في مدينة "ألِن تاون"- بنسلفانيا، شرقي الولايات المتحدة الأمريكية تعيش القسيسة السورية "دعد معماري" التي هاجرت من قرية المشتاية في وادي النصارى منذ أكثر من عقدين من الزمن حياة هي مزيج ما بين الثورة والرهبنة، ولأنها اكتشفت مبكراً خطايا النظام السوري الذي كان يخدّر الناس بشعاراته الزائفة التي طالما أبقتهم بعيدين عن التطور والتقدم.
حاربتْ هذا النظام ومارست ثورتها "الأحادية" ضده، ومع أول نسائم الحرية التي أرسلتها الثورة السورية كان من الطبيعي أن تجد القسيسة دعد معماري نفسها في خضمها، معلنة دعمها بكل ما تملك، مخالفةً في ذلك كل "بطاركة الشرق" الذين لا زالوا يؤْثرون نظام البعث على أي نظام آخر قد ينشأ في حال سقوطه، مما جعل أقرب المقربين من موالي نظام الأسد يقطعون علاقتهم بها ويعتبرونها "خائنة ومرتدة وناكرة لجميل آل الأسد على السوريين والمسيحيين منهم بالذات".
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل سعوا لإيذائها بكل ما يملكون من عدوانية وحقد كما تروي في تصريحات خصت بها "زمان الوصل".
حول بدايات معارضتها للنظام السوري وخروجها عن السرب تقول القسيسة "دعد معماري": منذ الثمانينات كنت أمارس ثورة أحادية وأذكر في هذا السياق أن موجهاً للغة الإنكليزية زار الصف في إحدى حصصي الدراسية أوائل الثمانينات، وبعد أن أبدى إعجابه باجتهاد طلابي وانضباطهم واستيعابهم الجيد وحسن تعلمهم للغة, أخذني إلى قاعة فارغة وقال لي: أنت تخالفين الخطة والتوجهات البعثية، فالتوجه هو "المتعلم الجاهل" وخاصة في اللغة الإنكليزية، وعندها بدأتُ التحدي وأكملت مسيرتي كمعلمة شريفة قادرة ومحبة للعطاء، تعطي بأكثر ما تستطيع من إمكانيات.
وتضيف معماري: بعد ذلك تابعت ثورتي الأحادية في مجلس محافظة حمص وكنت الممثلة الحقيقية للمنطقة التي أمثلها "وادي النصارى"، وكثرت الضغوط بسبب مواقفي الرافضة للتوجهات المخالفة للنظام الداخلي ورفضي الموافقة على المشاريع الوهمية لتغطية سرقة أموال المحافظة، ولم أستسلم للتوجهات مما جعلني عرضة للتحقيقات طويلة الأمد والمضايقات، ولكنني تابعت مسيرتي كإنسان سوري حر شريف غير آبهة بما يقولون ويفعلون.
مرتدة وناكرة للجميل !
تعيش القسيسة معماري ما يشبه العزلة من قبل أقاربها ومعارفها بسبب مواقفها الشجاعة من النظام السوري وحول ذلك تقول: منذ اندلاع الثورة السورية وانخراطي الكلّي فيها، بات أقاربي ومعارفي جميعهم تقريباً ينظرون إلي على أني مرتدة وخائنة وناكرة لجميل آل الأسد على السوريين، والمسيحيين منهم خصوصاً.، وإحدى السيدات في مسيرة مؤيدة للنظام السوري وهي بالمناسبة ابنة عم لي -وأمام البيت الأبيض- كانت ترفع اصبعها بإشارة قذرة وتشتمني شخصياً والشتيمة مسجلة لدي، وكل ما فعلته عندها أنني قلت لها : "يباركك الرب أنا أكره ماتفعلين أوعتبره من العيب ولكن أحبك وستبقين ابنة عمي وأختي في المواطنة".
وتردف القسيسة الشجاعة قائلة: بسبب مواقفي من هذا النظام لم يعد أحد من الأقارب يزورني، وأظهر كل المؤيدين عداءهم تجاهي وأساء بعضهم إلي شخصياً بالسباب ومحاولة الدعس بسياراتهم لأكثر من مرة، وأذكر أن بعضهم قد هجموا على بناء لي كنت أؤجره عام 2011، وكان المستأجر غائباً في إجازة, فأعتدوا على البيت بالتخريب وأتلفوا بعض محتوياته وقد كلفني تصليحه أكثر من 13000 دولار.
وتمضي القس دعد معماري ساردة بعض المواقف والمضايقات التي تعرضت لها من قبل مؤيدي النظام السوري في أمريكا قائلة:
حاولوا دهسي بشاحنة مرتين مع السباب والكلام البذيء وأذكر أن أحدهم قال لي ذات مرة "لعمى لساكي عايشة"!
وحتى أخي وهو يعيش في أميركا عندما سئُل عن مدى قرابته لي من أحد أصدقائه بسبب الشبه بيننا قال له: أنا لا أعرفها، وإحدى مؤيدات النظام "شبيحة" صارت تصرخ في وجه الكوافيرة عندما وجدتني في صالونها هناك قائلة: "ليش سمحت لهالسلفية تفوت على صالونك؟ ليش ما بتطرديها؟ ولله أنا بدالك لدوس على رقبتها وكبّها برا".
وغالباً ما يتعرض لي مؤيدو النظام في البقالية والكنيسة، وقد طُردت من الكنيسة الأرثوذوكسية ذات مرة، وركض عضو الكنيسة ورائي يحاول إيذائي من البارك حتى وصلتُ إلى سيارتي.
حرية في الخفاء !
وحول تفسيرها لهذه الممارسات، وفيما إذا كان ذلك مسموح به في أمريكا بلد الحريات تقول معماري:
في أميركا هناك هامش كبير من الحرية الدينية والحرية الاجتماعية أما الحرية السياسية، فيمارسونها في الخفاء في ظل الكنيسة والنادي الاجتماعي، وأميركا لم تنتبه لذلك بعد –ويبدو أن البعث الأسدي وأحزاب الجبهة يسيطرون على تلك المؤسسات ويمارسون الإرهاب المبرمج المدعوم من قبل السفارة ومندوب البعث في الأمم المتحدة، وقد رصدت عدة لقاءات بين السفير السابق والموالين وكذلك مع بشار الجعفري الذي استعمل التشبيح بطريقة مخالفة للقانون الأمريكي، وهذا "الإرهاب المبرمج"، كما تقول معماري، مخالف للقَسم الأميركي عند استلام شهادة الجنسية الأميركية الذي يؤكد على التخلي عن كل ارتباط سياسي أجنبي والولاء المطلق لأميركا ودستورها وعلمها ونبذ أي ولاء خارجي آخر، وأنا هنا أحاول تصعيد الموضوع ولكنني وحدي وأحتاج العون.

وحول رأيها بأسباب انسياق أغلب المسيحيين في سوريا وراء النظام وولائهم المطلق له وما السر في ذلك تقول دعد معماري:
الكنيسة السورية التقليدية (الأورثوذوكسية والكاثوليكية) في سوريا للأسف نائمة أو مخدرة أو بعثية: الخوري الأورثوذوكسي يقول لي: هذه الكنيسة لبشار الأسد ولعل من أهم أسباب ذلك الجهل الديني وسيطرة البعث الأسدي على رجال الدين والفهم الناقص للخضوع للسلطة بالنسبة للمسيحيين.
وتضيف القسيسة دعد معماري إن البعث الأسدي همّش للأسف الشرفاء واستهدف تصفيتهم وسلط الجهلاء وضعاف النفوس وأساء إلى الوجه الحضاري والمتمدن للشعب السوري ليسهل عليه استعمال سياسة العصا الغليظة فأناخ الشعب العظيم وتحول إلى دمى متحركة مبرمجة للتصفيق وتمجيد القائد، وضاعت الأخلاق وضاع الوطن وأصبحت سوريا في عداد الدول الإرهابية بعد أن كانت أم الحضارة وأم العلم والعلماء.
وعن قناعتها بأنها على الجانب الصحيح من التاريخ في تأييدها للثورة السورية تردف القسيسة معماري قائلة:
الصحيح برأيي أن يطاع الله أكثر من الناس، والسلطة التي لاتطيع الله لاتُطاع، ولكن مايجري هو أمر رجال الدين المسيحيين للكنيسة بإطاعة السلطة حق باطل وهذا ما يعتمده البعثيون من أصل مسيحي.
وأنا بإرادة الله وإرادة والدي الذي أخذ بيدي إلى المدرسة في عام 1948 وبإرادته كنت ولا أزال معلمة لمحاربة الجهل، وأنا أم أربّي أولادي على معرفة الله والحق والخير، وتالياً أنا عضو في مجتمع مهمّش لأساعده في النهوض، ولن أضع يدي على عيني لأسير مع العميان كعمياء والمسيح تحدث عن "قادة عميان يقودون عمياناً، فيقعون جميعاً في حفرة، وأنا لست على استعداد لأن أغمض عينيّ لأن قائدي أعمى".ولن أضع رأسي بين الرؤوس ليقطع، ولن أدعم الباطل لأن أصدقاءه كُثر وعاهدت نفسي أن لا أكون إلا شمعة تحترق لتنير ظلام ليل بعثي طويل، فلابد لليل أن ينجلي ولا بد للقيد أن ينكسر كما يقول الشاعر.
وحول نصائحها لنجاح الثورة وانتصار الثوار على النظام تقول القسيسة معماري: يجب أولاً توحيد القيادة العسكرية ورفض كل شعار غير علم الثورة واعتماد مبدأ الاحترام بين الجناح العسكري للثورة والجناح السياسي وترك السياسة للسياسيين والعسكرة للعسكريين وتوحيد الجهود من أجل الهدف الأول والأهم وهو إسقاط النظام وحل حزب العث وكل أحزاب جبهته ودعم الحكومة المؤقتة (في المنفى) لتقوم بمهامها مهما كانت قدرتها ضعيفة يكفي أن تثبت وجودها.
كما نصحت بالتوقف عن نقد الصديق والاستهانة بعطائه وتوجيه كل الطاقة ضد العدو الأسدي البعثي واشتراكيته وإرهابه وديكتاتوريته، ونبذ سياسة التحويل الاشتراكي التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه واعتماد سياسة التحويل الديموقراطي واحترام الإنسان كإنسان خلاق مبدع قادر على العطاء عندما تكون حريته مصانة.
فارس الرفاعي - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية