ثانياً: معيار شرعية دستور 2012 الذي ستجرى الانتخابات بموجبه:
عادة لا يتم تغيير الدساتير إلا استجابة لضرورات ومتطلبات كثيرة والاستجابة لحاجة كبيرة للتغيير. هذه المتطلبات برزت وتراكمت بقوة على مدى أربعة عقود وانفجرت في ربيع عام 2011. وبالتالي سنحكم على مدى شرعية دستور 2012 بمدى استجابته للمتغيرات الكبيرة جداً واستجابته للضرورات ومدى فتحه الباب الواسع للمستقبل وإعادة تنظيم النظام القائم في الدولة على أسس تساعد على الاستقرار والازدهار والانفتاح.
أبرز الفروقات بين دستور 1973 ودستور 2012 هي أن دستور 2012 شطب صفة الاشتراكية من تعريف الجمهورية العربية السورية ولم تعد المادة الثامنة تنص على أن حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة، بل أصبحت تنص على أن النظام السياسي للدولة يقوم على مبدأ التعددية السياسية، وتتم ممارسة السلطة ديمقراطياً عبر الاقتراع. وتسهم الأحزاب السياسية المرخصة والتجمعات الانتخابية في الحياة السياسية الوطنية. أما كيف ستسهم وما معناها فلا أحد يعرف، فالقانون الذي سيضعه الأسد، إضافة لقبضة الأمن ستحددان شكل هذا الإسهام وحدوده.
ولكن الدستور الجديد تجنب استخدام عبارة "تداول السلطة" التي هي العبارة الجوهرية في أي نظام ديمقراطي. والمادة 10 في الدستور الجديد لم تنص على حرية تشكيل النقابات والجمعيات والمنظمات المدنية غير الربحية وأبقتها بنفس روح صيغة دستور 1973. أما المادة 11 فلم تعد القوات المسلحة مسؤولة عن حماية أهداف الثورة في الوحدة والحرية والاشتراكية. أما بحسب المادة 12 فلم يعد الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال، بل أصبح اقتصاد سوق، أما المادة التي تنص على نزع الملكية، فبقيت تعسفية تقريباً بنفس روح الدستور القديم. وأبقى دستور 2012 على سقف للملكية الزراعية وهذا أمر غير مفهوم طالما أنه لم يحدد سقف للملكية في أي قطاع اقتصادي آخر.
من وحي الحل الأمني المطبق حالياً، فالمادة 21 في دستور 2012 تنص على أن الشهادة في سبيل الوطن قيمة عليا، وتكفل الدولة ذوي الشهداء وفقاً للقانون. واستبدل النص المتعلق بالتزام الدولة بتقديم العناية الصحية بنص عام يعفي الدولة من هذا الالتزام فقد نصت المادة 25 على أن التعليم والصحة والخدمات الإجتماعية أركاناً أساسية لبناء المجتمع، وهذا نص إنشائي فضفاض لا يلزم الدولة بشيء.
أما حول الحريات العامة في التعبير والتنظيم فلم تنص المادة 33 او المادة 42 على حريات التنظيم والتعبير والتظاهر والإضراب بوضوح وصراحة، بل قدمت نصاً إنشائياً فضفاضاً مفاده أن الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم. أو المادة 42 التي نصت على أن لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول أوالكتابة أو بوسائل التعبير كافة. وحول حرية الإعلام فقد نصت المادة 43 على أن تكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر ووسائل الإعلام واستقلاليتها وفقاً للقانون. وكلمة وفقاً للقانون تعني أن تقييد هذه الحريات بيد من سيضع القانون. ومثلها المادة 45 المتعلقة بتكوين الجمعيات والنقابات فقد نصت المادة على حرية تكوين الجمعيات والنقابات، على أسس وطنية ولأهداف مشروعة وبوسائل سلمية، مكفولة وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون. والقانون كفيل بتقييد هذه الحريات.
إذن التغييرات التي جاءت بخصوص الحريات العامة في التنظيم والتعبير في دستور 2012 جاءت منقوصة من جهة وتم ربطها بالقانون الذي سينظمها، وبحسب التقاليد السورية فالقانون سيقيد هذه الحريات إضافة إلى أن الأجهزة لم تحترم يوماً نص القانون وبالتالي يعد هذا التغيير، فيما يخص الحريات العامة، أقل بكثير من المتطلبات التي يفرضها العصر ويفرضها فشل السلطة خلال 40 عاما.
حول سلطات الرئيس التي كانت هائلة في دستور 1973 فقد منح دستور 2012 رئيس الجمهورية نفس السلطات الهائلة في الدستور السابق وزاد عليها، فبشار الأسد يتولى تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه وتسمية الوزراء ونوابهم وقبول استقالتهم وإعفاءهم من مناصبهم. (المادة 97) وهو يضع في اجتماع مع مجلس الوزراء برئاسته السياسة العامة للدولة ويشرف على تنفيذها. (المادة 98) وهو من يصدر القوانين التي يقرها مجلس الشعب، ويحق له الاعتراض عليها (المادة 100) وخارج دورات مجلس الشعب فهو يُصدر المراسيم والقرارات والأوامر (المادة 101) اي كل ما يريده أن لا يمر على مجلس الشعب يصدره فيما بين دورات انعقاد المجلس الذي ينعقد ثلاث مرات في السنة. وهو من يُعلن الحرب والتعبئة العامة ويعقد الصلح (المادة 102) ويُعلن حالة الطوارئ ويُلغيها (المادة 103)، وهو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة ويصدر جميع القرارات والأوامر اللازمة لممارسة هذه السلطة (المادة 105). و يُعين الموظفين المدنيين والعسكريين وينهي خدماتهم وفقاً للقانون. (المادة 106) وُيبرم المعاهدات والاتفاقيات الدولية ويلغيها (المادة 107) و يمنح العفو الخاص(المادة 108)، وفعلاً منح بشار الأسد العفو أكثر من مرة على طريقة والده أي يمنحه للمجرمين ولا يمنحه لمعتقلي الرأي. وللرئيس أن يقرر حل مجلس الشعب ( المادة 111) ويُعد مشاريع القوانين ويُحيلها إلى مجلس الشعب للنظر في إقرارها. (المادة 112) ويتولى سلطة التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب، أو أثناء انعقادها أو خلال الفترة التي يكون فيها المجلس منحلاً. (المادة 118) و يشكل الهيئات والمجالس واللجان الخاصة ويحدد مهامها وصلاحياتها. (المادة 115) ويَرأس مجلس القضاء الأعلى ويحدد طريقة تشكيله واختصاصاته وقواعد سير العمل فيه. (المادة 133) ويسمي أعضاء المحكمة الدستورية العليا (المادة 141) وله حق اقتراح تعديل الدستور. (المادة 150) أي الرئيس الأسد هو قد احتكر السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية يضاف لها أنه القائد العام للجيش والقوات المسلحة وأمين عام حزب البعث ورغم كل هذه الصلاحيات فهو غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهامه (المادة 117).
من خلال المقارنة يظهر بجلاء أن دستور 2012 لم يلبي حتى الحد الأدنى من ضرورات التغيير والاستجابة لمطالب الملايين من الشعب السوري التي خرجت تطالب بالتغيير، ولم يستجب للضرورات ولم يفتح الباب واسعاً للمستقبل ولم ينظم الدولة على أسس تساعد على الاستقرار والازدهار والانفتاح. بل يهدف دستور 2012 الى اعادة انتاج نفس النظام الشمولي بكافة اركانه ومكوناته ونفس السلطات الاستثنائية لشخص رئيس الجمهورية الذي ساد في سوريا منذ 1970 وحتى الآن، مع تغييرات شكلية مقيدة، ليعيد انتاج نفس النظام بقالب نظام يشبه نظام بن علي او نظام مبارك البائدين.
الأمر الوحيد الذي تغير جوهرياً هو اطراف العقد الاجتماعي، ففي حين قام العقد الاجتماعي لدستور 1973 على تحالف فقراء الريف مع فقراء المدن من عمال وفلاحين وصغار كسبة وموظفي الدولة بقيادة الجيش، فان العقد الاجتماعي لدستور 2012 قام على تحالف السلطة الحاكمة مع راسمالية جديدة ريعية تكونت من رحم النظام ذاته على حساب الطبقات الفقيرة.
الأمر الأهم أن إعداد دستور 2012 لم يجري من قبل هئية تأسيسية منتخبة ولا حتى من قبل لجنة مستقلة واسعة من الخبراء. فقد سمى بشار الأسد أعضاء لجنة الدستور من موظفين وعاملين لدى الدولة ومن قضاة ومحامين اعتادوا العمل تحت توجيهات الدولة. والأمر الأهم ان هذه اللجنة لم تكن مستقلة، فكان بشار الأسد يتدخل في عملها دائمأً ويحدد السمات العامة للدستور الجديد وتدخل في صياغة جميع مواد الدستور على الاطلاق وبدون استثناء لتكون بالطريقة التي رآها مناسبة. فالدستور وبكلمة واحدة هو من صياغة بشار الأسد ومفصل على مقاسه ومقاس السلطة التي قامت في سوريا منذ 1963.
كأحد مؤشرات انعدام الاهتمام و ضعف الاقبال على الدستور الجديد، فقد دخلت بتاريخ 6 نيسان 2014 على موقع مجلس الشعب السوري على الانترنت، أي بعد أكثر من عامين على صدور الدستور الجديد وفتحت صفحة الدستور السوري الجديد الصادر عام 2012، فوجدت أن عدد المشاهدات قد بلغ 10654 مشاهدة فقط وهو رقم هزيل، بينما عدد المشاهدات يجب أن يزيد عن عدة ملايين لوثيقة بهذه الأهمية و في بلد يشهد صراعا قاتلا والدستور هو أساس في أي صراع. وهذا يعكس واقع أن معظم الشعب السوري لا يعنيه هذا الدستور بشيء، ويعكس قناعة السوريين بأنه من المهازل وضع دستور في سوريا وهي تمر في مثل هذه الظروف من الاقتتال والتهجير اضافة لقناعتهم بأن الدستور الجديد سيكون نسخة عن القديم مع تغييرات ثانوية لأن نفس العقل الذي وضع الدستور السابق قد وضع الدستور الحالي وبنفس الطريقة والأدوات وبالتالي المنتج واحد.
من هنا فإنه دستور 2012 فاقد للشرعية من حيث النص والشكل والمضمون.
من البلد | |
|
**مكتب الدراسات - اتحاد الديمقراطيين السوريين
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية