أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

حول شرعية انتخابات الأسد (4/4)*

خامساً: شرعية ترشح بشار الأسد: 
عدة أسباب جوهرية تجعل بشار الأسد فاقداً للشرعية ولا يحق له الترشح والمشاركة في اية انتخابات رئاسية قادمة. اولها أنه في الأساس قد اصبح رئيساً عام 2000 على نحو غير  شرعي وراثة عن والده، ثانياً: أنه قد استنفذ دورتين انتخابيتين بين 2000 و 2014 مدة كل منها سبع سنوات، وبالتالي لا يحق له وبحسب أبسط قواعد الديمقراطية أن يرشح نفسه لأية انتخابات رئاسية قادمة في سورية، ثالثاً: أن اداؤه كرئيس للجمهورية بين 2000 و 2010 وادارته الضعيفة للدولة وبنفس أنماط والده التي تجاوزها الزمن والتي ثار الشعب السوري ضدها تفقده شرعية الترشح لرئاسة الجمهورية، رابعاً والأهم أنه قد قاد سوريا منذ ربيع 2011 وحتى الآن الى كارثة انسانية بشرية ومادية لا مثيل لها، وأجج حرباً مذهبيةً في سوريا بين السنة والشيعة تنفيذا لمشروع ايران في المنطقة مهدداً وجود سوريا كدولة ومحولا اياها الى أكبر معسكر للإرهاب في العالم. والمساحة هنا أضيق بكثير من أن تستوعب تفصيلاً في هذا الأمر ولكن سنشير للخطوط العامة.

فمنذ انتقلت الأحداث من تونس الى مصر ثم ليبيا واليمن ايقن الأسد ان النار قادمة اليه، وكان امامه احد خيارين:

الخيار  الأول: ان يعلن عن برنامج اصلاح حقيقي خلال فترة انتقالية مدتها عامان تبدأ في شباط 2011 وقبل أن تنطلق أية احتجاجات و  يتضمن البرنامج الغاء حالة الطوارئ والغاء المادة الثامنة من الدستور وتبعاتها والتي تنص على قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، والبدء بالتحضير لوضع دستور جديد واقامة حكومة وحدة وطنية تشترك فيها أطراف وشخصيات من المعارضة ويعقد مؤتمر وطني وأن يعلن انه لن يرشح نفسه في الانتخابات القادمة. وهذا الخيار اقترحه العديد من الشخصيات المؤيدة للنظام وابرزها مبادرة محمد سلمان في شهر حزيران 2011، وقدمت عدة شخصيات وطنية مخلصة أفكار وبرامج مشابهة لقناعتها أن الحل الأمني والمواجهة سيقود سوريا الى الدمار. وكانت المعارضة مستعدة للتعاون مع النظام لاجتياز مثل هذه المرحلة الانتقالية بنجاح.

الخيار الثاني: ان يرفض اي إصلاح مغتراً بما يملكه من قوة، ومدفوعا بايران وحزب الله، وان يقرر مواجهة ارادة الشعب بالقوة "الحل الأمني". 

اراد الأسد الاطمئنان على قضيتين قبل أن يتخذ قراره : الأولى ان امريكلا تنوي التدخل في سوريا على غرار ما فعلت في ليبيا ولن تفعل به كما فعلت بالقذافي، وأن اسرائيل لا تريد ذهاب الأسد،  وقد أكد له الروس هاتين الحقيقتين مما اطلق يده في استخدام العنف المفرط وفي اطلاق حله الأمني المدمر، وذهب الأسد للخيار الثاني. ووضع برنامجاً كاملاً يقوم جوهره على عدة أسس:

أولاً: منع التظاهر السلمي لما له من اثر سلبي على النظام: لذلك 1) قام باطلاق النارس على المتظاهرين علناً في درعا في 18 آذار 2) ثم لجأ للتستر واطلاق النار من بعيد واختراع قصة المندسين 3)  اعتقال المتظاهرين وتعذيبهم 4) تصفية قيادات المتظاهرين مما يعيق تنظيمهم ويضعف نشاطهم 5) خلق مجموعات مسلحة ترتدي لبوس الثورة وتقوم بأعمال تسيء لسمعتها، وتدفع الحراك السلمي نحو العسكرة ونحو التمذهب والتطرف بل مجموعات تتوجه لقتال الثورة مباشرة مثل داعش. 

ثانياً: تحويل الصراع من صراع بين متظاهرين سلميين مطالبين بالحرية والكرامة الى صراع بين مسلحين امتشقوا السلاح ضد الدولة، لذلك: 1) شجع حمل السلاح ووفره، 2)  إطلاق سراح 64 الف محكوم جنائياً لأن هؤلاء هم من سيحمل السلاح، 3) استفزاز مشاعر السنة عبر تسريب فيديوهات عن معاملة سيئة للمعتقلين واهانتهم واجبارهم على الركوع لبشار  والاساءة للمعتقلات 4) تسرين فيديوات تعذيب تستفز المشاعر 5) تصعيد قتل المتظاهرين 6) ارتكاب مجازر وكان اولها مجزرة الحولة كل هذا لتحريض غريزة الثأر.
ثالثاً: اعطاء الصراع طابعاً مذهبياً اسلامي لتخويف الأقليات فقام ب: 1) الاعلان في وقت مبكر جداً  في 23 آذار 2011عن ان الشيخ الصياصنة أعلن امارة اسلامية في درعا وان الجيش اكتشف مخزن أسلحة ومستشفى ميداني تحت الجامع العمري عرضها على قنوات التلفزة الرسمية وكل هذا كان مزور 2) قام باعمال لتخويف الأقليات مثلا دفع مسلحين ملثمين لاطلاق نار امام كنيسة الصليب وامام كنيسة اخرى في القصاع بدمشق

رابعاً: اعطاء الصراع سمة مكافحة الارهاب لأن هذا سيمنحه تعاطف الدول الغربية وروسيا ودول عربية... لذا اخرج مجموعات القاعدة التي كانت في سجونه وهو يعلم ما ستفعله وربما اتفق معها على ذلك (مثال... زهران علوش... الجولاني مثال) ثم قام بالتنسيق مع داعش لتقوم باعمال مروعة تخيف الناس من اي طائفة كانوا وكي يظهر للعالم أن الأسد هو أفضل بديل متاح.

خامساً: تحضير خطط وبرامج استعدادا لمواجهة المتظاهرين بالعنف المفرط ووضع البدائل للتعامل مع الحالات المختلفة، وحضر أدواته فدرب نحو 30 ألف "شبيح" قبل أن تبدأ الانتفاضة، واستقدم قناصة من ايران بدؤوا بالتوافد عبر صالة الشحن في مطار دمشق وكانوا كل طائرة قادمة من ايران خلال الأسابيع التي سبقت الانتفاضة تحمل العشرات من الايرانيين بمبلابس سوداء يحملون بأيديهم حقيبة جلدية شبهها العاملون في المطار بحقائب الآلات الموسيقية، وهي حقائب القناصات، وتوجهت سوريا نحو جنوب افريقيا لشراء 2500 قناصة ولكن حكومة جنوب افريقيا رفضت أن تبيعها قناصات فاتجهت نحو روسيا لشرائها.
سادساً: منع الانتفاضة من ان تنظم نفسها ومن ان تكوّن قياداتها، فكانت تعتقل القادة او تقوم بتصفيتهم او تجبرهم على الهرب، وتقمع أي مسعى للتجمع والتواصل بين أطراف المعارضة المدنية.  واتخاذ موقف متشدد من أي حل وسط او حل سياسي مع المعارضة وأصر على فرض معارضته التي مفادها: الأسد أو نحرق البلد.
وفعلاً حرق البلد، فحتى الآن قتل نحو ربع مليون سوري، وهدمت احياء مدن بكاملها وبلدات بكاملها، وأكثر من مليون بيت أصبح مدمر أو غير قابل للسكن، وتهدمت البنية التحتية وتهدم الاقتصاد الوطني وتهتك النسيج الاجتماعي واجتذبت سوريا جهاديين سنة وشيعة من مختلف اصقاع الأرض ليشاركو في القتال الى جانب أحد الطرفين محولين الثورة السورية عن الغاية التي خرجت من اجلها.
إن مجلدات كثيرة لا تتسع للجرائم التي ارتكبها اركان النظام وعلى راسهم بشار وماهر الأسد وحفتة الضباط المحيطين وعائلات الأسد ومخلوف وشاليش وغيرها من داعمي النظام.
إن بشار ومن معه يجب أن يذهبوا الى محكمة الجنايات الدولية وقبلها محكمة الشعب السوري لا أن يذهب ليشارك في اية انتخابات.

ولكن:
ولكن ورغم كل ذلك، يبدو أن الأسد مصر على المضي في تنظيم انتخاباته، وحتى لا يعترض أحد بأن "لا حق له في الترشح للانتخابات القادمة بحسب اي دستور بعد أن استنفذ دورتين في الحكم مدتهما 14 عام، فقد ضمن دستور 2012 (المادة 155)  التي تنص صراحة أنه حين تنتهي مدة ولايته بانقضاء سبع سنوات ميلادية من تاريخ أدائه القسم الدستوري رئيساً للجمهورية، فله حق الترشح مجدداً لمنصب رئيس الجمهورية وتسري عليه أحكام المادة / 88 / من هذا الدستور اعتباراً من الانتخابات الرئاسية القادمة. أي يحق له دورتان مدتهما 14 عام وكأن ال 14 عام الأولى لم تكن. إنه هو من يضع قواعد اللعبة التي سيلعبها مع الخصم يضعها على النحو الذي يجعله يربح بالضربة القاضية، وكأن لا ارادة ولا حقوق للخصم، وأن ليس للخصم سوى القبول أو الموت.

بالمقابل ورغم سيطرته الأمنية فقد قيد حقوق السوريين في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية والمادة 85 فقرة 3 التي تنص على أنه: لا يقبل طلب الترشيح لرئاسة الجمهورية إلا إذا كان طالب الترشيح حاصلاً على تأييد خطي لترشيحه من خمسة وثلاثين عضواً على الأقل من أعضاء مجلس الشعب، ولا يجوز لعضو مجلس الشعب أن يمنح تأييده إلا لمرشح واحد. وهذا يعني أن المواطن السوري لا يملك حق الترشح بل سيتحكم الأسد بمن سيرشح نفسه، لأنه على كل مرشح أن يمر من تحت بيضات أعضاء مجلس الشعب الحالي الذي لا يمون على بيضاته. هذا الاجراء يشبه اجراء "مجلس تشخيص مصلحة النظام" في ايران الذي يحدد من يحق له الترشح وهو مجلس يأتمر بأمر "ولي الله على الأرض" "خامنئي". 

لم يكن الأسد بحاجة لهذه التقييدات على الترشح، فالعملية الانتخابية مضمونة النتائج وقد خبرها السوريون على مدى نصف قرن، فالنتائج جاهزة منذ الآن، ويحدث الأسد من حوله الآن بأنه يريد ان ينجح بنسبة 60% فقط كي تبدو النتائج مقبولة في مثل هذه الظروف. وطالما أن وزير داخليته وأجهزة أمنه هم من سيدير العملية الانتخابية فعلياً وستشرف عليها هيئة من قضاة فاسدين في جهاز ينخره الفساد والمحسوبية وستجند له طاقات الدولة البعثية بكاملها وكل هذا مخالف لأبسط أنواع الديمقراطية وتكافؤ الفرص فإن النتيجة معروفة، ويمكن للأسد ان ينجح بنسبة 97% كما نجح في الاستفتاءات السابقة. ولنا نحن السوريون خبرة طويلة بمثل هذه الانتخابات "الاستفتاءات". 
الاستنتاج:
اذاً المعايير الخمسة التي استخدمناها لقياس شرعية اجراء الانتخابات الرئاسية بينت وبوضوح عدم شرعية الانتخابات التي يزمع الأسد على اجرائها، وعدم شرعية مشاركة بشار الأسد في اية انتخابات. 
لكن ورغم ذلك يتوقع أن يستمر بشار الأسد في غيه، ويتوقع الخبراء أن يتم ترتيب الانتخابات كالتالي: سيكلف الأسد عدداً محدوداً من الأشخاص بالترشح، ربما اثنين أو ثلاثة، وسيوعز لمجلس شعبه أن يمنحوهم تفويضاتهم، وستكون مسرحية هزلية بنفس المخرج ونفس الممثلين ونفس الكومبارس ... مسرحية ملّها السوريون بعد أن شاهدوها مراراً وتكرأً على مدى نصف قرن. وفي حال جرت الانتخاب فالمادة 88 تنص على أن : يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة سبعة أعوام ميلادية تبدأ من تاريخ انتهاء ولاية الرئيس القائم، ولا يجوز إعادة انتخاب رئيس الجمهورية إلا لولاية واحدة تالية، أي ضمن لنفسه 14 سنة حكم تضاف للأربعة عشر  سنة التي حكمها حتى الآن والمجموع 28. وكلمة تالية هنا لا تعني ان الرئيس لا يحق له سوى دورتان، بل تعني انه يحق له العودة لترشيح نفسه بعد أن يكون قد ترك منصب الرئاسة لدورة واحدة، وهي لعبة بوتين في روسيا، أي سيبحث بشار الأسد حينها عن "ميدفييف سوري" يتولى الرئاسة مكانه شكلياً بينما يبقى هو  الحاكم الفعلي رئيساً للوزراء، وسيفعل هذا الى حين يكبر ولده حافظ ليرث الحكم من بعده. وقد أفصح عن نواياه هذه اكثر من مرة، ولا نعلم ان كان ما حدث في سوريا من كوارث كاف لأن يجعله يتخلى عن هذه الفكرة.

وفوق كل هذا فقد أخذ الأسد احتياطاته لاحتمال عدم قيام انتخابات لسبب ما، فالمادة 87 فقرة 2 في دستوره تنص على: إذا انتهت ولاية رئيس الجمهورية ولم يتم انتخاب رئيس جديد يستمر رئيس الجمهورية القائم بممارسة مهامه حتى انتخاب الرئيس الجديد. يعني حتى لو لم يجر انتخابات فهو سيبقى الرئيس بعد انتهاء ولايته في حزيران القادم مهما طالت الأزمة. 



حول شرعية انتخابات الأسد (4/3)*
2014-05-07
ثالثاً: شرعية الدستور الجديد لعام 2012 والاستفتاء عليه: بما أن الدستور هو العمود الفقري لنظام الحكم في أي بلد ولا يتم تغييره أو تعديله إلا في فترات زمنية طويلة، فيجب أن تكون الظروف التي يعد خلالها وظروف الاستفتاء عليه،...     التفاصيل ..

حول شرعية انتخابات الأسد (4/2)*
2014-04-29
ثانياً: معيار شرعية دستور 2012 الذي ستجرى الانتخابات بموجبه: عادة لا يتم تغيير الدساتير إلا استجابة لضرورات ومتطلبات كثيرة والاستجابة لحاجة كبيرة للتغيير. هذه المتطلبات برزت وتراكمت بقوة على مدى أربعة عقود وانفجرت في...     التفاصيل ..

حول شرعية انتخابات الأسد (4/1)*
2014-04-23
يدعو بشار الأسد لإجراء انتخابات رئاسية يرشح نفسه لها وهو بذلك يسد الطريق أمام أية حلول سياسية مثل جنيف وغير جنيف. لذا دعونا نتفحص بعناية مدى شرعية مثل هذه الانتخابات وننظر نظرة تلتزم الموضوعية والحياد، ونبتعد عن النظر...     التفاصيل ..

*مكتب الدراسات - اتحاد الديمقراطيين السوريين
(188)    هل أعجبتك المقالة (189)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي