فتح الكاتب والمترجم السوري المعارض"نبيل المجلي" خزانة أسراره وكشف لـ"زمان الوصل"عن مواقف وقصص عايشها شخصياً مع بعض الخبراء الروس الذين كان يرافقهم كمترجم إلى الثكنات والمواقع العسكرية السورية، قبل أن يتم طرده بعد اتهامه بالانتساب إلى جماعة الإخوان المسلمين، ويُمنع من السفر لمدة 20 عاماً بسبب هذه التهمة إلى جانب منعه من العمل في أية وظيفة أخرى.
وروى الكاتب المجلي الذي غادر مدينته القنيطرة بعد وقوعها بيد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 أنه التحق بالعمل كمترجم في وزارة الدفاع السورية بداية الثمانينات، بعد تفوقه في اختبار اللغة الأجنبية الإنكليزية واللغة الروسية في المعهد العسكري للغات بإدارة اللواء "أسعد الحكيم" وعمل فيما بعد مرافقاً للخبراء الروس إلى القطع العسكرية والعمل كصلة وصل مع الضباط والعسكريين السوريين، وأحياناً كان يُكلّف بترجمة أسماء القطع والأدوات العسكرية".
تجربة المجلي تلك التي امتدت لسنوات كانت غنية بالتفاصيل منها ما هو مؤثر ومنها ما هو مضحك وبعض هذه التفاصيل يكشف عن هشاشة "الجيش الأسدي" وميل ضباطه للخداع والمراوغة.
ويتابع أن "الخبراء بدورهم كانوا خبثاء ويعرفون أن النتائج سيئة بالفعل، لكنهم لا يملكون إلا الورق الذي بين أيديهم، وهم يريدون النتائج الحقيقية"، وهنا–كما يكشف المجلي- اقترحوا عليه التعاون معهم كجاسوس- وإعطائهم النتائج الحقيقية لكنه رفض "لم يكن لي مصلحة لي في هذا السلوك، وإن كنتُ ضد النظام، لأنني لن أكون محترماً حتى في عيون الروس، لذا رفضت ذلك رفضاً قاطعاً".
*سجن اختياري
كلف أحد قادة كتائب القوات الخاصة المترجم المجلي أن يكتب بالعربية أسماء أجزاء العربة (B.M.B) على لصاقات صغيرة وإلصاقها على الأجزاء داخل العربات التابعة له واحدة واحدة؛ وتركه الضباط والعناصر بمفرده.
ويروي المترجم المجلي تفاصيل ما جرى على سبيل النكتة قائلاً:"يومها أُغلق عليَّ باب إحدى العربات وأنا أعمل، فصرت في ظلام دامس، ولا مصباح معي، ولا أعرف كيف يُفتحُ الباب الثقيل من داخل العربة، وجدران العربة سميكة، ولو أنني صرخت بأعلى صوتي، لما سمعني من يقف بجانب العربة لسماكة جدران العربة".
وتابع: لكن الله تداركني ووصلت إلى قبضة الباب رغم الظلام واستطعت فتح الباب والخروج". وحينما أخبر الضباط ما حدث معه، ضحكوا كثيراً من هذا الموقف.
*نسيت اللغة الروسية
وروى المترجم المجلي موقفاً طريفاً لأحد الخبراء القدامى الذين يعرفون العربية: "بعد نقله إلى قطعة عسكرية جديدة. ادعى أنه لا يعرف العربية، وبقي مدة من الزمن وهو يعيش مع الضباط السوريين الذين يسخرون منه ويشتمونه بالشتائم الرذيلة، وهم يظنون أنه لا يعرف ما يقصدون".
ويردف المجلي: "الطريف أن الخبير المذكور الذي نقل لي القصة كما حصلت معه كان يسجل كل ما يقولونه وبعد مدة صارحهم بأنه يعرف العربية وأنه يأسف لأنهم بهذا المستوى من الأخلاق السوقية".
وتخللت تجربة المترجم المجلي مع الخبراء الروس مواقف ومفارقات أخرى، ومنها أن أحد الخبراء أرسل إليه سيارة جيب عسكرية لإحضاره من منزله للقيام بزيارة إلى إحدى القطع العسكرية، كما هي العادة "كنت آنذاك في حالة نفسية سيئة لأنني أتوقع أن يطلبني الأمن في أية لحظة، على خلفية نشاط إخوتي مع المنظمات الفلسطينية".
ويتابع المجلي:"ما كان مني إلا أن كتبت لكبير الخبراء، على قصاصة ورق وبالروسية ما معناه "لقد نسيت كل شيء عن اللغة الروسية".
وحين وصلت الرسالة إلى الخبير قال لمن حوله "هذا نبيل لا يريد أن يعمل اليوم، دعوه إلى أن يرتاح".
*ليست مهمته قتال اسرائيل
لم تكن علاقة الخبراء الروس بجيش النظام مبنية على الاحترام والثقة -كما يؤكد المجلي– لأن هؤلاء الخبراء "كانوا يعلمون تمام العلم أن هذا الجيش يقوم على الكذب والتزوير، وأن الرجل المناسب فيه يوضع في المكان غير المناسب"، لكنهم -حسب المجلي- "مضطرون لبيع السلاح وهم على يقين من أن
هذا الجيش ليست مهمته قتال إسرائيل".
وكان هؤلاء الخبراء –كما يؤكدالمجلي- يقدمون لحكومتهم تقارير شهرية عن كل نشاطهم في القطع العسكرية، وبالتالي، فإن الشيء الطبيعي أن حكومتهم على اطلاع كافٍ ووافٍ على حالة الجيش مادياً ومعنوياً وحتى يعرفون ما يأكل الجنود".
وعلى خلاف ذلك كانت علاقة المترجم "نبيل المجلي" بالخبراء الروس مبنية على الثقة والاحترام، "لم يكونوا يتحاشون مشاركتي في أحاديثهم الجانبية، وكأنهم يعتقدون أن من يتكلم لغتهم يعتبر واحداً منهم فلا يخفون عنه شيئاً، ومن هنا أتيح لي أن أسألهم أسئلة خاصة وأتلقى منهم إجابات صريحة".
ولدى سؤاله عن طبيعة هذه الأسئلة والإجابات روى المترجم المجلي لـ"زمان الوصل" قصة كان شاهداً عليها في إحدى الثكنات العسكرية:"أثناء أحد البيانات العسكرية التطبيقية، وكان الضابط المنفذ "علي زيود"، سألت أحد الخبراء:"أنا أستغرب، أنكم تعلمون أننا أصحاب الأرض، وأن إسرائيل كيان غاصب ومعتدٍ، ومع ذلك فأنتم لا تساعدوننا بما فيه الكفاية لإزالته من الوجود"، فما كان منه إلا أن قال: "رسمياً، لا أحد يمكن أن يؤيدكم في إزالة إسرائيل من الوجود، لا روسيا ولا أية دولة أخرى. لكن شخصياً، أجيبك كصديق، حين تقومون بجهودكم الفردية وتزيلوا إسرائيل، عندها تفرضون إرادتكم على الجميع".
*نجح ولكنه راسب
مع بداية الثمانينات بدأت المخابرات بملاحقة كل من تظهر عليه علامات التدين من لحية وغيرها، وكان الكاتب والمترجم "نبيل المجلي" أحد هؤلاء فتم استدعاؤه بعد تقرير أمني يزعم أنه من جماعة الإخوان المسلمين يقول المجلي "كانت تهمة الانتماء للإخوان المسلمين هي التهمة الجاهزة لدى المخابرات السورية أثناء أحداث الثمانينات ويتابع قائلاً: "آنذاك أوقفت، وسجنت، وفصلتُ من عملي تعسفياً، ولم تتم إعادتي حتى بعد أن حكمت محكمة أمن الدولة ببراءتي، ولم يجر تعويضي، ومنعت من السفر المدة المذكورة عشرين عاماً، كما منعت من الوظائف في الدولة".
ويستطرد المترجم المجلي:"تقدمت إلى ثلاث مسابقات لاختيار مدرسين للغة الإنجليزية وكل مرة أنجح في الاختبارات وأرسب عند الأمن".
ويصف المجلي حالة التضييق عليه آنذاك من قبل المخابرات: "كانوا يريدونني أن أموت من الجوع أنا وزوجتي وأولادي، وحتى عندما تقدمت بطلب الموافقة على فتح روضة للأطفال، رفض طلبي، وقيل لي لا نريد أن تخرج لنا إخواناً صغاراً، علماً بأنني لم أنتمِ إلى الإخوان ولا لأي حزب من الأحزاب يوماً".
فيما بعد ومع بداية الثورة كان على المترجم "نبيل المجلي" أن يدفع ضريبة معارضته المبكرة لنظام الأسد بفقدان ابنه "شهيداً" تحت التعذيب وهو الذي شارك بالثورة السلمية ولم يحمل السلاح".
و"نبيل المجلّي" قاص ومترجم يحمل إجازة في الأدب الإنجليزي من جامعة دمشق 1984، ودبلوم في فن كتابة السيناريو من الجامعة الأمريكية في القاهرة 2004 -عضو اتحاد الصحفيين العرب- عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب- عضو الجمعية الدولية للمترجمين العرب -عضو اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين يكتب القصة، وقصة الأطفال، والنقد الأدبي، والبحث العلمي، والمحاضرة. حاضر في مجال التراث العربي واللغوي في المراكز والمنتديات الثقافية.
وترجم عن اللغات: الإنجليزية والروسية واللغة الدولية"الإسبرانتو" العديد من الكتب.
فارس الرفاعي- زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية