أصبح من الواضح أن التحولات الدولية الجديدة المتعلقة بالقضاء على تنظيم "الدولة الإسلامية" تحمل تغييرا على الساحة السورية على الصعيدين العسكري والسياسي، ولكن إلى أي مدى قد يكون هذا التغيير مجديا للسوريين ليتمنكوا من الاستفادة منه لنصرة ثورتهم بدءا من توحيد صفوف الجيش الحر تحت مسمى "الجيش الوطني"، إلى اتخاذ موقف سياسي يجمع أشلاء المعارضة السورية التي أثبتت فشلها في إبجاد حل سياسي يرتقي لأهداف ثورة الكرامة.
فمن الضرورة التي يفرضها الواقع الراهن استقلالية القرار السوري سياسيا وعسكريا من بعض الارتباطات الخارجية، والتي ساهمت بشكل أو بآخر في إطالة عمر الأزمة السورية على حساب دماء السوريين، وإذلالهم وتهجيرهم، فلا بد من توحيد جهود الوطنيين من السياسيين والعسكريين والتنسيق مع بعض القوى العربية لمحاولة الإسراع في إنهاء الحرب والقضاء على تنظيم "الدولة"، فكلما اختصر الزمن قلت معاناة السوريين، ولكن سؤال معظم السوريين في ظل التطورات على الساحة الدولية، ما هي أفضل الطرق السياسية التي تنقذهم وتفتح أفقا جديدة لتحقيق أهدافهم التي ثاروا من أجلها؟
حول هذه الأفكار وغيرها حاورت "زمان الوصل" جبر الشوفي عضو الائتلاف السوري المعارض، وعضو إعلان دمشق، الذي يعتبر من أكثر السياسيين الذين قدموا آراء واضحة حول الحرب على تنظيم "الدولة"، كما كان له رأيه الصريح حيال ما يجري في محافظة السويداء، وما يهددها من أخطار قد يكون التطرف أهم أسبابها، فإلى نص الحوار:
*انعكس القرار الدولي لمكافحة الإرهاب في العراق وسوريا على الواقع الميداني السوري الداخلي، وبرزت تجليات هذا الانعكاس ببدء تجمع وتوحد العديد من القطع العسكرية، ونزوعها باتجاه الوسطية هل ينطبق هذا التطور على الوضع السياسي الداخلي لسوريا، وكيف ذلك؟.
**يجب أن تلتقي قوى المعارضة السياسية، في مؤتمر بات الجميع مقتنعاً بضرورة انعقاده، على أوسع نطاق ممكن، وذلك للاتفاق على منهجية عمل واحدة للمرحلة القادمة، باعتبارها مرحلة الحرب على الإرهاب والعمل على اجتثاثه بضرب كل مرتكزاته، العسكرية والمالية والإيديولوجية ومنع استمرار تسربه عبر الحدود المفتوحة، وخلخلة البيئة الحاضنة له ومن ثم إقفالها في وجهه، وذلك لا يكون إلا بعمل منهجي مدروس ومتكامل لقطع جذور الإرهاب إلى غير رجعة.
ولا بدّ لقوى المعارضة السياسية من إنهاء مرحلة التشتت والارتهان للخارج، وبما يمكنها في المرحلة القادمة، مرحلة الحرب على الإرهاب، من القيام بدورها، في ملاقاة جهد وخطط الحلف الدولي في مواجهة ودحر قوى الظلام، وللضعط على هذا التحالف، لجعل ضرباته ممنهجة ومدروسة، بالتوافق مع محددات وضوابط وطنية، تحددها مصلحة الشعب السوري، في نيل الحرية وإقامة دولته السيدة الموحدة الحرة، دولة الحق والقانون والعدالة، ويمكن أن يتوافق المؤتمرون، على بنود أهمها أثناء محاربة "داعش" وقوى التطرف:
أ- رفض أي تنسيق مع نظام الأسد، واستمرار الضغط عليه ومحاصرته للقبول بالحل السياسي، بالتزامن مع هذه الحرب، ووفق مقررات جنيف، التي يعاد إحياؤها من قبل المبعوث الجديد "ميتسورا".
ب – أن تشمل الحرب على الإرهاب كل أشكاله السنية والشيعية، وإخراج القوى الشيعية وإرهاب الدولة ممثلة بممارسات النظام وجرائمه المتعددة.
ج- إن تطويل أمد الحرب والاكتفاء بالضربات الجوية يزيد من معاناة السوريين، لذا يجب إشراك قوات عربية تشكل بقرار ممن جامعة الدول العربية، إلى جانب قوى للجيش الحرّ والمعارضة المعتدلة، لمحاصرتها من الأرض والجو وإنهائها لوجستياً وعسكرياً.
د- العمل على حصر المعركة جغرافيا، بما يبعد أو يقلل إلى الحد الأدنى الخسائر المدنية والأضرار، أن تكون المعارضة متواجدة في ساحة الفعل السياسي والعسكري، وأن تثبت مصداقيتها وحرصها على الاستقلال النسبي لقرارها ولدورها، بما يخدم تطلعات الشعب السوري، ويساهم في تذليل الصعوبات، في الطريق إلى تحقيق أهداف ثورته في الحرية والعدالة والديمقراطية.
بين إسقاط النظام والحل العراقي:
*هل ترى أن شعار إسقاط النظام بكافة رموزه مازال ممكنا في ظل الواقع السياسي الراهن؟
**إن تداعيات الحالة السورية، متضمنة أساليب النظام بما فيها من جرائم التطهير المذهبي وعمليات التهجير وحصار الموت جوعاً، إضافة إلى اتباعه استراتيجية طائفية مفتوحة على القوى الإقليمية، ومواجهتها بقوى ظلامية كتنظيم"الدولة" وغيره وكذلك إفشاله لكل الحلول السياسية بما فيها جنيف2 والذهاب بدلاً من ذلك إلى مهزلة انتخابية بمن حضر من الأتباع، يجعل من المستحيل موضوعياً الاكتفاء برأس النظام، فالمطلوب رحيل كل أركانه المجرمين والقتلة، وإقامة التغيير السياسي الذي قام السوريون بثورتهم من أجله، وهذا لا يعني رفض الحلول بوجود رموز من النظام السابق لم تلوث بالفساد والدم، وعلى العموم أي حلّ يطرح، لا بدّ من دراسة مفصلة ودقيقة لشروطه وتحدياته وإمكانيات التوافق عليه، أما الكلام في العموميات، فهو لا يشكل إلا إعلان عن توجه وتوفير إمكانية للبحث في الحلول.
*هل أصبح الحل السياسي السوري أقرب إلى صيغة الحل السياسي العراقي الذي اختصر بإقالة المالكي بما يحمل من اعتبارات سياسية؟
** لا يمكن تفصيل حل عراقي له ظروفه على الحالة السورية المختلفة.
*هل آن الأوان لظهور مؤسسة سياسية سورية وطنية المرجعية وتحمل رؤى وتطلعات مشتركة وموحدة ذات برنامج سياسي توافقي ومكتمل خالي من التناقضات؟
**لقد تأخر الأوان كثيراً ودفعنا ثمنه مزيداً من التشرد والقتل والتدمير، ومزيداً من الإذلال للسوريين في بلدهم وبلدان اللجوء، فقيام مؤسسة سياسية سورية جامعة، تمثل حقيقة الشعب السوري المتطلع إلى الحرية والتغيير السياسي، من أهم ضرورات المرحلة، للتخلص من تشتت الولاء للخارج، واستقلال القرار الوطني السوري، والدخول بقوة إلى المجتمع الدولي، وبقوة في كل مجالات تمثيل وقيادة النضال الوطني، فلقد قتلتنا عنتريات الأفراد وصراع الديكة وثبات الرموز حتى أصيب بعضها بالتعفن، من دون أن يترك مكانه أو يسعى لتجديد دمائه.
السياسة صوت العقل:
*هل ترى أن الكتل والتجمعات والأحزاب التقليدية ومن بينها "إعلان دمشق " قادرة على أن تلعب دورا ما في المرحلة القادمة؟.
** في مسار الدم والصراع وطغيان صوت الرصاص والدمار على كل صوت، لم تهمش السياسة فحسب، بل همّشت كل الفعاليات المدنية والأهلية، مما ألحق ضرراً كبيراً بالثورة السورية وتركها ترتهن للمال السياسي والسلاح المذهبي، بدعم مباشر من الخارج، والآن يتضح وكما في كل صراع بيني أو مع الخارج، أنّ الحل السياسي هو المآل، إذ إن الحل العسكري، يسعى لاختطاف الثورة وفرض أجندات غير وطنية (إمارة –خلافة –دويلة)، ولا بدّ للعودة إلى السياسة بوصفها صوت العقل، وخلاصة الحكمة والتوافق المدني المجتمعي. لكل القوى السياسية والمدنية دور في الحلول، يتناسب مع إمكانياتها وقوة حضورها، و"إعلان دمشق للتغيير الديمقراطي" قوة من هذه القوى، عانى طويلاً ما عاناه من اعتقال وتضييق وإضعاف، ولكنه لم يتوانَ عن مناصرة الثورة والالتزام بأهدافها ودعمها بكل ما يستطيع، بل كان من المبشرين بها والداعين لدعمها، منذ بيانه قبيل اشتعال الثورة في 25-2 –2011.
والمشكلة الأهم أنه ليس هناك حتى الآن قوى سياسية حقيقية، ذات بنية تنظيمية وفكرية حديثة، يعوّل عليها، وما أعلن عنه أو هو في طور التشكيل، لم يثبت حضوره في الأرض السورية، فلا بدّ مع هذا الوضع، من مشاركة كل القوى السياسية الحية، وقوى المجتمع المدني والأهلي والحراك الثوري في أي حلّ، يفضي إلى التغيير السياسي في بلادنا، ولا بدّ من تحديث الهياكل السياسية القائمة، وهذا لا يتمّ إلا بعد الاستقرار وعودة الحياة الديمقراطية الطبيعية لبلادنا.
ضرورة تحريم القتال مع النظام:
*كيف ترى واقع السويداء اليوم في ظل الاعتداءات المتكررة عليها من قبل الجماعات المتطرفة؟ وهل تستطيع المؤسسة الدينية لطائفة الموحدين الدروز في السويداء أن تنفرد في تخليص المحافظة من مأزقها وتحافظ على انتمائها الوطني بعيدا عن الطائفية؟
**واقع السويداء مؤسف إلى حدّ بعيد، كنا منذ البداية ندعو لكي تأخذ السويداء دورها في المواجهة السياسية، لأن الغياب عن ساحة الفعل، سيتركها ساحة لاحتمالات متعددة ومجهولة، وعلى رأسها ألاعيب السلطة وشبيحتها والقوى المتطرفة، وبعض جماعات البدو المنفلتة من كل ضابط، لكن هذا كله لا يعفي زبانية النظام من المسؤولية، كما لا يعفي من لا يرون الحالة السورية إلا بعيون درزية ضيقة، بينما المطلوب الحكمة والروية، كان يجب القيام بدور اجتماعي عبر التواصل مع الجوار من البدو وغيرهم، والوصول إلى تفاهمات، تحصر اهتمام الجميع بالأمن والسلامة، وتحصّنهم ضد كل اختراق ونوايا مشبوهة وعناصر مدسوسة، وكان يجب قبل كل هذا إيجاد الوفاق الجبلي الداخلي، بمنع المغرر بهم من التطوع مع النظام والذهاب إلى قتل مواطنيهم تحت راية الأسد، وهذا الجانب كنا قد عملنا عليه ولم نوفق مع الواجهة الدينية والاجتماعية، بسبب ارتهان بعض رموزها للنظام وخضوعها لعطاياه وهباته وخدمة مآربه، حتى الآن، يجب كشف هذه العناصر وحصر تأثيرها، وتخويل أهل الحكمة والمصداقية، وإيجاد الحلول التي تحمي الجبل من أيّ اعتداء، ومنع شبابه أيضأً من أن يعتدوا على الآخرين، عبر تفعيل البادرة الطيبة من بعض رجال الدين بتحريم الذهاب للقتال، في صفوف النظام أو مع غيره، فالإجراءات الوقائية دائماً خير، من الذهاب إلى التسلح وإثارة الغرائز المذهبية، والانجرار خلف الفتن، وهذه الوقاية يجب أن يساهم فيها الجميع، وليس قسرها على الحلقة الدينية التي غالباً ما أثبتت فشلها، بل يجب أن تشمل كل الحريصين على السلم الأهلي وحسن الجوار، وحقن الدماء من كل الأطراف، وبالتأكيد يجب أن يكون للواجهة الدينية والاجتماعية التقليدية الشريفة، وشباب الحراك الثوري وممثلي المجتمع الاهلي دور مهم في كل ذلك.
سارة عبد الحي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية