السيناريست سامر رضوان من أنصار أن العمل الفني لا يكتمل بالضرورة، وخاصة لحدث مستمر وموجع كما الذي يعصف بسوريا، كما يعترض على "التأريخ داخل الفن" ، لأن مجريات التاريخ ليست من مهام الدراما التي يتمناها رضوان ارتطام بالحدث وتشكيل وجهة نظر فنية عنه.
"زمان الوصل" حاورت الكاتب سامر رضوان حول موقفه وتأريخه للثورة ومنعكاسات ما يجري على الفن والفنانين، فكان هذا الحوار.
-استشف سامر رضوان الثورة قبل أن تقع عبر"الولادة من الخاصرة" أم تراه أرخها ؟
لا أحد فينا يشتهي أن يتحدث عما فكر فيه لحظة التأليف ..لأنه -إن فعل- يكون ركن من أركان التلقي ناقصاً منك ومن تنظيرك..وبالتالي فإن فعل الكتابة لم يأخذ مداه ولم توفق بشكل نهائي لما أردت .
هذا واضح من صيغة التساؤل التي تتفضل بها ..فلو أنني قدمت عملاً مكتمل الأركان والدلالة ..لما كنتَ بحاجتي كي أشرح شيئاً عن التكوين ، وكبداية أمر محبط أن يكون هذا السؤال
لكن التلفزيون حين تختاره يرميك وبمنتهى القسوة إلى طريقين يقود الأول إلى الثاني حتماً : الانتشار ومن ثم تفتت الرسالة استناداً إلى غرابة فضاء من يتابعك و عدم قدرتك على اختيار هؤلاء المتابعين ، من هنا كانت خطورة هذا المشروع بالنسبة لي ..ففي الجزء الأول لم يكن البوعزيزي قد أحرق نفسه بعد ..وهذا إن شئت عملاً استشرافياً مع أن الأمر لا يحتاج لفطنة كي نعرف أن هناك صراخاً مكتوماً سوف ينطلق من شعوب مقهورة ، ورغبة دولية في تغيير شكل المنطقة سيبدأ بعد حين .
أما التأريخ فليست وظيفية الدراما ولا يمكن أن أراها كذلك ..إنها معايشة وفق ما ترى.
- كيف تم التعامل مع الرقابة وخاصة الجزء الأخير ؟
لا قيمة للحديث عن السنوات الأربع الماضية وماذا فعلت بالرقيب ..القيمة تكمن في العقلية التي يحقن بها الرقيب والرقباء على رقابته ...لأن المسألة لا تقف عند حدوده فقط ، بل عند حدود أشخاص يراقبون رقابته أيضاً حتى في أجهزة إعلام الثورة ، إنها دوامة جعلت فعل الكلام مكروهاً في بعض الحالات وممنوعاً في حالات أخرى ومحرماً لحظة تسمية الأشياء بمسمياتها ...والنتيجة المنطقية لهذه العقلية نمو ثقافة السراديب التي لا ترى النور ولا ضوء المحاججة والتلاقح ....وظهور سلوكيات ظلامية لأنها نشأت وترعرعت في الأقبية ..ومن الطبيعي بعد هذا أن نجد أشخاصاً تمتلك القدرة على القتل وتقطيع البشر بغض النظر عن هويتها ...فالمجتمعات المفتوحة والمهواة بشكل جيد ، رقابتها تختلف عن حراس بنائها الأمني ..وبالعودة إلى الولادة من الخاصرة فالأجزاء الأول والثاني (ساعات الجمر) تم التحايل على الرقابة بالطرق المعروفة لدى العاملين في الوسط الدرامي ..أما الجزء الأخير فلم توافق الرقابة عليه على الإطلاق ..ولم يتم تصوير اي من مشاهده في سوريا ..حتى أن تعميماً وضع في قناة سوريا دراما ينهي تغطية أي من أخبار تصويره لأنه عمل مغرض ومأجور.
-لماذا لم تتابع لتوثق الاختلاط والتطرف الذي لحق بثورة السوريين وشوهها ؟
كيف أتابع وأنا من المتهمين أساساً بالتطرف ..فلم يغد التطرف وقفاً على غلاة الإسلاميين ومخابرات النظام والمتحزبين لأي من فصيلي آلة القتل ..التطرف سمة المرحلة بكل أشخاصها وأحداثها ..وإذا قررت في داخلك أنك سترصد هذا التطرف فإن المعنى الداخلي لهذه العبارة هو حيازتك على موضوعية الحياد .والحياد هنا غير متوفر ولا يمكن أن يتوفر ..فكيف أتابع ؟من ثم لمن أتابع ؟
وهذا سؤال أخطر بكثير على ما أرى ..فعندما قررت إنهاء مشروع الولادة من الخاصرة بجزئه الأخير (منبر الموتى) ، كنت قد صنفت وفق روايتين متناقضتين، الأولى : أنني ضابط مخابرات أو مخبر صغير أوعميل للنظام ومستأجر كي أسيء للثورة، والثانية : أنني عميل قطر وبندر وقابض أموال الخليجيين وخائن للهوية السورية وكتبت هذا المسلسل كي أسيء للنظام المقاوم والممانع، وبقدرة أسماء دعمت هاتين الروايتين -لأسباب منها معلوم ومنها مجهول بالنسبة لي - أصبحت عميلاً مزدوجاً وفاقداً للهوية والانتماء والموقف.
فكيف أتابع وأنا الموهوم الذي اعتقد أنه يقدم قراءة أخلاقية فإذا بي فاقد للأخلاق بالمحصلة النهائية لعملية التلقي ..ثم ماذا تعني الدراما التي يهاجمها الجميع ويلوكونها بأحكام الاستسخاف والتصغير، وفي اللحظة ذاتها يرصدون كل ما فيها لمحاولة تهشيم صاحبها وتهديم صورته أو للمطالبة بأن تكون منصفة ..أهي مهمة أم غير مهمة أريد على صعيدي الشخصي أن أعرف.
فإذا استقر حكم القيمة تجاهها ..ربما أفكر من جديد في تقديم حكاية تنال الاعتراف لا التكريم على أقل تقدير .
- هل كتب سامر رضوان "سيناريوهات " بعد الثورة ؟
نعم اشتغلت على أكثر من عمل لكن بتوجه مختلف ..وبصحوة تناسب التلفزيون بعد أن تحررت من أوهامي تجاهه.
- كيف انعكست معارضتك على ظروفك المعاشية ووضعك المالي ؟
كلنا تأثرنا ..ولولا حفنة صغيرة من المدخرات لأصبحنا في وضع يستحق الشفقة ..ولا أتحدث عني فقط ..بل عن عدد من الأسماء المحترمة التي قررت الابتعاد عن مؤسسات النظام والخروج إلى مكان يقيها شر الأذية ...وهنا لا بد من تعقيب صغير حول مصطلح معارضة ..في سوريا لا معنى لهذا المصطلح لأن وجوده بحاجة إلى مستلزمات ..ما فعلناه وما فعله خصومنا هو موقف أخلاقي من الزاوية التي نرى فيها الأشياء وليس موقفاً سياسياً ..المعارضة هي اتجاه سياسي معرفي وليست خصومة أخلاقية
- هل طلبت شركات إنتاج، وإن عربية نصا من السيناريست رضوان وكيف تنظر للعمل مع الأشقاء وخاصة المصريين، هل يأخذ الفنان السوري حقه
لم تتوقف المفاوضات حول الاتفاق معي على إنجاز مسلسل تلفزيوني طوال السنتين الماضيتين ..لكن الكثيرين يرون الشروط التي أضعها لإتمام هذا الاتفاق قاسية ولا تناسب وجهة نظرهم عن دور كاتب الدراما التلفزيونية ..فقد جرت العادة أن يستقدم نص لكاتب لقاء مبلغ مالي ، على أن يجلس بعدها منتظراً نتيجة عمله مثله مثل أي مشاهد لا علاقة له بالصناعة لا من قريب ولا من بعيد ..وهذا ما لا أرضاه لي ولا لغيري من الزملاء ..فأنا شريك في الصناعة بكل ما فيها ..ورأيي الفني ينبغي أن يؤخذ في الحسبان ..وعندما لا أجد شركة تعي هذا الفهم للتعاون ولروح الفريق في الإنجاز ..أفضل الغياب على أن أحضر كمتفرج.
- هل وصل الحال بالفنانين للتنازل عما كانوا يعتبرونه خطاً أحمر، فشاركوا في أعمال كرمى "بدنا نعيش" .
من دون شك ..ولا أستطيع أن أعتب على أي من الأسماء الكبيرة التي لم تقدم ما يناسب حجم تاريخها ..فالظرف العام حتم عليها دخول أماكن لا تليق بها ..وأتصور أن لا مجال لتصحيح هذا الوضع ما لم تتم تسوية سياسية تعيد للدراما ألقها وسمعتها.
- أخيراً..هل فكرتم ككتاب لتأريخ الثورة درامياً أو شعريا أو روائياً..وما سبب غياب العمل الفني السوري خلال الثورة..أقصد من المعارضين .
اعترض على فكرة التأريخ داخل الفن بشكل مطلق ..فالتأريخ له مواضع أخرى..أنا مع الارتطام بالحدث وتشكيل وجهة نظر فنية عنه وليس أكثر من ذلك.
شعرياً أفعل ما تتفضل بالسؤال عنه من وجهة نظر ليست تأريخية ..أما درامياً فقد دخلت وحل السعار السياسي وأحسست أن ما نالني يكفيني ..وكل من سيدخل سيناله ما نلت وإن بدرجة أقل ..لأنني تلقيت الصفعة أولاً ..أما لماذا يغيب العمل الفني المعارض فلا أتصور أن هذا الرأي دقيق ..فالعمل الثوري لا يرى بعين واحدة كما يتصور البعض وكما يريد مستجدو العمل السياسي والنضالي ...فلو راجعت السنوات الماضية وما أنتج فيها ، ربما سيكون للمتفحص العارف رأياً آخر .
زمان الوصل - خاص
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية