- يكشف التقرير أن صفة "وهابي" التي أطلقها النظام على الثائرين ضد حكمه ربيع 2011، لم تكن وليدة ساعتها، بل كانت من ضمن "لوازم" خطابه الحزبي والمخابراتي.
- الصلاة نشاط ديني مشبوه وليست فرضا على المسلم، حتى بعد 8 سنوات من اجترار شعار "التطوير والتحديث".
- أسهم القرب الجغرافي والارتباط العشائري، في ميل بعض أهالي المنطقة الشرقية نحو الجناح العراقي، وهو ما استغله حافظ الأسد ونظامه لتصفية حساباتهم مع أبناء هذه المنطقة.
في الحلقة الأولى من تسريبات الأمن السياسي في الرقة، تستعرض "زمان الوصل" وثيقة مرفوعة إلى رئيس الجهاز في المحافظة، تتمحور حول أوضاع "المخلى سبيلهم من التنظيمات السياسية المعادية والفارين في منطقة عملنا"، أي عمل معد التقرير وهو رئيس مفرزة الأمن السياسي في معدان، المساعد أول صلاح العبد الله.
الوثيقة التي تعود إلى أواخر 2008، تتحدث عن أوضاع مجموعة من السوريين المنتمين إلى جماعات يصنفها النظام ضمن التنظيمات المعادية، وعلى رأسها "اليمين المشبوه"، وهي التسمية المخابراتية والحزبية لموالي جناح البعث العراقي، فضلا عن جماعة الإخوان المسلمين (يسميها التقرير عصابة)، وأخيرا حزب التحرير الإسلامي.
يمين مشبوه
توضح الوثيقة مدى حرص النظام على متابعة أوضاع المنتمين إلى أي تنظيم يعده مناوئا له، حتى ولو بلغوا من الكبر عتيا، كما في حالة شكري المربد بن محمود، الذي يصفه التقرير أنه "وجيه فخذي المشهد والمربد من عشيرة السبخة"، ذاكرا أن مواليده تعود إلى سنة 1930، أي إن عمره لدى كتابة التقرير كان 78 عاما، ومع ذلك فإن النظام أبقاه تحت المراقبة والتتبع.
ويلاحظ أن أغلب من عرض التقرير لأوضاعهم هم أشخاص تعود سنوات تولدهم إلى ثلاثينات وأربعينات وخمسينات القرن الفائت، أي إنهم بين الستين والسبعين من العمر، وبعضهم قارب الثمانين.
ومن المفارقات الواردة في التقرير اهتمامه بذكر شخص مسن ومصاب بالشلل (كعود الظاهر تولد 1636)، وكذلك شخص آخر انقطعت أخباره منذ فراره إلى العراق 1958 (منذ نصف قرن!)، وهو "حمد الظاهر بن علي" والدته وردة، من مواليد 1938، وينتمي حسب ادعاء التقرير إلى تنظيم "اليمين المشبوه".
وخرجت تسمية "اليمين المشبوه" إلى العلن في ستينات القرن الفائت، وقد أطلقها من يسمون أنفسهم "جناح اليسار" في الشق السوري من حزب البعث على أقرانهم من أتباع الجناح العراقي، وتكرست هذه التسمية وباتت مسوغا لاعتقال وتصفية من يوسم بها، مع وصول حافظ الأسد إلى رأس هرمي الحزب والدولة في سوريا، حيث كان يكن عداوة شديدة لصدام حسين، الذي كان حينها الرئيس الفعلي للعراق، والممسك بالسلطة فيه.
وبحكم القرب الجغرافي والارتباط العشائري، كان لبعض أهالي المنطقة الشرقية من سوريا (دير الزور والرقة)، ميول نحو الجناح العراقي، استغله حافظ الأسد ونظامه لتصفية حساباتهم مع أبناء هذه المنطقة وفرض طوق واسع من الاعتقال والترهيب بحق كل من ينتقد النظام، تحت ذريعة الانتماء لـ"اليمين المشبوه".
يتردد!
وبالعودة إلى التقرير الذي تم تكريس جله لأعضاء "اليمين المشبوه"، باستثناء 4 من الإخوان وشخص واحد من حزب التحرير، يلاحظ تكرار عبار "يتردد عليه" بجانب كل اسم، وفيها يذكر معد التقرير من يتردد على الـمُراقَب أمنيا من أقاربه وأصدقائه، وتكشف هذه النقطة بالذات العقلية الأمنية المثيرة للاشمئزاز، وكيف تم اعتقال عشرات وربما مئات الآلاف من السوريين خلال حكم حافظ وبشار، لمجرد أنهم كانوا "يترددون" على فلان أو فلان ممن يصنفهم النظام بأنهم معارضون أو مشبوهون، وهو ما لم يكن ليحصل سوى في بلدان قليلة جدا حول العالم، على رأسها "سوريا الأسد".
ويكشف التقرير من خلال تركيزه على "اليمين المشبوه" أن هذا التنظيم هو الأكثر تهديدا للنظام في المنطقة الشرقية من وجهة نظره؛ ولذلك فإن التقرير يوليه عناية وتفصيلا أكثر من غيره، ويأتي بعده تنظيم الإخوان المسلمين، فضلا عن "أتباع الفكر الوهابي"، الذين تمت الإشارة إليهم في ثنايا التقرير بشكل بارز، كما تم تخصيص تقارير مستقلة عنهم، ذكروا فيها بالاسم، ومنها تقرير عن نساء "وهابيات" ستعرض له "زمان الوصل" في حينه.
وترسخ فقرتان في التقرير الفكرة السائدة لدى السوريين عن نظرة النظام للصلاة، بوصفها جرما أو نشاطا، لا بوصفها فرضا شرعيا لاتنفك عن أي مسلم، والملاحظ أن هذه العقلية التي تصنف الصلاة بوصفها "نشاطا" يلفت الانتباه ويستوجب المراقبة لم تتغير رغم ادعاءات بشار الأسد بـ"التحديث والتطوير"، ورغم تزامن تاريخ التقرير مع مرور أكثر من 8 سنوات على وصوله للحكم واجتراره هذا الشعار مئات المرات.
والفقرتان المقصودتان هما اللتان تتحدث أولاهما عن "دحام سعود العباس" تولد 1948، حيث تقول: "لم يلاحظ عليه أي نشاط سياسي أوديني حالياً سوى أنه يقوم بتأدية الصلاة في مسجد مالك ابن أنس"!، بينما تتحدث الأخرى عن "محمد سعيد الجبل" تولد 1951، وهو ضابط مسرح من الجيش برتبة عقيد، حيث تقول: "ليس له أي نشاط سياسي أو ديني ظاهر بالوقت الحالي، سوى أنه يؤدي الصلاة بمسجد معدان الشرقي".
ومن جهة أخرى، يعطي تكرار نعت "الوهابي" أمام بعض المعارضين للنظام، دليلا واضحا على أن صفة "وهابي" التي أطلقها النظام على الثائرين ضد حكمه ربيع 2011، لم تكن وليدة ساعتها، وأنها كانت من ضمن "لوازم" خطابه الحزبي والمخابراتي، الذي لم يعجزه يوما اختلاق التوصيفات والتصنيفات لمعارضيه ومناهضي سياسته في الداخل والخارج، فإن لم يكونوا من اليمين المشبوه، فهم من عصابة الإخوان، وإن لم يكونوا إخوانيين فهم وهابيون، وإن لم يكونوا وهابيين فهم إمبرياليون، وإن لم يكونوا إمبرياليين فهم خونة ورجعيون، وإن لم يكونوا رجعيين، فهم صهاينة!!
النص الكامل للتقرير
جورج حداد - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية