أدخل كلمات البحث واضغط على إدخال.

الشاعر عبد الكريم بدرخان لـ "زمان الوصل": الموت صار جزءا من حياة السوريين وحمص طائر الفينيق في "أرض اليباب"

الشاعر عبد الكريم بدرخان

عبد الكريم بدرخان شاعر سوري من مواليد حمص 1986، يحمل إجازة في الحقوق من جامعة دمشق، ويكتب في الصحافة السورية والعربية منذ مطلع العام 2006، تفتحتْ عيناه على الشِعر والفنّ والموسيقى في سنّ مبكرة، وتربّتْ ذائقته في مدرستين ثقافيتين؛ الأولى هي أسرته، والثانية مدينته حمص. فشارك في الأمسيات والمهرجانات الثقافية منذ عدة سنوات، ونال العديد من الجوائز الأدبية في الشعر والقصة والمسرحية، منها جوائز وزارة الثقافة واتحاد الكتاب العرب واتحاد طلبة سوريا، وجائزة الجولان للإبداع وجائزة عكاظ الشعرية وغيرها.

 صدر له كتاب في الترجمة "مختارت من الشعر الرومانسي الإنكليزي" العام الماضي، كما صدرتْ مجموعته الشعرية الأولى "جنازة العروس" في بداية هذا الشهر، وذلك بعد فوزها بجائزة الشارقة للإبداع العربي التي تنظمها دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة (الإمارات العربية المتحدة)، وعلى هامش هذه الجائزة أجرت "زمان الوصل" هذا اللقاء مع الشاعر بدرخان:


*حدثنا عن ظروف مشاركتك في مسابقة الشارقة للإبداع، وما الذي تعنيه لك الجائزة التي نلتها في مثل هذه الظروف؟


**تعتبر جائزة الشارقة من أهم الجوائز الأدبية في الوطن العربي، وتكمنُ أهمّيتُها بالنسبة لنا، ليس في قيمتها المادية والمعنوية فحسب، بل لكونها تطبع الأعمال الفائزة وتنشرها وتوزّعها، وهذا أهم مكسب يناله الشاعر في عمله الإبداعي الأول. بالنسبة لي، فقد استطعتُ إيصال جزءٍ من معاناة الشعب السوري إلى القارئ العربي، وقد أقمتُ أمسيةً شعريةً في "بيت الشعر" في الشارقة، أبكيتُ فيها قسماً من الجمهور الحاضر. هذه الدموع التي تتلألأ في عيون الناس، هي الجائزة الكبرى التي لم أكنْ أحلم بها.

*مالذي تعنيه بعنوان مجموعتك "جنازة العروس" هل هو رثاء لحمص أم ماذا؟


* تتناقض المشاعر بين اليأس والأمل في كل لحظة، ففي قصيدة "قُـبـلة لمدينة الأشباح" قلتُ بأنّ "أمَـلَـي يائسٌ"، حمصُ هي الفردوس المفقود كما عبّرت في قصيدة "محاولات لرسم مدينة"، لكنّ سوريا -بكلّ أبنائها- تبقى أمّـاً للأحرار والحرائر، وتأخذ صورة الفينيق الذي ينبعث من الرماد، كما قلتُ في نهاية الديوان:
" والآنَ فتّحتِ الشقائقُ
فتّحتْ ..
لأراكِ يا أمّ الحرائر
تنهضينَ من الرمادْ"

*تبدو حزيناً ومتشظياً حتى وانت تكتب عن الفرح؟


*الحزن حالة دائمة، أما الفرح فهو حالة مؤقتة، ولذلك يصبُغ الحزنُ كلماتِ الشعراء ويرخي بظلاله على قصائد الفرح أيضاً.
أما فيما يتعلّق بنا كشعراء سوريين، فلا يمكننا أن ننفصل عن دمعة طفل سوري، أو عن صرخة ثائر حرّ، أو عن شهقة أم مفجوعة...، كل ما يحدث في سوريا أصبح جزءاً من مشاعرنا وأحاسيسنا، وأصبحنا نقسّم قلبنا في قلوبٍ كثيرةٍ، ونحسُّ بأوجاعها جميعاً.

*العديد من الشعراء السوريين بدوا منفصلين عن الواقع وغير مبالين بما يجري وبعضهم اصبح يتعامل مع ما يجري بمنطق طائفي كأدونيس كيف توصّف هذه الحالات؟


** كان المثقف السوري منفصلاً عن الواقع منذ زمن، وقد اشتغل النظام طويلاً لإقامة حواجز مختلفة بين المثقف والناس. ومع انطلاق الثورة السورية المباركة، أخذ بعضُ الشعراء موقفاً معادياً منها، لأنها لم تأتِ وفقَ مقاساتهم وتصوّراتهم النظرية للثورة. وأخذَ بعضٌ منهم موقفاً رمادياً من الثورة، لقناعتهم بأن عملهم الأدبي يسمو على السياسة والحركات الشعبية، وكلاهما يُضمران نظرةً استعلائيةً للشعب، ترقى إلى درجة العنصرية والنازية. أما بالنسبة لأدونيس، فليس من السهل وصفُه بالطائفية، لكونه متحرّراً من أي انتماء ديني أو مذهبي، لكنّ موقف أدونيس المنفصم عن الواقع وعن طبيعة شعوب الشرق الأوسط، أحيا بذاكرتنا الكثير من مواقفه التي يصفُها البعضُ بالطائفية، كموقفه من الثورة الإيرانية التي ربطَ انتصارها بـ"زلزلة الخليج"، ومواقفه في كتابه الشهير "الثابت والمتحوّل" التي تحمّل الإسلام السنّي المسؤولية الكاملة عن تخلّف العقل العربي، بينما تروّج للحركات الشيعية باعتبارها حركات ثورية تحررية تنويرية، ترقى إلى درجة العلمانية.

*يقول أحدهم كلما تعقد العالم وازدادت وتيرة الوحشية ارتفاعاً أصبحت البراءة مطلباً شعرياً ملحاً وغير قابل للارتجال، إلى أي حد يصدق هذا القول على ما يكتبه الشعراء برأيك؟


*الشعر هو الملح الذي يحول بين العالم والتفسّخ، هكذا يقول "كازنتزاكس".
كل شيء في العالم المصطَنع الحديث يسير ضدّ الشعر، وضدّ الإحساس النبيل، وضد الإنسان بما يحمله من مشاعر أصيلة. وهذا ما يعزّز أهمية دور الشعر والفنّ في إعادة الإنسان إلى إنسانيته، لأن البشر لا يستطيعون العيش في العالم المادي وحده.
الشعر شيء والقصائد شيء آخر، الشعر هو المثال الأعلى الذي لا يصله أحد، بينما القصائد هي مجرّد محاولات لبلوغ هذا المثال. ونترك للزمن أهليّة الحُكم على ما يكتبه الشعراء اليوم، هل كانوا يحاولون الوصول إلى هذا المثال الأعلى حقاً؟ أم كانوا يجترّون أحاسيسهم المزيّفة؟

*أنت تميز بين الشعر والقصائد ما هي حدود هذا التمييز من وجهة نظرك، وهل (تموت الكلمات حين تقال) كما يرى الشاعر الكبير نزار قباني؟


*الشعر هو المثل الأعلى كما قلتُ، ولا يبلغ هذا المثل إلا قلّة من الشعراء، أما القصائد فهي محاولات لبلوغ هذا المثل/ النمط الأعلى، أي لا يمكننا اعتبار أن كل قصيدة هي شعر حقيقي.
معايير التمييز تكمن في الشِعرية، أي الصفات التي تجعل من نصّ ما نصاً شعرياً، وتختلف جماليات الشعرية من زمن لآخر تقريباً، لكنها تتفق بحجم الجرعة العاطفية، ومقدار الجدّة والبدعة في النص، وكيفية تحطيم أفق التلقّي عن القارئ. ما يقصده نزار قباني في كلامه هذا، هو الكلام العاطفي بين العاشقَين، ولا يقصد الكلمات المشكّلة للنصّ الشعري.
يحتاج الموت إلى ساحة ليمارس انتصاراته، فإذا حرم منها يصبح أعزل وينهار.

*هل قصائدك في "جنازة العروس" تدفع بالمعركة مع الموت إلى ذروتها أم أنها تهادنه؟


*إنني ألعبُ مع الموت لعبة الشاعر الإنكليزي"جون دان"، الذي يرى أن الموت سوف يشبع من قبض الأرواح وعندها سوف يموت.
وهكذا عاش السوريون مع الموت كأصدقاء، وأصبح جزءاً من حياتهم اليومية، أصبح الموتُ يأخذ شكل الحياة، وصار الموتُ يلبس جلد الحياة، وأصبحتْ لعبةُ الموت أشبهَ بلعبة أطفال حارتنا بالكُرة، بكلّ براءتها وعبثيّتها وعشوائيتها، كما عبّرتُ في قصيدة "يوميات الجرح السوري". 
نحن لا نواجه الموتُ، بل نتعامل معه كصديق قديم، وكمرآة عاكسة للحياة، نحن نهادنُ الموتُ ونصادقه، إلى أنْ يتعبَ منّا ومن صبرنا، ويهربَ بعيداً عنا.
وكما يقول المثل الشعبي الحمصي "هيي موتة"..!! كتبتُ:
" كلُّها مِـيْـتـةٌ واحدةْ
في حياةٍ أقـلَّ من الواحدةْ
سوف يحضُننا الموتُ مثل صديقٍ قديمٍ
ويمحو مخاوفَـنَـا الزائدةْ"

زمان الوصل - فارس الرفاعي
(158)    هل أعجبتك المقالة (146)
التعليقات (0)

تعليقات حول الموضوع

لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية
*يستخدم لمنع الارسال الآلي