لطالما اهتم الحمصيون بجامعهم الكبير وأحسوا بقيمته التاريخية.. كيف لا وثمة الكثير من الدلائل والمعطيات التاريخية تشير إلى أن هدا المعلم الحضاري العريق كان معبدا وثنيا ضخما، وكان ذا شهرة عالمية خلال العصر الروماني ويدعى معبد الشمس، وليس من المستبعد أن يكون واسعا وذا بناء فخم مهيب خاصة وأن مدينة حمص في ذلك العصر كانت أكثر اتساعا من المدينة الإسلامية الحالية المحصورة يين أبوابها السبعة حتى إذا تمردت حمص عام 194 هجرية على أحد الخلفاء العباسيين 'الأمين' عمد الأخير وبعد أن أخمد ثورتها إلى تقليص حجم مدينة حمص كما كانت منذ أن فتحها المسلمون وذلك بعد هدم أسوارها كعقاب لأهلها.
وقبل هذه الحادثة بسنوات وتحديدا عام 127 هجري تعرضت حمص الثائرة آنذاك للمصير نفسه..وهو الأمر الذي نلحظه بوضوح في الكنيسة التي تعرضت للحريق في نفس الفترة الزمنية التي سبق ذكرها والتي تجاور الجامع النوري من جهة الشرق حيث يأخذ بنيانها شكل نجمة ثمانية الأضلاع، اكتشف نصفها الجنوبي عام 1987 داخل السور الشمالي ومن المحتمل أن يكون نصفها الباقي خارج سور المدينة.
يأخد الجامع النوري شكلا مستطيلا من الشرق إلى الغرب على نمط المساجد الأموية الكبيرة ويبلغ طوله 100 متر أما عرضه فيبلغ 17 مترا.
لماذا أموي..؟!
يورد ابن عساكر في تاريخ دمشق /ج3 -ص 47/ أن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك هو من أمر ببناء مسجد حمص الأموي.. واهتم بزخرفته فجاء غاية في الجمال وأشرف على بنائه شخص يدعى مسلم بن سليم، ويبدو أنه كان معماريا مرموقا في ذلك العصر.. وعند تدشين هذا المسجد أحضر الوليد الصحابي الجليل عبد الله بن بشر الذي كان آخر من مات من الصحابة في بلاد الشام عام 96 هجرية ودفن في قربة "تنونة" الواقعة على مشارف حمص.. وطلب الوليد من الصحابي الجليل أن يعطيه رأيه بهذا المسجد فأشاد به أيما إشادة وقال ' حسن ملهى'.
يذكر بأن هذا المسجد ظل محافظا تقريبا على عمارته الأموية وبخاصة حرم الصلاة 'القبلية' حتى أواسط القرن التاسع عشر وحينها ارتكب القيّمون على رعايته خطأً فادحا حينما أزالوا أعمدته الغرانيتية الضخمة وأقواسه وقنطراته وتيجانه الرخامية واستبدلوها بعقود حجرية رواقية معقودة ومتصالبة ..وحجتهم في ذلك التكاليف الباهظة التي يتكبدونها في عملية ترميم سقفه الجملوني الضخم المشكل من المراوس والبدود على غرار المسجد الأموي بدمشق .. وأبقوا من العمارة الأموية لهذا المسجد محرابه الكبير المزدان بروائع الفسيفساء الأموية.. وتركوا أيضا لحسن الحظ الحائط الشمالي للحرم الذي يفصله عن الصحن، وهو بدوره يعطي فكرة جيدة عن العمارة الأموية لمسجد حمص من حيث ضخامته واتساعه وتشكله من 4 قواطع حجرية على عكس مسجد دمشق الذي يتكون من قاطع واحد فقط، وتتربع فوق ركائزه من المنتصف قبة النسر.. وليس من المستبعد أن حرم مسجد حمص الكبير كانت تعلوه 4 قباب، ولكن يبقى كل ذلك مرهونا بالدراسات المستقبلية للمسجد التي تعتمد على جملة من المعطيات تنطلق جميعها من النتائج التي تسفر عنها عمليات التنقيب والترميم في قادم الأيام في الجامع.
منارة علمية ودور سياسي بارز
على مدى تاريخه الزاهر كمسجد جامع وكمقصد للصحابة الكرام الذين كانوا يحدثون الناس تحت أعمدته الأحاديث النبوية الشريفة، كان بمثابة جامعة عريقة يتعلم فيها الدارسون العلوم الدينية والدنيوية.
بالإضافة إلى هذا كله كان المسجد بخطبائه ومدرسيه منبرا سياسيا مرموقا، فكم من خطبة ألقيت من على منبره تحرض أهل حمص على الجهاد ضد المستعمرين الفرنجة الصليبيين والمغول والتتار، ولصد الهجمات التي كان يشنها البيزنطيون على حواضر الشام على مدى قرون عدة.. وفي تاريخنا المعاصر لعب المسجد دورا بارزا في محاربة المستعمر الفرنسي، وكم من خطبة أشعلت الشارع الحمصي في وجه الفرنسيين وكانت سببا في تحقيق طموحاتهم وغاياتهم في الحرية والاستقلال.
مشعل بوجه الطغاة
وبعد استيلاء حافظ الأسد على الحكم في سوريا عام 1970 ظهر الشيخ محمد علي مشعل كرأس حربة في وجه ممارساته القمعية ضد شعبه واعترض كذلك على الدستور الذي وضعه الأسد والذي أعطى لنفسه من خلاله كامل الصلاحيات واستفرد عبره بالسلطة والحكم المطلق لسوريا فأصبح الحاكم بأمره..!! . ولن ينسى الحمصيون الذين عاصروا تلك الفترة الدروس والخطب السياسية للشيخ مشعل التي ألهبت السوريين.. وكان المسجد الأموي بحمص يغص على اتساعه بآلاف المصلين والحاضرين ليس من حمص وحدها بل من جميع أنحاء سوريا جاؤوا للاستماع إلى الدروس التي كان يلقيها الشيخ مشعل ..ما حدا بالنظام إلى حبسه ثم إبعاده إلى خارج سوريا واحتلوا منزله بالحولة بريف حمص الشمالي الغربي وحولوه إلى مفرزة للأمن ....!

دور اجتماعي مهم
فوق الرواق الشمالي من صحن جامع النوري الأموي كانت توجد مئذنة صغيرة تدعى بمئذنة الفرمان.. تُلقى من خلالها على أهالي المدينة جميع القرارات والفرمانات السلطانية وكل ما يتعلق بشأن الرعية وأخبار الدولة العثمانية وغيرها من الأمور التي تخص حياة الناس.. وتحت هذه المئذنة وعلى جدار القوس الحجري كان ثمة ساعة شمسية لمعرفة الأوقات وتحديد مواعيد الصلوات.
أما قبة المشهد التي كان مكانها خلف الرواق الغربي لصحن المسجد، فكان تحتها قاعة مجلس المفتي وكبار علماء حمص يقدمون النصح والمشورة للناس وكل ما يسألونهم في الشؤون الدينية والفقهية المختلفة..ومن الأمور اللافتة أن على المئذنة النورية الكبيرة للمسجد وضعت سارية ترتفع فبها الراية الحمراء عندما يدخل وقت الأذان فيعرف المؤذنون في جميع مساجد حمص أن وقت الأذان قد حان.
مسجد الثورة بامتياز
يعرف الجميع ما لعبه هذا المسجد العريق في بدايات الثورة السورية.. فكم من مظاهرات خرجت منه وهو الذي يتوسط حمص وتحيط به الأسواق من جميع الجهات.. ولا يمكن لأحد أن ينسى 18 نيسان 2011 عندما خرج من هذا المسجد عشرات الآلاف من المتظاهرين بعد أن أدوا فيه صلاة الجنازة على أرواح الشهداء الذين ارتقوا في اليوم الذي سبقه في ذكرى عيد الجلاء ..ولن ينسى الكثيرون أيضا كيف توجهت جموع المشيعين الغاضبين بعد دفن الشهداء إلى ساحة الساعة الجديدة وأقاموا فيها أول اعتصام سياسي جماهيري تشهده سوريا في تاريخها المعاصر..
صمود..ودمار
لأكثر من عامين ظل هذا المسجد خاضعا لسيطرة الثوار في حمص القديمة صامدا بصمودهم حتى تاريخ 11/5/2014 لحظة خروج الثوار من المناطق المحاصرة إلى ريف حمص الشمالي..ومنذ التاريخ المذكور وهذا المسجد الشامخ يخضع لسيطرة قوات الأسد التي بمجرد دخولها له قامت بإحراق مصاحفه ومكتبته التي تحتوي على العديد من الكتب النادرة وأحرقت بعض أقسامه مثل الزاوية النقشبندية ومدخليه الغربي والجنوبي..!
وبث الناشطون على موقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك " مقاطع "يوتيوب"، على مدى أكثر من عامين، تبرز حجم الدمار الذي أصاب الجامع الأموي نتيجة تقصد استهدافه من قبل قوات الأسد بمختلف أنواع الأسلحة ذات القدرة التدميرية الهائلة..! وذلك لما له من رمزية دينية وتاريخية لعل أبرزها تألق هذا المسجد العريق يوم اعتصام الساعة الشهير.. والخطب القوية المؤثرة التي ألقيت من على منبره والتي ألهبت النفوس والمشاعر لدى الحمصيين.. جدير بالذكر أن المديرية العامة للآثار والمتاحف التابعة للنظام أصدرت عن وضع الجامع التقرير التالي:
ﺃﻣﺎ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻟﻨﻮﺭﻱ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﻓﻠﻢ ﻳﺴﻠﻢ ﻣﻦ ﺍﻟﻀﺮﺭ، ﻭﻻ ﺳﻴﻤﺎ ﻓﻲ ﻣﺪﺧﻠﻴﻪ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻲ ﻭﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺍﻟﻤﺆﺩﻱ ﺇﻟﻰ ﺻﺤﻦ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ، ﻛﻤﺎ ﺗﻬﺪﻡ ﺍﻟﺴﻘﻒ ﻭﺍﻟﺠﺪﺭﺍﻥ ﺑﺸﻜﻞ ﺟﺰﺋﻲ، ﻭﺗﻌﺮﺿﺖ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﻣﻦ ﺍﻟﺠﺪﺭﺍﻥ ﺍﻟﺪﺍﺧﻠﻴﺔ ﻭﺍﻟﻮﺍﺟﻬﺔ ﺍﻟﺠﻨﻮﺑﻴﺔ ﻟﻠﺤﺮﻳﻖ، ﻭﺍﻧﻬﺎﺭ ﺍﻟﺠﺰﺀ ﺍﻟﻌﻠﻮﻱ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺌﺬﻧﺔ، ﻛﻤﺎ ﺗﻢّ ﺭﺻﺪ ﻋﺪﺩ ﻛﺒﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﺜﻘﻮﺏ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﺩ ﺩﺍﺧﻞ ﺍﻟﺤﺮﻡ. ﻭﻳُﺬﻛﺮ ﺃﻥ ﺟﺎﻣﻊ ﺍﻟﻨﻮﺭﻱ ﻳُﻌﺪُّ ﻣﻦ ﺃﻛﺒﺮ ﻭﺃﻗﺪﻡ ﺍﻟﻤﺴﺎﺟﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ﻓﻲ ﻣﺪﻳﻨﺔ ﺣﻤﺺ، ﻭﻳﺸﺒﻪ ﻓﻲ ﻃﺮﺍﺯﻩ ﺍﻟﻤﻌﻤﺎﺭﻱ ﺇﻟﻰ ﺣﺪ ﻛﺒﻴﺮ ﺍﻟﺠﺎﻣﻊ ﺍﻷﻣﻮﻱ ﻓﻲ ﺩﻣﺸﻖ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ ﺗﺨﻄﻴﻄﻪ ﻭﻫﻨﺪﺳﺘﻪ ﺍﻟﻤﻌﻤﺎﺭﻳﺔ.
مأمون أبو محمد -زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية