مع بداية الثورة كان الأديب والباحث د. "محمد جمال الطحان" يظن أن أولويات الاعتقال لدى السلطة قد اختلفت، ولم يكن يعلم أن استئصال الفكر سيستعر لديها أكثر من اعتقال المتظاهرين، رغم أنه كان يتوقع اعتقاله في كل لحظة بسبب كتاباته الجريئة التي تعرّي الفساد والاضطهاد وجبروت السلطة خلال عشرين عاماً من تجربته، فدفع الثمن متأخراً اعتقالاً مريراً في أقبية سجون نظام الأسد استمر لأشهر بتهمة "النيل من هيبة الدولة"، وتأسيس "التنسيقية الأولى بحلب"،و"تزويد الناشطين بأجهزة اتصال فضائي -الثريا"، دون أن يزحزحه ذلك قيد أنملة عن مبادئه ودعواته لممارسة فعل الحرية بأقصى معانيها، ومحاربة الاستبداد والطغيان الذي يقوى بدعم المقهورين كما يقول في هذا الحوار مع "زمان الوصل" الذي يستعيد فيه صوراً مؤلمة من تجربة اعتقاله ويشرّح فيه مفاهيم "المثقف" و"الثورة" و"السلطة":
*حدثنا عن ظروف اعتقالك أو اختطافك من المنزل، وهل كنت متحسباً لذلك أم كان الأمر مفاجئاً؟
كان يوماً لا يُنسى ولايُغتفر. في 18/7/2011 إثنان متخلّفان من حطب السلطة المجرمة يشبهان الجدار الأصم اختطفاني من باب البيت مساءً حين كنت أمد يدي للسلام عليهما، وضعاني في سيارة أجرة، ولم أدر إلى أي جهة يتبعان.
وأول ما نزلت القبو لمحت في الممر وجوه فتيان متورّمة وتملأ ثيابهم الدماء وما يزيد على 10 أشخاص يجلسون في الممر منهكين وفي أيديهم أوراق ويكتبون. كان الأمر مفاجئاً لم أتوقع حدوثه. ربما خلال 20 عاماً كنت أتوقع الاعتقال بسبب كتاباتي، أما مع بدء الثورة فظننت أن أولويات الاعتقال لدى السلطة اختلفت، ولم أكن أعلم أن استئصال الفكر سيستعر لديهم أكثر من اعتقال المتظاهرين.
* كيف كانت هواجس وتداعيات الليلة الأولى في المعتقل وهل تعرضت للتعذيب أو الضغوط النفسية وكيف؟
- عرفت حينها أنني في مقر الشيطان، ولاملاذ لي سوى اللجوء إلى الله، وتحدّيهم. يريدون تيئيسنا وتخويفنا وتصييرنا جهلة والحصول على المعلومات منّا، وينبغي لنا التحلّي بالأمل والجرأة والاستغباء والصمت. ربما يوم أو يومان مضيا وأنا أسمع أصوات التعذيب والولاويل، يُفتح باب الزنزانة عليّ ثلاث مرّات لوجبات الطعام ومرتين للذهاب إلى المرحاض، بعد الإفطار وبعد العشاء بنصف ساعة. أمّا المرّات الأخرى التي كان يفتح فيها الباب فكنت أساق معصوب العينين ومقيّد اليدين ليعطيني المحقق درساً مقتضباً في الوطنية والإخلاص، ويهدّدني بعذاب شديد ينتظرني إن لم أكتب شيئاً جديداً مفيداً في إفاداتي. يعودون إلى السيرة ذاتها، أوراق وقلم...وأعيد كتابة ماكنت قد كتبته أكثر من عشر مرّات.
أوقفوني أمام الباب وغادر السجان بعد أن أوصاني أن أبقي وجهي إلى الجدار إلى حين يسمح لي أحد بالدخول. كانت الأصوات في كل مكان، استقبال وافدين بالضرب والشتم، وإحدى غرف التعذيب تُفتح وتُغلق، فيرتفع صوت ما بداخلها حيناً، ويخفت أحياناً.
في غرفة التحقيق لم يكن هناك شيء سوى الضرب. لم يكن ثمة استجواب إنما ضرب متواصل فقط. من شق الباب الموارَب رأيت أحدهم يُدفع على الأرض. ربطوا قدميه ورفعوهما وبدؤوا يضربونه بالكرباج، وكانوا كلّما صرخ زادوا وقع الضرب وسرعته أكثر. بعد نصف ساعة رموه بين قدميّ اللتين لم أعد أقوى على ألمهما من وقفتي الطويلة. نظرت إلى قدميّ الشاب الذي رموه أمامي، رأيتهما متورمتين بشكل مخيف لم أر ما يشابه ما جرى لهما طوال حياتي. جاء شاب صغير من السخرة وهو يحمل طشطاً متوسط الحجم يصعد اللهيب من الماء الساخن فيه. وضع قدميّ المصاب فيه، فبدأ يصرخ صراخاً مرعباً، أحسست معه أن شيئاً يُقتَلَع من قحف رأسي. بعد قليل رأيتهم يجرجرون الرجل المسنّ بكلابيته الفضية. عمره يقارب الستين، ومن شبّاك زنزانتي كنت قد عرفت أنه سائق متّهم بنقل المتظاهرين من عندان إلى حلب، ومن ثقب طاقة باب الزنزانة كنت أراهم، كلّ يوم بعد منتصف الليل يسحبونه من يديه وتنسحل رجلاه اللتان لا يقوى على السير بهما. الآن أرى علائم الكهولة على وجهه. وضعوه داخل التواليت، وتكرر ضربه على قدميه بجنزيرة تحمل حلقات صدئة، ثم طلب منهم شخص من داخل غرفة التعذيب أن يصلبوه. ثبّتوا يديه بباب حديدي، وتم رفعه لتبقى أطراف أصابع قدمية تلامس الأرض، وبدأ التفنّن بضربه من كل الجهات وبكل الطرق، بطريقة عشوائية تبيّن حقداً عليه، بالرفس وبالصفع و بالكرباج. صراخه تواتر في علوّه، حتى أنهم هم أنفسهم لم يعودوا يحتملون فظاعته، فكمموا فمه بلاصق عريض. كأن صوت القيامة تهدر، بدأت تهدر في دمي. صرخت بصوتٍ عالٍ: حااااااااج. وخرج فجأة من باب غرفة التعذيب ثلاثة وحوش مدججين بالسلاح والرعب يتوضّع على عيونهم.
• هل عُرضت بعد اعتقالك على القضاء وما هي التهم التي وُجّهت لك؟
لا لم أعرض على القضاء ولم تتم إدانتي بشيء ولم أعترف بالتهم الموجهة إلي: "المشاركة في تأسيس التنسيقية الأولى بحلب، تنظيم المظاهرات، تزويد الإعلاميين بأجهزة تصوير وتسجيل وخمسين جهاز اتصال فضائي (ثريا)، النيل من هيبة الدولة".
• روّج النظام أن محافظ حلب ولدى ذهاب عائلتك إلى مكتبه للتأكد من شائعة موتك داخل المعتقل قام بحجز بطاقتي سفر جواً لذهاب أقاربك إلى دمشق وترتيب لقاء معك داخل المعتقل، ما حقيقة ما جرى آنذاك؟
لم تذهب عائلتي إلى مكتبه طوعاً بل اضطر إلى استقبالهم بعد عدة مظاهرات واعتصامات أمام المحافظة وقيادة الشرطة قادتها زوجتي، بالإضافة الى قيام عدة مظاهرات تطالب بالإفراج عني والكشف عن مصيري، ومظاهرات تحمل لافتات باسمي وبأسماء بعض من اعتقلوا معي في ريف حلب، وأمام دار الكتب الوطنية وفي كلية الصيدلة بحلب كان حكيماً قياساً إلى سواه وأراد استيعاب غضب حلب، حجز بالطائرة لأربعة من أهلي لزيارتي.
في مقر الشيطان !
• كيف عشت الشهور الخمس داخل المعتقل وهل كان من السهل على مفكر وباحث مثلك أن يتأقلم مع عالم الأسر والإذلال داخل الزنازين وأنت الذي طالما كتبت عن الحرية؟
كما قلت لك، عرفت أنني في مقر الشيطان ولا ملاذ لي سوى باللجوء إلى الله، ومع الضربة الأولى، اكتشفت مكاناً مثاليّاً للصراخ بأعلى صوتي، حيث يمكنني ان أبكي من غير أن يتّهمني أحدٌ بالضعف أو بالجنون. مع كل ضربة عصا كنت أصرخ أعلى من الصرخة التي قبلها. لم أقل شيئاً، ولم أسألهم أن يكفّوا عن ضربي، كنت مستمتعاً بما أنا فيه إلى حدّ الشعور بأنّني أعزف سيمفونيّةً بصراخي، وكأنّ حريّتي تتجسّد الآن بأعمق معانيها، فأصرخ بملء طاقتي وأفجّر الكبت المختزَن داخلي منذ عقود. كان صوت المحقّق يصلني من بعيد: "إسّا مابدينا وعمّا تصيح متل قرد،كيف بقى لمّا نبدا"، لم آبه لما يقول، لأنّني مستغرقٌ بما أنا فيه، وبفلسفة الألم التي تحوّله إلى مجرّد إحساس زائل، مثل الشعور بالفرح. بل فوجئتُ عندما توقّف الضرب بعد ست ضربات فقط. أوقفني السجّان، وكنت في غاية النشوة، وكأنّني صحوت نشيطاً بعد حلمٍ جميل. يبدو أن الطمّاشة ومحاولة التلصّص من خلالها تُفقد المرءَ شدّة التركيز، لهذا آثرتُ أن أبقى مغمض العينين لأمعن في الظلام. هم يريدون أن ننتحر أو نجنّ أو نغدو موالين تماماً.
• كنت قد خرجت لتوّك من عملية استئصال لـ "ورم سرطاني" في المثانة، قبل أن يتم اعتقالك، حدثنا عن معاناتك الصحية، وكيف استطعت التغلب عليها داخل السجن؟
استعنت بالصبر وبالإصرار على الاستنارة بشمس الحرية. عندما خرجت اكتشفت أن المرض عاد لتوقف العلاج، وعاودت الاستئصال وتابعت العلاج حتى شفيت.
علماء حلب في القصر الجمهوري !
• ذكرت في تدويناتك لتجربة السجن أن الشيخ "صهيب الشامي" الذي كان مديراً لأوقاف حلب كان له دور من نوع ما في تجربة اعتقالك، فما حقيقة هذا الدور وهل كان متعاطفاً معك أم كان يؤدي ما يطلب منه النظام؟
لم يكن الشيخ صهيب حينها مديرا للأوقاف، وقصة زيارته هي أنني حين أخذوني الى الطابق العلوي كنت كالمذهول حين وقف شخصٌ واتّجه نحوي، سبقته رائحةٌ أعرفها وهو يعانقني. رائحةٌ آدمية ممتزجة بعطر غاب عن تنفّسي فترةً طويلة. فيه شيء من العالم العلوي..العالم الحقيقي الذي لاتغيّبه الأقبية.. شيء يشبه العمل الصالح الذي يأتي لينقذ المرء، وهو على الصراط المستقيم. عرفت العمامة غير أن الرأس التي تحملها فاجأتني. الوجه الذي توقّعت أن أراه اختلف. في مثل هذا الموقف وهذا المكان توقّعت أن أرى مفتي الجمهورية، الذي تربطني به علاقة قديمة في جامع الفرقان ثم جمعية العاديات وجامع زكريا، ثم احتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية حيث أدرت إعلامَها. كنت أتوقع أن يحفظ العِشرة وهو يعرف، عن قرب، من أكون وماذا لديّ، وما حجمي في المدينة. لكنّ الزائر لم يكن هو. بقي "أحمد حسون" يدور في فلك السلطة بعد أن استغرق في التصاغر والانحناء، فغدا التسبيح بحمد الرئيس بديلاً عن عبادة الله الواحد. مع اقتراب زوال مفاجأة الانتقال من العالم السفلي، بدأت ملامح "صهيب الشامي" تتضح ويذهب التوهّم أنه ليس هو. بدايةً أحسست أنني أرى ابنه. فلا أثر لشيب أو عامل من عوامل الزمن. لا بشرة مجعّدة، ولا تغضّن في الجبهة. جملتان منه كانتا كفيلتين كي أتأكد منه: بدأ الشيخ يشرح لي طبيعة زيارته: ذهب وفدٌ من علماء حلب إلى القصر الجمهوري، وطالبوا بالإفراج عن الشخصيات المعروفة من المعتقلين، وعن التنسيقيات التي اقتصر دورها على التظاهر السلمي، وعن الشباب الذين لم يرتكبوا ما يسيء إلى البلد وإنما كانوا يعبّرون عن آرائهم، ويطالبون بمكافحة الفساد. وكان رأي الرئاسة أن هناك فريقين: فريق السلفيين، وفريق التنسيقيات. السلفيون تابعون لمخطط خارجي تكفيري، ولايمكن الصفح عنهم، وأهل التنسيقيات مغرّر بهم، ويمكن دراسة أوضاعهم. وكان القصر الجمهوري متشدّداً ومستاءً بشكل خاص من الأشخاص المعروفين الذين ينبغي أن يقوموا بدور التوعية لمواجهة الهجمة الغربية على سوريا، لا أن يشكّلوا قيادات للمعارضة والتخريب. فهمت منه أن شخصيات متنوعة من حلب زارت القصر الجمهوري وطالبت بالإفراج عن رموز من حلب، وأن اسمي ورد ذكره أربع مرّات من وفود حلب إلى دمشق. وبخاصّة من الدكتور "ابراهيم السلقيني" والشيخ "بسام حجازي" الذي وضع يده على صدره وقال أنا أضمن الدكتور جمال بأنه من أعلام حلب الواعين، ولايمكن أن يكون قد اقترف خطأً. كما ذكر بعض الأشخاص الذين يعرف إخلاصهم للوطن. تابع الشيخ: بعد تعدّد الوفود، وزيارتي للرئيس، طلبتك وبعض الأسماء المعروفين بوطنيتهم منه، فكلّفني بزيادة السجن واللقاء بكم وببعض الأشخاص لمعرفة دورهم في الأحداث، والاعتراف بأخطائهم، والحصول منهم على تعهدات وكتب استرحام تمهيداً للإفراج عنهم.
كما تكونوا يُولَّ عليكم !
• توضح في تقديمك لكتاب (طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد) للعلامة "عبد الرحمن الكواكبي" أنّ المقهور كثيراً ما يكون دعماً لقاهره استناداً لقول الكواكبي: (المستبدّون يتولاّهم مستبدّ، والأحرار يتولاّهم الأحرار) وهذا صريح معنى: ( كما تكونوا يُولَّ عليكم). إلى أي حد تصدق هذه الرؤية على ما حصل ويحصل في سوريا اليوم؟
نعم المقهور كثيراً ما يكون دعماً لقاهره فلو لم تكن علاقات الناس الاجتماعية فاسدة، لما سادها الاستبداد الذي لا يتمكن من الناس إلاّ في ظل الجهل والتعادي ولكّن هذه المسؤولية نسبيّة، وذلك لأن الاستبداد يحفر في عقول الناس لإقناعهم بالباطل.
وهنا يأتي دور العلماء الراشدين المرشدين الذين ينبغي أن يجهدوا في توعية الناس، وفي حثّهم على طلب الحرية. الفكرة التي تغيب عن أذهان الذين كانوا يصدّقون خطباء المساجد وحواة المثقفين، أنّ كلّ إنسان في سوريا قبل الثورة كان مغلوباً على أمره، فلا صوت إلا صوت السلطة، ولايد إلا يدها، ولا منابر غير منابرها. فإذا استطاع المخلص أن يهرّب فكرةً أو ممارسة سليمة آنذاك، كان كمثل المتظاهر بصدرٍ عارٍ في مطلع الثورة.
كلّنا كنّا، طوال خمسين عاماً، مستكينين، نتعلّم كتب الطغاة، ونتحدّث في إعلام يسيطرون عليه، وندرس في جامعات وضعوا قوانينها بما يناسب أمزجتهم ومصالحهم.
المثقفون وفلك السلطة !
• أثبتت الثورة السورية أن هناك صدعاً عميقاً بين المثقفين والجمهور وظهر هذا جلياً من خلال موقف هذه الفئة من الثورة وتخلّفهم عن اللحاق بركابها، كيف توصّف هذه الحالة وما أسبابها وتفسيرها الخفي والجلي برأيك؟
قامت الثورة السورية على أكتاف الفئة المستضعفة البسيطة من الشباب، وبخاصة الشباب المتديّنين الذين أثقلت كواهلهم المعاناة اليومية نتيجة تفشّي الفساد في سوريا.
هذه هي المقولة الشائعة التي تبيّن بُعدَ المثقّفين عما جرى ويجري في سوريا منذ حوالي أربعة أعوام. وهذه الجملة هي إحدى ذرائع السلطة التي تتمسّك بها، لتبيّن أن ما يجري في سوريا هو مجرّد فئة مندسّة من الشباب الطائش تحوّلوا إلى عصابات إرهابية وأنّ المثقّفين بمنأى عنهم وهم منهم براء. في ظلّ هذا الوضع يرى المثقِّف نفسه لاينتمي إلى رابطة ثقافيّة، كما لاينتمي إلى فئته الاجتماعية التي انحدر منها، لذلك يعاني الاغتراب ويدين السلطة والجمهور ونفسه، ويتبادل مع زملائه الاتّهامات بغير احترام. فكيف يثق الجمهور بمن لايحترم سواه كدليل ضمنيّ على عدم احترامه لذاته. إنّ مثقِّفينا –كمواطنيهم– يعتقد الواحد منهم أن نجاح الآخر يعني فشله. وبالتالي فهو في صراع مع مثيله، ونحن –عموماً– لاننقد، بل نكتفي بالتشهير ببعضنا.
بدأ المثقفون بوادر الثورة عبر كتاباتهم وتصريحاتهم المختلفة، ومهّدوا لبدء حالة الغضب، وقد أحجم الجمهور عن التواصل مع الفعل الثقافي لارتيابه بكل مايدور حوله، ظانّاً أنّ الحوار يبقى محصوراً في إطار المتنفّذين الذين لايريدون من الحراك سوى كشف المعارضة أمام السلطوي، تمهيداً لتسليمها إليه واستلام المكافأة. وشارك مثقفون كثيرون في الثورة منذ بداياتها ، سُجِن كثير منهم، وأسهم كثيرون في أوجه متنوعة من نشاطاتها، وبرز مثقفون في قيادة التشكيلات المعارضة التي ظهرت، وهذا يعني أن الثورة ليست ثورة شباب منهكين برزوا من الحواري القديمة. وشكّل حضور نساء مثقفات ظاهرة لافتة، ونسبة مهمة منهن من أقليات دينية ومذهبية، ما يؤكّد أن الثورة السورية ليست ثورة رجال أو ثورة ذكورية، وليست ثورة مسلمين سنيين، وليست ثورة الأكثرية العربية.
المثقف طيف من أطياف المجتمع، ومواقف المثقفين متنوعة بحسب المواقف الاجتماعية المختلفة، بين مندفع ومتريث وخائف وموارِبٍ وموالٍ. الكتّاب والصحفيون لم يكونوا الأبرز حضورا في الثورة السورية، خلافا لكل ما اتسم به دور المثقفين في الحياة العامة في مراحل سابقة من تاريخ سوريا، لكنّ ما قام به كثيرون لم يكن تحت غطاء الهيئات التي ينتمون إليها، بمعنى آخر لم يعملوا بوصفهم مثقِّفين. ومجال نشاط كثيرين منهم اليوم يحيل إلى نشاط أدبي وفنّي. ومع ذلك برزت أدوار الكتّاب الصحفيين والمحامين والمهندسين والأطباء وسواهم من خلال تنظيمات بديلة بدؤوا تشكيلَها كمنظمات موازية لما هو قائم ويدور في فلك السلطة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية