، وعلى رأسهم عبد الله نظام، وهو رجل دين سوري شيعي قوي، وقيادي يشارك في كل محفل لرجال الدين الشيعة في سوريا.
ويكشف سنداوي أن هناك حسينيات في بلدات أخرى، وأن توزع هذه الحسينيات يشمل بلدات يتراوح سكانها بين 5 آلاف و33 ألف نسمة، وأنه في بعض الحالات، مثل بلدة المليحة الغربية، أدى بناء الحسينية إلى انعزال الشيعة عن السنة، حتى إن الشيعة في هذه البلدة ميزوا حوانيتهم وورشهم بأسماء شيعية!
ويتابع: حدثت عمليات تشيع في العديد من البلدات والقرى التي لا توجد فيها حسينيات؛ ففي بلدة الصورة، مثلا، تشارك عائلة شيعية بنشاط في نشاط التشيع، وتوفر "حوافز" للشباب حتى يتشيعوا.
وينقل سنداوي عن مصادر محلية مطلعة أن الأب في تلك الأسرة يعرض ابنته الجميلة لزواج المتعة من أجل جذب الشباب للتشيع، وأن الابنة طالبة في السنة الثالثة في "حوزة السيدة زينب"، موردا أقاويل عن إنها عقدت أكثر من 50 زواجا مؤقتا (متعة).
زيتون يمثل خامنئي
وفي فقرة أخرى من بحثه يتطرق سنداوي إلى التشيع في اللاذقية، موضحا أن مدينة اللاذقية بدأت تشهد علميات تشيع في ثمانينات القرن الماضي، بتحريض من جمعية "المرتضى"، حيث بنت هذه الجمعية قرابة 76 حسينية في منطقة اللاذقية، أكبرها في منطقة دمسرخو، بمساحة تعادل 6 آلاف متر مربع، وأصغر تلك الحسينيات، في قرية عين التينة، ومساحتها 40 مترا مربعا فقط.
ويتابع: في الماضي لم تستخدم هذه الحسينيات لنشاط التشيع مطلقا، بل كانت بمثابة أماكن لاجتماع المعارضين للحكومة!، ولكن بعد حافظ الأسد، وعندما مكّن ابنه بشار طهران من كسب نفوذ متزايد في سوريا وخاصة بعد سقوط بغداد، بدأ الإيرانيون بأنفسهم إدارة شؤون الشيعة في اللاذقية. وقد تم تدشين هذه المرحلة الجديدة ببناء "حوزة الرسول الأعظم" في حي الأزهري باللاذقية، على قطعة أرض تابعة للوقف السني، وعيّن للحوزة مدير عراقي يدعى "أيمن زيتون"، وكان ممثل خامنئي (المرشد الإيراني).
كما تم بناء مركز ثقافي في حي الزراعة وظف فيه أكثر من 300 عراقي ولبناني، كانت مهمتهم الأساسية مخالطة الأهالي وتقديم المغريات لهم كي يتشيعوا.
ويقول سنداوي إن المسؤولين الإيرانيين يزورون محافظة اللاذقية بانتظام، وأثناء زيارة وزير الإسكان الإيراني للمنطقة ذات مرة، قدم 300 شقة جديدة إلى المتشيعين الجدد في اللاذقية. كما إن رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران، هاشمي رفسنجاني زار المنطقة ودعا السكان إلى زيارة إيران.
ويوضح سنداوي أن محافظ اللاذقية وأمين حزب البعث، وهما أعلى مسؤولين في المحافظة، لم يكونا يذهبان إلى أي مكان من دون مرافقة "أيمن زيتون"، الذي غالبا ما تظهر صوره في الصحف اليومية، كما إن لـ"زيتون" كلمة مسموعة في كل التعيينات الإدارية في المدينة، وهو يعد المتشيعين بالوظائف علنا.
وفي اجتماع مغلق ذات مرة تباهى زيتون قائلا: "الغرب يعتقد أننا سنهاجم من صيدا وصور، ولكننا سوف نفاجئهم من اللاذقية وطرطوس".
ويعد قادة الشيعة في اللاذقية الشباب بالوظائف والقبول في الجامعات وحتى بالزوجات، ويتم إرسال من يرغبون في "الجهاد" إلى جنوب لبنان، للالتحاق بصفوف مليشيا "حزب الله".
وتظهر آثار النفوذ الإيراني أيضا على الجامعة التي تضمها المحافظة؛ ومن ذلك مثلا قيام رئيس جامعة تشرين في آذار 2007، بتخصيص مبنيين في الحرم الجامعي لإيران، لغرض إنشاء كلية شيعية ضمن الجامعة.
البداية من "النقطة"
أما التشيع في حلب، فيقول عنه سنداوي: ينشط التشيع في حلب، بفضل عمل عدد من سكانها البارزين في حقل التشييع، ويعد "مسجد النقطة" قرب جبل جوشن المركز الرئيس للتشيع في المدينة. وفي ريف حلب هناك بلدتان شيعيتان، هما نُبلْ والزهراء، وسكان البلدتين ينشطون في الشؤون الشيعية.
ويقول سنداوي: الشيعة يسيطرون على الهلال الأحمر، كما إن مستشفى الهلال الأحمر في حلب إيراني، أما القنصلية الإيرانية في مدينة حلب، والتي يرأسها عبد الصاحب عبد الواحد الموسوي، فتشارك بنشاط كبير في نشر التسيع بين طلاب الجامعات.
ويلفت سنداوي أن القنصلية الإيرانية تقع قريبا جداً من حرم جامعة حلب، وتقدم وجبات للطلبة على أمل جذبهم للتشيع، كما إن الشيعة في حلب يقيمون عادة احتفالات كبيرة في "المولد النبوي"، وميلاد "الإمام جعفر الصادق"، وخلال "أسبوع الوحدة الإسلامية".
وفي احتفال بمناسبة هذا الأسبوع تم 30 أيار/ مايو 2002، وشهده "مسجد النقطة"، حضر قرابة 5 آلاف من الرجال والنساء الشيعة، معظمهم من "نبل" و"الزهراء"، ولم يخل الحضور من بعض السنة.
ويروي سنداوي أن هذا الاحتفال نظم بواسطة القنصل الإيراني في حلب، حيث تم وضع شاشة كبيرة ومكبرات صوت وأجهزة عرض أعدت بعناية فائقة. وغطيت الجدران بصور كبيرة تحتوي على زخارف ومدائح للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، وتم افتتاح الاحتفال بتلاوة بعض الآيات القرآنية.
وكان حضور حزب الله كبيرا في الاحتفال، فقد تم وضع صورة "حسن نصر الله" بجانب صور "الخميني" و"خامنئي". ومَثَّلَ الحزب نائب زعيمه، المدعو "نعيم قاسم"، الذي تحدث عن "إنجازات حزب الله في جنوب لبنان". كما قرأ الشاعر الشيعي عبد الكريم تقي، قصيدة يمدح فيها التشيع والمتشيعين.
وفي نهاية الاحتفال تحدث الملحق الثقافي الإيراني، ذاكر عددا من الكتب "المفيدة لتعزيز إيمان الناس"، مثل "نهج البلاغة" و"الصحيفة السجادية".
ولكن أهم حدث في ذلك الاحتفال كان ترتيب "زواج جماعي"، حيث تم عقد قران 60 من الأزواج على نفقة السفارة الإيرانية، كما أعلن مقدم الحفل)، ووعد الملحق الثقافي كل عريس بالحصول على هدية من السفارة الإيرانية ومكتب خامنئي.
الجزء 7 والأخير
الجزء 7 والأخير
بشار.. ومضات على طريق التشيع
بعيد اندلاع الثورة السورية، وبعد طول تستر وتخف، مزق الشيعة في سوريا معظم حجب "التقية"، وانطلقوا من وراء الكواليس، ليمارسوا دورهم مباشرة على مسرح الأحداث، فتواترت روايات نشطاء وأهالي حمص عن مدى الأذى الذي ألحقه شيعة الريف بسنّة المحافظة، مما يهون أمامه أذى عتاة النصيريين!
وكذا الأمر في إدلب وحلب بل وحتى في دمشق، حيث ظهر اعتماد النظام على مراكز ثقله الشيعية رغم إنها بلدات أو أحياء صغيرة تسبح في بحر سنّي، فكانت "الفوعة" و"كفريا" الشيعيتين في إدلب، كما "نبل" والزهراء" في حلب، كما "حي الأمين"، و"زين العابدين" في دمشق.
وخلافا للمتصور، فقد منح نظام بشار للقرى الشيعية -خلال الثورة- ما لم يمنحه للبلدات العلوية من امتيازات، حيث حصنها بتحصينات كبيرة ودجج أهلها بمختلف أنواع السلاح، حتى بدا إن سقوط "نبل" أو "الفوعة" لا يقل فداحة بالنسبة لبشار عن سقوط القرداحة نفسها!
لأجل هذه المعطيات وغيرها، وفي محاولة لفهم واقع الشيعة في سوريا، قررت "زمان الوصل" فتح ملف الشيعة والمتشيعين في سوريا، معتمدة على واحدة من أبرز وأحدث الدراسات التي نشرت قبل أعوام قليلة، حيث اطلعت "زمان الوصل" على النص الأصلي لدراسة ميدانية حول "دور الشيعة في سوريا" نشرها بالإنجليزية الباحث الأكاديمي المرموق خالد سنداوي.
وإليكم الجزء السابع والأخير من السلسلة، التي عرضت فيها "زمان الوصل" لأهم نقاط هذه الدراسة:
خاتمة
بعد أن قدم ما في جعبته عن التشيع في سوريا، وصل الدكتور خالد سنداوي إلى الفقرة الختامية في بحثه، معنونا إياه بـ"نظرة إلى المستقبل"، وفيها أعاد التأكيد أن الشيعة اليوم (وقت الدراسة) أكثر قليلا من 1 في المئة من مجموع سكان سوريا، البالغ 18 مليون نسمة.
ويضيف: هناك العديد من الظروف في الوقت الراهن، منها جغرافية وسياسية وتاريخية ومالية، وبدرجة أقل دينية أو مذهبية، تتضافر لتسبب زيادة في التشيع، حيث كانت نسبة الشيعة في سنة 1953، لا تزيد على 0.4 في المئة من سكان سوريا.
ويتابع: الشيعة في سوريا اليوم يمتلكون عددا كبيرا من المؤسسات والأضرحة، وأهمها مقام السيدة زينب، مقام سكينة بنت الحسين، ومسجد النقطة في حلب. ويزور كل هذه الأماكن عدد هائل من شيعة الخليج والعراق وإيران.
المهاجرون الشيعة العراقيون وكذلك الزوار الإيرانيون الذين يأتون لزيارة الأضرحة الشيعية في سوريا، يشكلون جيشا بشريا كبيرا مشبعا بالعقيدة الشيعية، ويساعدون في نشر أفكار ومبادئ المذهب الشيعي.
ويرى سنداوي أن الإغراءات المقدمة لتحفيز التشيع، شكلت نقطة جذب لأي متشيعين مفترضين، لكن السياسة هي صاحبة الدور الأبرز في تعزيز عملية التشيع؛ فبعد وصول بشار الأسد إلى السلطة في عام 2000، زاد النفوذ الإيراني في سوريا كثيرا، بدعم وتشجيع من قبل نظام دمشق.
ونتيجة هذا النفوذ تم منح الجنسية السورية لإيرانيين وعراقيين، ما ساعد على زيادة زخم التشيع، وخصوصاً بين العلويين، الذين كان لديهم رغبة في الانتماء إلى "تجمع" أكبر حجما وله سند إقليمي أوسع.
وينوه سنداوي بالدور النشيط جدا للسفارة الإيرانية والمستشارية الثقافية في دمشق، اللتين تعملان على نشر الأفكار الشيعية كل محافظات البلاد، عن طريق الإغراءات المالية، والمنح الدراسية للجامعات الإيرانية، والرعاية الطبية المجانية، والرواتب الشهرية، وغير ذلك.
ويتابع: علاوة على ما سبق، عززت حرب لبنان عام 2006، المشاعر المناهضة للغرب في سوريا، التي تعارض وجود إسرائيل وتدعم حركات المقاومة في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي لبنان، وهو ما أثار موجة من الإعجاب بـ"حسن نصر الله"، كانت نتيجتها تشيع العديد من السوريين، وتكثيف الأنشطة الشيعية في البلاد.

ويختم سنداوي قائلا: هذا النوع من المظاهر الموالية للشيعة (من خلال إظهار الإعجاب بحسن نصر الله) قد يكون مؤقتا ولحظيا، لأنه ناجم عن رد فعل عاطفي وليس عن قناعة متجذرة. ولكن مهما كانت طبيعة الدوافع، فالحقيقة هي أن الميل نحو التشيع في سوريا لا يزال قائما.
ملحوظات واستدراكات لـ"زمان الوصل"
منذ اطلاعها على البحث في نسخته الإنجليزية، وحتى فراغها من استعراض أهن نقاطه، لم يغب عن "زمان الوصل" أن أي بحث اجتماعي مهما امتلك من أدوات وطرائق علمية، لايمكن أن يخرج بنتائج دقيقة مئة بالمئة، لأن الأبحاث الاجتماعية تتعاطى مع معطيات دائمة الحركة والتطور، فضلا عن صعوبة رصد كل أوجهها ومظاهرها، فإذا كانت هذه الأبحاث تتعلق بالشأن الديني زادت صعوبتها، فإن كانت في مجتمعات تمتلك حساسيات عالية تجاه هذا الأمر، تحولت الصعوبات إلى ما يشبه المستحيلات، فما بالك ببحث موضوعه عقيدة دينية تتمترس وراء الغموض والتقية، قولا وعملا؟
حرصت "زمان الوصل" على أن لاتتدخل في مجريات ومعطيات البحث إلا عند الضروة القصوى، ومن هنا لم نتردد في التعقيب على بعض الأفكار تصحيحا أو توضيحا، ولم ننتظر لوضع هذه التعقيبات في نهاية البحث، مخافة أن تفقد تأثيرها، حيث سيكون القارئ قد ابتعد عنها موضعيا وذهنيا، ولذا اقتضى وضعها وراء الفقرة المراد التعقيب عليها مباشرة.
رغم قيمته وندرته، فإن بحث الدكتور سنداوي لم يخل من قصورات جزئية وأخرى عامة. أما الجزئية فقد تم التعقيب على ما استطعنا أن نتحراه منها، وأما العامة فنلخصها بنقطتين، الأولى تتعلق بالاختزال المخل جدا فيما يخص الحديث عن التشيع في حمص وطرطوس خصوصا، رغم ما لهاتين المحافظتين من "مركزية" في نشاط الشيعة والمتشيعين، والنقطة الأخرى تخص "تواضع" الخاتمة التي ختم بها البحث، حيث لم تقدم أي جديد في "نظرتها نحو المستقبل"، وكل ما حوته كان تكرارا لما سبق وقيل في متن البحث.
لا شك أن السوريين -من وجهة نظر زمان الوصل- كانوا الأحرى بتقديم دراسات مستفيضة ووافية عن الشيعة وغيرهم من المذاهب ضمن سوريا، لكن هذا التقصير من الباحثين السوريين وهم كثر، ربما يرد إلى التخويف و"الحجر" الذي فرضه النظام على تداول مثل هذه القضايا شفهيا، فما بالك بمن يدونها ويبحث في أعماقها؟
لقد شكل هذا البحث –في حينه على الأقل- قاعدة نظرية لفهم الشيعة وموقفهم في المشهد السوري، ولكن الثورة السورية بكل أحداثها وتداعياتها جاءت لتقدم دليلا عمليا وأرضية راسخة لفهم "دور" الشيعة المتشيعين في سوريا، الذين غدوا الأقلية الأسبق في الالتجاء إلى حاضناتهم خارج حدود الوطن، بدءا من إيران مرورا بالعراق ولبنان، وهو ما حول بعض البقاع في سوريا إلى "مستوطنات شيعية"، محللة لكل أحد إلا السوري غير الشيعي أو المشايع للشيعة!
تعتقد "زمان الوصل" جازمة أن الخلاصة الأهم والأكبر من استعراض هذا البحث، ومحاولة ربطه بأحداث الثورة السورية، تكشف طريقة تفضيل رأس النظام للشيعة على كل السوريين، وتقريبه لهم حتى قبل الثورة، وتجنيسه الآلاف منهم، وترقيته للشيعة والمتشيعين، و"انبطاحه" التام أمام مشيئة ملالي طهران، وتسليمه الجيش لقيادات الحرس الثوري، وبذره الحسينيات في سوريا تماما كما كان يبذر الفقر، وحرصه على "تحرير" أسرى إيران مقابل إهمال آلاف الأسرى من جنوده ومن الطائفة العلوية تحديدا، وتضحيته بعلاقاته مع ملوك ورؤساء مقابل الإبقاء على علاقته بـ"حسن نصر الله" الذي كان يعامله خلافا لأي برتوكول.. معاملة تفوق أو تعادل معاملة الرؤوساء والملوك.. وغير ذلك من المواقف، التي يصعب فهمها إلا في إطار واحد.. وهو الخلاصة الأهم والأكبر، تقول إن بشار تشيع!، بل وربما "شبع" تشيعا، ولا شك أن مثل هذا الاستخلاص المبني على ومضات سريعة يستحق بحثا مستقلا بذاته، للتعمق فيه -إثباتا أو نفيا- وتسليط الضوء على شخصية بشار وطريقة تفكيره، وسبب تشيعه على مذهب ملالي طهران، وهل كان هذا التشيع تحولا من العلوية إلى الشيعية، أم كان عودة لأصوله وأصول عائلته، كما فعلت عائلات في حلب ودمشق، عندما قررت العودة إلى "أصولها" الشيعية!
زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية