رئيس التحرير
مذكرات جندي في دولة الخلافة

عام 1982، سافرت ووالدتي وأختي إلى حيث يعمل والدي في "نجارة الباطون"، تحديدا بمدينة بريدة عاصمة منطقة القصيم النجدية في السعودية، كان عمري سنتين، وبدأت من حينها مرحلة "إيديولوجية" أتوقع أن أغلب المنتمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية مروا بها، مع نسب تركيز متفاوتة، بحسب المدينة التي كان يسكنون وقوة "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" فيها.
عشت في هذا "المعسكر" 18 عاما، قبل الرحيل إلى معسكر حافظ الأسد، المختلف تماما عما عشته في فترة الطفولة والمراهقة وبداية الشباب.
درست في مدرسة الفتح، ثم متوسطة الحرمين وصولا إلى ثانوية منارات القصيم، من الصف الأول ابتدائي وحتى الثانوية المواد التي تتكرر بتركيز يزداد كل سنة بالإضافة للمواد العلمية، هي (القرآن، التوحيد، التجويد، الفقه، التفسير، قصص من حياة الصحابة، ومواد أخرى لا أتذكرها)، فضلا عن حلقات تحفيظ القرآن، وقد كانت حلقتي تسمى "جماعة الصحابي قيس بن ثابت"، وفيها استلمت بطاقة زرقاء عليها صورتي، وكانت البطاقة الشخصية الأولى التي استلمتها في حياتي.
كان مدرس الدين عموما يعلمنا أن الجميع كفار ماعدا مدينتنا تقريبا، وأنني من بلاد الشام التي جاءت في مواضع دينية عدة، وبالتالي فأنا "رسول" يجب أن أدعو إلى دين الله وأسخّر حياتي لذلك عندما أعود.
حفظنا بطولات جز الرؤوس وقتل الكفار، و"النصارى" وتفاصيل حروب الردة، وبطولات مثّلت لي في حينها شخصيات إسلامية أقوى من كل الخيال الذي تبثه برامج الأطفال في حينه على قلتها.
في نهاية الدوام اليومي كنا نصلي الظهر جماعة، وأحيانا ننتظر في الساحة لنشهد على تنفيذ "تعزير" بأحد الطلاب، وغالبا ما يكون "رفع فلقة" لسبب مثل عدم الصلاة، التدخين... إلخ.
بعد المدرسة كانت بعض أحاديثنا نحن الأطفال (خليط من الوطن العربي) عن ساحة "الجردة"، وهي الساحة الأكثر رعبا وإثارة في مدينتنا بريدة.
و"الجردة" ساحة تنفذ فيها "الحدود"، كحد القصاص بقطع الرأس، وحد السرقة بقطع اليد، وحد القذف الذي يستحق الجلد، وغيرها من الحدود.. تقع الساحة في آخر شارع الخبيب التجاري تقريبا، وفيها مسجد سمي باسمها.
في "الجردة" تنفذ الأحكام كل جمعة، في عز الظهيرة، إذ يتجمع أصحاب القلوب القوية من الأطفال في الصفوف الأخيرة لصلاة الجمعة في مسجد الجردة، وبعد تسليم الإمام يتسابقون إلى الساحة لحجز أماكنهم، و"شهود" تنفيذ الحد، برفقة الشباب والشيوخ، ثم يقدمون للمدرسة في اليوم التالي للتفاخر بما شهدوا، إذ يشرحون لأقرانهم الأطفال كيف هوى السيف على الرقبة، وكيف كان "المجرم" هادئا وكأنه مخدَّر، وكيف وكيف وكيف.
ضُربت غير مرة من الأستاذ لأني حلقت "القزع"، أي تخفيف الشعر من الجانبين وتركه من الأعلى، كما عنفت كثيرا لأنني "مسبل"، والإسبال هو إرخاء الثوب إلى ما دون الكعبين.
أذكر تماما تلك الوجوه والحياة الدينية التي كنا نعيشها، ففي تلك الفترة حلمت وتمنيت أن تتأسس دولة الخلافة، وأن يكون هناك خليفة "سوبرمان" للمسلمين.. كان هذا في أوائل التسعينات الميلادية، التي توافق 1410 للهجرة، حسب التقويم المعتمد في السعودية.
حتى بلوغي سن الثامنة عشرة لم أكن قد قابلت مسيحيا واحدا في حياتي، ولا حتى شخصا من أي طائفة أو دين سوى الإسلام.
عدت إلى سوريا وأنا أشبه بجندي في دولة الخلافة.. تفحصت طويلا أول مسيحي أراه.. عينيه، شعره، كلامه، ماذا يأكل، أحسست أنه من الفضاء.
أما سماع الأغاني في وسائط النقل العامة فكان خيالا يكاد يوزاي في ذهني معاقرة الخمر، لكن رؤية النساء "السافرات" كانت الأصعب علي أنا "الوهابي" الحكيم المتمسك بالشرع وسيرة السلف الصالح!
بعد شهور، قررت أن التحق بالخدمة الإلزامية بعد رفض تطوعي في أكثر من كلية عسكرية (الكلية الحربية بحمص، الكلية البحرية في اللاذقية، كلية الطيران الحربي بدمشق، أكاديمية الأسد العسكرية في حلب)، والسبب –الظاهر- بكل بساطة أنني غير بعثي، في أحد الامتحانات سألني الضابط عن الحركة التصحيحية التي لم أسمع عنها في حياتي، ثم عن "ثورات البعث" فلم أجب.. سب الله بوجهي وطردني، فكانت هذه المرة الأولى التي أتعرض فيها لصدم فكري هائل، أعدت من خلاله كل حساباتي، خصوصا مع تتالي الصدمات، وأنا أقرأ شعارات البعث على الجدران، وعلى السيارات، وعلى كتب أقاربي المدرسية، وقد تحولت بالفعل إلى متفرج على هذا "الإلحاد" والضجيج المتصاعد.
تخلصت من الاثنين.. خلعت الخليفة وكذلك حزب البعث بعد سنة من حياتي في سوريا، بفضل أصدقاء رائعين، طوروا لهجتي "الحمصية" وأجلسوني للأكل مع "مسيحي" فوجدته "طبيعيا جدا"، ثم تحولت رويدا رويدا إلى"أنا".
ربما لو غابت عن حياتي بعض التفاصيل لكنت الآن اقطع راساً في ريف حلب، أو ربما كنت فارقت الحياة في معارك أفغانستان أو الصومال.... لكن ماهو فكر ومصير مئات الطلاب الذين درسوا معي. وعاشوا ذلك المعسكر..
قبل سنوات اتصل بي صديق قديم ليخبرني أن صديقنا مصعب "استشهد" في الصومال.... مصعب أكبر مني بسنة كنت أنا وهو في فريق كرة قدم واحد، درس الهندسة الغذائية قبل الإلتحاق بالقتال في الصومال...
أعرف أني اختصرت تجربة شخصية طويلة، والاختصار لابد أن يشوبه الإخلال، مع احترامي لتلك المدينة التي احتضنت طفولتي.
الرحمة لشهداء سوريا وغزة
فتحي ابراهيم بيوض التميمي
رئيس التحرير
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية