أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

عندما تصبح الرقة خاضعة لديوان الحسبة

رجال الحسبة أعطوا صورة سيئة للدولة التي يسعى التنظيم لبنائها - وكالات

عندما تصبح الرقة خاضعة لديوان الحسبة أينما حلت سيارة الحسبة، يتوجس المواطنون من شرها..فلا ديوان الحسبة، أو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي إحدى مؤسسات تنظيم الدولة الإسلامية البارزة، التي تعطي انطباعاً عن الدولة التي يسعى التنظيم لإرسائها. واختلفت مهام الحسبة وصلاحيتها عبر العصور الإسلامية، أما عند التنظيم فتكاد تقتصر مهامها، على تنفيذ التعليمات الصادرة عن قياداته، بالإضافة إلى مسؤوليتها عن محاسبة المقصرين بالأحكام الشرعية، والمخالفين لها.

يقول الشرعي أبو عمرو الأنصاري: "الحسبة فرض شرعي على الأمة، فلا بدّ من وجود فئة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسهر على إقامة شرع الله، وحسن تطبيقه". فهي تحاسب المتخلفين عن صلاة الجماعة، والمفطرين في رمضان، والمخالفين للباس الشرعي، وبائعي الممنوعات كالدخان وما شابه. كما أنها مسؤولة عن أمور "كبرى" كشتم النبي، وسب الذات الإلهية، وغير ذلك من تصرفات يراها التنظيم مخالفة للشرع، وكل ما يفرضه التنظيم من تعليمات.

بدأت الحسبة بصورتها الحالية في مدينة الرقة، وهي تضم عناصر نسائية من المهاجرات والأنصاريات "السوريات"، ويتخصصن بما يتعلق بالنساء. ويختلف قبول الحسبة من منطقة لأخرى، حسب أميرها في تلك المنطقة. ويقوم بالحسبة أي عنصر من التنظيم، وما زال الأمر على هذه الحال، بدعوى "من رأى منكم منكراً فليغيره"، لكنّ ذلك كان مقتصراً على الأمور العامة.

وعندما أصبح هناك جهاز متخصص بالحسبة، بدأ المواطنون يتضايقون، يقول المدرس أبو محمد من الرقة: "رجال الحسبة أعطوا صورة سيئة للدولة التي يسعى التنظيم لبنائها، فهم يدّعون بأنها تسعى لإقامة شرع الله، لكن المتتبع لتصرفاتهم يجد أنها تقوم على ظلم الناس، والتدخل بتفاصيل حياتهم اليومية باسم الشرع". ومن الناس من يرى أن الحسبة تتعسف في تصرفاتها بدعوى إقامة الشرع، يقول صاحب محل الأقمشة أبو مهند: "من الطبيعي أن تكشف المرأة عن وجهها عند شراء سلعة ما، ولا سيما إذا كانت لباساً أو قماشاً وما شابه، وهذه جريمة تستوجب معاقبة صاحب المحل، وقد تعرّض الكثير من جيراني لعقوبات. لذلك تلاحظ أنّ كل المحلات تضع عبارة: أختي تحجبي قبل أن تدخلي".

ومن المآخذ على الحسبة، استعمال القسوة والشدة مع الأهالي، فعملها يقوم على الترهيب لا الترغيب، يقول البائع في سوق منبج المركزي، عمار: "انظر للباس المواطنين تجدهم جميعاً يرفعون البنطلونات خوفاً من تعرضهم للمخالفة والعقوبة، وقد وصل بهم الأمر لجلد أحد الشباب بدعوى ارتدائه بنطالاً ضيقاً، رغم أنه بِعرف أهل البلد بنطال عادي، وهذه ليست حالة فردية". ويضيف عمار: "أجبر تنظيم الدولة كثير من المخالفين في أمور الحسبة، على تسوية القبور في مقابر المدينة، لتستوي بالأرض. لأنه بادعائهم أن كل ما هو فوق الأرض حرام".

وعند حضور الصلاة في المساجد الكبرى، يتفاجئ المرء، بعدد الذين يحضرون الدروس الدينية التي يلقيها مشايخ التنظيم، ويثير الاستغرب أنّ جلَّ الحاضرين من حالقي اللحى، يقول معاذ أحد الحاضرين: "أجبرني التنظيم على حضور عدد معين من الدروس الدينية لأني قمت بحلاقة ذقن أحد الزبائن في محل الحلاقة، ولكل من هؤلاء مخالفة معينة". فالحسبة تحاسب بالغرامة أو السجن أو حضور دورة شرعية، أو عدد معين من الدروس. وعن سجون الحسبة يقول معاذ: "اعتقلني التنظيم من أمام بيتي، وقت الصلاة، وسألوني عن بعض الأمور الشرعية والصلاة، وقادوني إلى مركزهم، ومن ثم إلى السجن، وكان معظم المساجين قد ارتكبوا مخالفات بسيطة؛ كالتدخين بالشارع، وعدم اغلاق المحل وقت الصلاة، وعدم حفظ الفاتحة، أو التحيات، وغيرها من الأمور البسيطة". أما تعامل التنظيم مع المعتقلين فيقول معاذ: "معاملتهم معنا جيدة، كلها دروس شرعية، وصلاة، والأكل جيد، ولا يوجد تعذيب. طبعاً نحن نختلف عن السجناء الأمنيين الذين يتعذبون على مدار الساعة، وبشتى أنواع التعذيب".

ويقوم رجال الحسبة بعملهم، من خلال تجولهم بسيارة الحسبة، المزودة بمكبرات الصوت. وقد أصبحت سياراتهم أشبه بسيارات الأمن السوري. فأينما حلت وتوجهت، يتوجس المواطنون من شرها، فلا يوجد ضوابط واضحة ومحددة لصلاحيات الحسبة، أو للمخالفات الشرعية، التي غالباً ما تخضع لهوى العناصر. يقول خطيب الجامع السابق من ريف حلب الشرقي، الشيخ زكريا: "الحسبة بدلاً من سهرها على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تقوم على إرهاب المسلمين وتخويفهم. وهي أبعد ما تكون عن وصف الله للمؤمنين بأنهم رحماء بينهم". فالتنظيم يحاول إقامة الشرع بالخوف، يتابع الشيخ زكريا: "بدلاً أن تصبح كلمة الله أكبر والصلاة مبعث طمأنينة، صارت مصدر رعب وخوف. فترى الخوف وقد ارتسم على الوجوه من الحسبة".

ويؤخذ على الحسبة تتبعها لعورات المواطنين، وعدم مراعاة الحالات الخصوصية، فهم يطالبون كل النساء بالمحرم، حتى في الزيارات القصيرة. وتطالبهن الحسبة بالحجاب دون مراعاة بعض الأمراض أو السن، يتابع الشيخ زكريا: "من أخطر ما تمارسه الحسبة كشف العورات، وفضح الخصوصيات، فكثيراً ما يجبرونك على فتح جوالك للاطلاع على صور وأشياء خاصة، وأحياناً يصادرون الهاتف ليبقى أياماً عندهم، وهذا ما لا يجوز شرعاً، وقصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مع الشباب الذين ضبطهم في حالة سكر مشهورة".

وقد أدت هذه الممارسات إلى حصول صدامات بين المواطنين والحسبة، وصلت إلى حد الاشتباك وإطلاق النار، ووقوع ضحايا، كما حدث في إحدى القرى شرقي مدينة منبج، عندما اعتقلوا نساء من إحدى القرى ما تسبب في مقتل شخصين، أحدهما من الحسبة، والآخر من القرية.

عن "المدن"
(246)    هل أعجبتك المقالة (205)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي