ثالثاً: شرعية الدستور الجديد لعام 2012 والاستفتاء عليه:
بما أن الدستور هو العمود الفقري لنظام الحكم في أي بلد ولا يتم تغييره أو تعديله إلا في فترات زمنية طويلة، فيجب أن تكون الظروف التي يعد خلالها وظروف الاستفتاء عليه، أن تكون مثالية قدر الإمكان وأن يتم ضمان إشراك أكبر عدد من المواطنين لمنح الدستور قبولاً واسعاً وشرعية قوية. فلننظر في أية ظروف جرى الاستفتاء على دستور 2012.
جرى الاستفتاء في ظروف انقسام البلد حيث يدور على الأرض السورية ومنذ 2011 صراع مرير وحرب طاحنة قتل فيها حتى تاريخ الاستفتاء على الدستور نحو 150 ألف شهيد من المعارضة ونحو ثلث هذا العدد من قوات النظام، واعتقل نحو 200 ألف معتقل، وهدمت عشرات آلاف المنازل نتيجة الحل الأمني والقصف بالمدفعية والدبابات والصواريخ، وبلغ عدد المهجرين داخل سوريا آنذاك مئات الآلاف بينما بلغ عدد المهجرين إلى بلدان الجوار تركيا ولبنان والأردن والعراق نحو 25 ألفا، إضافة لهجرة عشرات آلاف السوريين من الفئات الوسطى والغنية إلى خارج سوريا. كما أن عددا من بلدان عربية وأجنبية كانت قد أغلقت سفارات سوريا لديها مما يحرم السوريين المقيمين في تلك البلدان من المشاركة في الاستفتاء. ولكن الأهم أن نسبة كبيرة من المناطق السورية كانت قد خرجت من تحت سيطرة النظام ولا يمكن إجراء أي استفتاء فيها، وتمتد هذه المناطق من درعا مروراً بدمشق وريفها وحمص وحماه وإدلب وحلب والرقة ودير الزور والحسكة، وهذا يعني عدم مشاركة جزء كبير من المواطنين السوريين في الاستفتاء. إن إجراء الاستفتاء في مثل هذا الظرف المحتقن هو استهتار بإرادة السوريين ويعكس النظرة التي ينظر بها النظام لإرادة الشعب ولأية عملية استفتاء على أنها ليست أكثر من أمر شكلي لا قيمة له أمام "إرادة القائد" وقراره.
ولكن ورغم كل هذه الظروف النافية لشرعية أية انتخابات أو استفتاءات تجري خلالها، فقد استمر النظام في غيه وأجراها، وزعم أن نسبة من قالوا نعم للدستور الجديد قد بلغت 51.30% ممن يحق لهم التصويت بحسب إعلان النظام، ولا شك بأنها نسبة مزورة، لذلك قمنا بإجراء تقدير بناءً على نتائج تصويت في سنوات سابقة آخذين بعين الاعتبار الظروف التي ذكرناها، فوجدنا أن نسبة من قالوا نعم للدستور الجديد لا تزيد عن 22.1% ممن يحق لهم التصويت، وهذه النسبة المنخفضة هي نتيجة منطقية للظروف التي بيناها والتي تمنع وتعيق نحو نصف الشعب السوري من المشاركة في الاستفتاء، الأمر الثاني هو المقاطعة الواسعة من السوريين للمشاركة في مثل هذه المسرحية التي أعدها وأخرجها بشار الأسد في المناطق التي بقي النظام مسيطراً عليها آنذاك، بسبب نقمتهم المضاعفة بسبب القتل والتهجير والاعتقال، فجزء كبير ممن كان بامكانهم المشاركة رفضوا ذلك معبرين عن موقف رافض لسياسة القمع التي استخدمها النظام ضد شعبه.
لكل هذه الأسباب فإن دستور بشار الأسد لعام 2012 فاقد للشرعية مرة أخرى.
خامساً: شرعية إجراء انتخابات رئاسية ضمن الظروف الاستثنائية الحالية التي ستجري فيها:
الانتخابات العامة أو الانتخابات الرئاسية والاستفتاء على الدستور تأتي عادة لحل أزمة مستعصية في البلاد، وتتم نتيجة توافق الأطراف المتصارعة خصوصاً في بلد مثل سوريا يواجه كارثة لم يواجهها بلد في العالم منذ مطلع القرن العشرين، بينما يتوجه الأسد لإجراء انتخابات رئاسية في تموز 2014 ساعياً لفرض إرادته السياسية متوهماً بالحسم العسكري، في وقت بلغ فيه عدد الشهداء والقتلى الربع مليون من كافة الأطراف حتى الآن، بينما يقتل رجل واحد كل 30 دقيقة وامرأة واحدة كل 45 دقيقة وطفل واحد كل 50 دقيقة، وأصبح نحو 3 مليون طفل بدون تعليم حتى الآن، ويوجد 4 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، ويوجد نحو مائتا ألف معتقل في سجون النظام وهدم أو خرب نحو مليون بيت، وخربت البنية التحتية وتهدمت نحو 3000 مدرسة ونحو ربع المستوصفات والمشافي، وهدم الاقتصاد الوطني وجاءت إلى سوريا مجموعات جهادية سلفية متطرفة لتقاتل إلى جانب المعارضة أو جانب النظام، وهذه مجموعات لها مشاريع أخرى لا تمت بصلة لمشروع الشعب السوري في بناء دولة ديمقراطية تعددية عصرية، وأصبحت أعداد المهجرين في دول الجوار (لبنان والأردن وتركيا وشمال العراق ومصر) أكثر من 2.5 مليون نسمة، إضافة لنحو 6.5 مليون مشردين داخل سوريا، والرقم في تصاعد. كما تم إغلاق سفارات سوريا في عدد غير قليل من الدول التي يتواجد فيها أعداد كبيرة من السوريين، مما يمنعهم من المشاركة في الانتخابات. ولا يملك النظام سيطرة سوى على أقل من ثلث الأراضي السورية.
إن مجمل هذه الظروف تجعل أي انتخاب أو استفتاء فاقداً للشرعية، بسبب الظروف الاستثنائية القائمة وبسبب أن أكثر من 70% من السوريين لا يتمكنوا من المشاركة أصلا في أية انتخابات ضمن هذه الظروف، وبسبب أن الاحتقان القائم سيبقي جزءاً كبيراً آخر داخل بيوتهم ولن يذهبوا للمشاركة فيها.
إن الانتخابات الرئاسية لا يمكن أن تتم قبل أن تضع الأزمة السورية أوزارها عبر حل سياسي توافقي يقوم على اتفاق جنيف 30 حزيران 2012 وقيام هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التشريعية والتنفيذية يشترك فيها جميع مكونات الشعب السوري بما فيه أطراف من المعارضة وأطراف من النظام وأطراف أخرى من المجتمع السوري، والذي لا مكان فيها للأسد وأركان حكمه. ثم اجتياز مرحلة انتقالية يتم فيها إنجاز خطوات وإجراءات صعبة تتعلق بإعادة الاستقرار والهدوء على كافة الأرض السورية، وبعودة المهجرين إلى خارج سوريا والمشردين داخل سوريا إلى منازلهم، وعودة حد أدنى من الحياة الطبيعية تدريجياً وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بما فيها الجيش والأمن، ومعالجة موضوع المجموعات المسلحة للمعارضة على قاعدة لا سلاح خارج يد الدولة، وقيام مصالحة وطنية ووضع دستور جديد للبلاد والذي على أساسه ستجرى انتخابات بحسب التوافق الذي سيتم في الدستور سواء كان نظام الحكم برلماني ام رئاسي أم بينهما.
|
|
*مكتب الدراسات - اتحاد الديمقراطيين السوريين
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية