* إجراءات المنع والقمع في تثبيت سعر الصرف ذات تأثير محدود وترويج إعلامي للتأثير على سوق صرف العملات الرئيسية
* ما يقال عن تصدير النفط السوري للعراق غير دقيق إذا لا توجد مصاف بالداخل ولا أنبوب إلى العراق في مناطق الحسكة
لماذا لم يسقط نظام بشار الأسد من بوابة الاقتصاد عامة ولا الليرة على وجه التحديد، بل ثبت سعر الصرف ويمول -وإن بالاستدانة والعجز- حتى اليوم، وأيّ أثر يمكن أن يحدثه طرح الذهب السوري، سبائك وليرة ونصف ليرة، إن لتقوية الليرة أو لتخفيف الطلب على العملات الرئيسية.
ولعل الأهم، من أين يأتي نظام بشار الأسد بالأموال وموارد الخزينة بعد توقف تصدير النفط وتراجع الضرائب، أم أن ثمة تصديرا إلى العراق، إنْ عبر النظام مباشرة أو عن طريق من يضع يده على الآبار، سواء كان حزب "البي يي دي" أو حتى "داعش"؟!
في محاولة لوضع إجابات لهذه الأسئلة وغيرها، التقت "زمان الوصل" الباحث الاقتصادي سمير سعيفان فكان هذا الحوار:
تثبيت سعر الصرف
* استطاع مجلس النقد والتسليف تثبيت سعر صرف الليرة السورية عند عتبة 150 ليرة للدولار، سواء عبر ضخ كتل دولارية بشكل مباشر عبر "جلسات المركزي" أو عبر محاصرة السوق وإغلاق شركات الصرافة واعتقال أصحابها..هل تتوقع ثبات سعر صرف الليرة رغم تبديد الاحتياطي وغياب كل محددات قوة الاقتصاد أو النقد؟!
** نعم استطاع النظام تثبيت سعر صرف الليرة السورية عند حدود تزيد بأكثر من ثلاث مرات عن سعر الصرف في ربيع عام 2011 ولكنها تقل عما كان متوقعا في مثل هذه الظروف، ولكن ما يثبت سعر الصرف ليس إجراءات المنع والقمع فهذه ذات تأثير محدود، فسعر الصرف يستقر بحسب توازن العرض والطلب على العملات الصعبة أو العملة المحلية. وهنا لعبت عدة عوامل قلصت الطلب على العملات الصعبة إلى حدود تعادل الطلب عليه عند سعر صرف يقارب 150 ليرة سورية للدولار الأمريكي الواحد. ومن العوامل التي قلصت الطلب على الدولار:
أ----------_ من الجانب الحكومي: 1) تراجع الطلب الحكومي بشكل كبير بسبب تقليص الإنفاق الاستثماري الذي كان يعادل نحو 40% من الموازنة العامة.
2) تقليص طلب مؤسسات الدولة لاستيراد مستلزمات تشغيل القطاع العام التي توقف معظمها عن العمل. 3) تقليص المستوردات الاستهلاكية التي كانت تستوردها الحكومة مثل الشاي والسكر والأرز ومستلزمات قطاعي الصحة والتعليم وغيرها. 4) تقليص تمويل مستوردات القطاع الخاص إلى حدود كبيرة. 5) خروج مساحات واسعة من الأراضي السورية من تحت سيطرة النظام وتخلي النظام عن أي إنفاق تجاهها، 6) توقف النظام عن سداد رواتب مئات آلاف الموظفين الذين قتلو أو اعتقلوا أو هجروا أو انضموا للمعارضة.
ب--_ من جانب القطاع الخاص والأهلي: 1) تقلص إنفاق السوريين إلى الحدود الضرورية جداً 2) تهجير عدة ملايين من السوريين إلى خارج سوريا سواء إلى المخيمات أو إلى دول أخرى مثل الخليج وأوروبا مما يقلص الطلب المحلي، 3) تقلص طلب الأهالي على الدولار سواء كان للتعليم في الخارج أو الطبابة في الخارج أو السياحة او غيرها.
بينما من جهة العرض أي توفر الدولار لدى النظام أم القطاع الخاص أم الأهالي فقد تقلص بسبب:
1) فقد تراجع إنتاج النفط وتراجع صادراته 2) تراجع مختلف الصادرات السورية وخاصة الصادرات الزراعية والصناعية للقطاعين العام والخاص، 3) تراجع تحويلات السوريين من الخارج بينما زادت في السنة الأولى هروب الاستثمارات والمدخرات مما يزيد الطلب على الدولار، وقد تراجع الهروب بسبب عدم إنتاج فوائض بسبب تدهور وضع الاقتصاد إلى حد بعيد.
وبالتالي فإن استعمال النظام لاحتياطيات الدولة بشكل مقتصد والقروض التي تأتي من إيران، ويوجد احتمال عن اقتراض من روسيا دون الإعلان عن ذلك، اقتراضا نقديا، إضافة لديون قيمة الأسلحة التي تقدمها روسيا للنظام، كلها وفرت حجماً من العملات الصعبة في السوق تكفي لأن يتوازن العرض والطلب عند هذه الحدود. يضاف عاملان آخران:
1) فقد وضع النظام أتاوات على رجال الأعمال وطلب منهم المساعدة في تمويل أعماله بأشكال مختلفة بحجة أن رجال الأعمال هؤلاء قد كونوا ثرواتهم بفضل هذا النظام حين كان على رأس حصانه، والآن حان الوقت لأن يقفوا معه ويردوا له شيئا من الجميل والمعروف السابق، وهو يواجه أزمته المصيرية، ومن لم يستجب وقع عليه الغضب واضطر من امتنع عن المساهمة أن يغادر سوريا ويوجد عدد من كبار رجال الأعمال الذين غادروا سوريا لهذا السبب.
2) الدعم الذي يأتي لمجموعات المعارضة يوفر كتلة نقدية من العملات الصعبة في السوق المحلي تساهم في هذا التوازن.
أما إجراءات القمع والمنع فتلعب دورا محدودا يمنع عمليات المضاربة المفتوحة على الليرة السورية.
هذه العوامل كلها قلّصت الطلب على الدولار إلى حدود كبيرة، ووفرت عرضا محدودا جعلت السعر يتوازن عند هذا المستوى المذكور وفي حال حدوث اختلال في هذا التوازن، سنشهد تغيرا في سعر الصرف صعوداً أم هبوطا. مثلا تأخر البنك المركزي في عرض كمية من العملات الصعبة يحتاجها السوق لسد فجوة العرض والطلب عليها، فتسبب ارتفاعا والعكس صحيح. أما إجراءات القمع والمنع كما ذكرنا فتأثيرها محدود.
الذهب كملاذ للمكتنزين
*استعانت الحكومة بجمعية الصاغة، فطرحت سبيكة سورية ومن ثم ستطرح قريبا ليرة ونصف ليرة ذهب..أتعتقد تلك الحلول ستغير من اهتمام المكتنزين أو المدخرين ليتجهوا للذهب كملاذ آمن ويبتعدوا عن العملات الرئيسية وبالتالي قد تتعافى الليرة.
** لا أعتقد أن هذا يغير في المعادلة التي شرحتها أعلاه. ولن تشكل السبائك أو الليرات الذهبية قيمة ذات تأثير في الكتلة النقدية في التداول ولن يكون لها تأثير على سعر صرف الليرة السورية تجاه العملات الصعبة وتجاه الذهب. فالليرات الذهبية السورية والسبائك الذهبية السورية سيتحدد سعرها بحسب السعر العالمي لها وليس بحسب عرضها والطلب عليها في السوق المحلي. فببساطة عندما يرتفع سعر الذهب في العالم ويصبح بيع الليرات والسبائك الذهبية خارج سوريا مربحاً فسيتم تهريبها. ومن قبل تداولت وسائل الإعلام أخبار تسييل وبيع المخزون الذهبي لدى البنك المركزي، ثم ليس لدى سوريا إنتاج للذهب كي تغطي الطلب عليه للمدخرين، بل ستستورده من السوق العالمية.
ربما أراد المصرف المركزي توجيه الطلب على الادخار من العملات الصعبة إلى الذهب (سبائك أو ليرات) ولكني أعتقد أن الطلب على العملات الصعبة للادخار ليس كبيراً بسبب التدهور الهائل في جميع قطاعات الاقتصاد واضطرار الناس لاستعمال مدخراتهم السابقة، أي يوجد اتجاه معاكس للادخار. ولا يتراكم فوائض ومدخرات لدى السوريين هذه الأيام سوى لدى أثرياء الحرب من الطرفين كبار شبيحة النظام وكبار شبيحة المعارضة وهؤلاء يرحبون بهذه الخطوة لأن حفظ الذهب والفضة في بيوتهم أسهل، اذ يمكن وضعه في حفرة في البيت، دون خوف عليه من التآكل كما يحدث مع العملات الصعبة الورقية.
أظن أن هذه ليست أكثر من ترويج إعلامي للتأثير على سوق صرف العملات الأجنبية.
أسرار ملّاك وتصدير النفط
* قال النائب الاقتصادي قدري جميل قبل إقالته إن صادرات النفط السوري صفر..فهل تعتقد ذلك؟
** في سوريا يوجد ثلاث مناطق رئيسية لإنتاج النفط والغاز، الأولى وهي الأقدم تقع في محافظة الحسكة وقد كانت تنتج نحو 220 ألف برميل نفط ثقيل، والحقول في غالبها تحت سيطرة حزب "بي يي دي"، والثانية في منطقة دير الزور باتجاه البوكمال والميادين والرقة، وكانت تنتج نحو 140 ألف برميل نفط خفيف وتقع جميعها تحت سيطرة مجموعات متفرقة من المعارضة المسلحة، والثالثة في المنطقة الوسطى ومركزها تدمر وشرق حمص وهي تنتج غازا بالدرجة الرئيسية، إضافة لنحو 15 ألف برميل مكثفات وتقع تحت سيطرة النظام.
نعم بعد خروج جميع حقول إنتاج النفط في سوريا من تحت سيطرة النظام فإن إنتاج النفط على نحو نظامي قارب الصفر، ولكن لا يعرف بالضبط ما هو الاتفاق بين حزب "بي يي دي" والنظام. فبعض الحقول في محافظة الحسكة تقع تحت سيطرة "بي يي دي"، ويعتقد أن بعض الإنتاج مازال يقوم ويتم ضخه إلى مصفاة حمص وعادة ما يبرم النظام مع كتائب المعارضة المسلحة اتفاقات على طول مجرى خط الأنابيب كي لا تقوم بتفجير الأنبوب لقاء دفع مبالغ معينة وقد يكون هذا مستمراً.
أما التصدير إلى خارج سوريا فبالتأكيد لا يوجد أي تصدير، فطاقة تركير المصفاتين في حمص وبانياس تقارب 240 ألف برميل في اليوم.
ومازالت بعض المكثفات النفطية تخرج من حقول الغاز في المنطقة الوسطى القريبة من تدمر التي يسيطر عليها النظام وكمياتها محدوة، ربما لا تتعدى بضعة عشر آلاف برميل في اليوم.
إيران تمد الأسد بالبقاء
* البعض يقول إن سوريا تصدر بعض نفطها عبر العراق وتستورد من العراق وإيران، ما حقيقة الميزان التجاري النفطي الآن.
** لا أعتقد ذلك، إذ لا يوجد إنتاج للتصدير وإن وجد فالمصافي المحلية موجودة، ثم لا يوجد أنبوب للتصدير من سوريا إلى العراق في مناطق الحسكة. أما النفط الإيراني فهو جزء من القروض الإيرانية لسوريا والتي يأتي جزء منها على شكل عيني (نفط) وتصل ببواخر إلى ميناء بانياس. أما تصدير النفط من العراق إلى سوريا عبر الخط الذي يمر بمنطقة دير الزور فلا معلومات لدي عن مستوردات تتم عبره، ولكن كي يحدث هذا يجب تشغيل محطات الضخ وضمان سلامة الأنابيب من التفجير وهذا يتطلب اتفاق بين النظام والكتائب التي تسيطر على مناطق مرور النظام.
الحرب على النفط
* سيطر الثوار وبعض المتطرفين على آبار النفط، كيف يتم الاستثمار وهل من معلومات للتصدير أو لمقايضتهم النظام النفط بأشياء أخرى.
** في الواقع يعد تدهور إنتاج النفط من أكبر الخسائر الاقتصادية لسوريا. وقد سيطرت مجموعات مختلفة من المعارضة (مجموعات جيش حر، عشائر، مجموعات متطرفة مثل داعش والنصرة وغيرها) سيطرة على الحقول والآبار وتقتتل فيما بينها من أجل هذه السيطرة، وتقوم باستخراج النفط من بعض الآبار بطريقة بدائية مضرة بالآبار وتكريره بطريقة بدائية مضرة بالبيئة وبمن يقوم بالتكرير، ويبيعون النفط ومشتقاته البدائية محلياً للاستخدام المحلي بسبب الحاجة، وتعود هذه العائدات الكبيرة للمجموعات المسيطرة ذاتها ولا تستخدم لمصلحة المنطقة التي يتواجد فيها عبر المجالس المحلية مثلاً.
وبالتالي فقد أصبح الكثيرون أثرياء حرب من خلال هذا النفط كما من خلال غيره من الأعمال (شبيحة المعارضة). أما التصدير إلى خارج سوريا فلا معلومات لدي عن أي تصدير، وأعتقد أنه من الصعب تصدير النفط الآن، فهو مستخرج خام من الآبار ولا يتم تنقيته كما كان في السابق، إذ عندما يستخرج النفط يتم معالجته في الحقول في المنشآت الموجود من أجل تنقيته من المياه والأتربة والشوائب قبل ضخه في الأنابيب نحو المصافي أو نحو التصدير. ثم إن ما ينتج الآن بطريقة بدائية من الآبار ذاتية الإنتاج، أي التي يسيل النفط منها بمجرد فتح فم البئر، فلا يكفي الاستهلاك المحلي كي يبقى شيء للتصدير. ولكن حتى فكرة إطلاق مشروع مركزي من قبل الحكومة المؤقتة يعيد تنظيم إنتاج حقول النفط التي تحت يد المعارضة واستخدام وارداتها لمصلحة عموم سكان المناطق التي يتواجد فيها حقول النفط بدلاً من الوضع الحالي فإن هذا دونه صعوبات كثيرة.
هروب النفط وربما نضوبه
* أيمكن إصلاح تهديم بنى القطاع النفطي وعودة الإنتاج لنحو 400 ألف برميل كما كان ..وما هي الصعوبات
** كان إنتاج النفط في سوريا مطلع 2011 نحو 380 ألف برميل وكان يتجه نحو الانخفاض، بينما كان إنتاج الغاز يتجه نحو الارتفاع. أما عودة حقول النفط إلى سابق عهدها، فهذا أمر صعب جداً، فإغلاق الحقول يؤدي عادة إلى هروب النفط أو تهدم الطبقات الجوفية للحقول، ما يجعل من الصعب إعادة الحقول إلى سابق عهدها في الإنتاج. وإضافة للتكاليف الكبيرة، فلا نعرف وضع منشآت النفط ذاتها، ووضع مستودعات قطع الغيار ومستلزمات التشغيل، فإن كانت المجموعات التي سيطرت على الآبار قد قامت بما قامت به المجموعات التي سيطرت على المصانع والمنشآت في حلب مثلاً، أي قامت بتفكيك بعض أجزاء المنشآت وبيعها ونهب مستودعات قطع الغيار وغيرها، فستكون التكاليف أكبر بكثير. وبالتالي فإن إعادة إنتاج النفط في سوريا إلى مستوى 380 ألف برميل في اليوم أو زيادته يتوقف على وجود اكتشافات جديدة، وهذا ممكن ومحتمل سواء كان نفطا أم غازا وهذا يتطلب أولاً انتهاء الأزمة/الكارثة السورية وعودة الاستقرار التي بدونه لن تأتي أية شركة للتنقيب. وقد بات من المؤكد مثلاً وجود غاز في المياه البحرية الاقتصادية المقابلة للسواحل السورية والتي يسعى النظام الآن لإبرام اتفاقات مع شركات روسية لبدء التنقيب فيها.
فعلا لماذا
* أخيرا، لماذا لم يسقط النظام من بوابة الاقتصاد كما توقع البعض، وهل تعتقد أن الاقتصاد السوري سيصمد؟
** الاقتصاد يُسقط الأنظمة الديمقراطية بسهولة لأنه يكفي بضع مظاهرات وقناعة يتم قياسها عبر استطلاعات الرأي أن المواطنين يريدون التغيير -يكفي ذلك- حتى تسقط الحكومة وتشكل حكومة جديدة أو تجري انتخابات تشريعية مبكرة. أما في الأنظمة المستبدة فالحكاية مأساوية.
طالما أن لدى النظام السوري قدرة على تمويل آلته الحربية عبر إيران وروسيا وطالما أن آلته الحربية قد تم تعزيزها بالآلات الحربية لحزب الله ولقوات عراقية ومن إيران فإنه سيستطيع الاستمرار، وطالما أنه يستطيع عبر المساعدات تأمين حد أدنى من احتياجاته عبر المصادر التي ذكرناها أعلاه، فهو سيبقى قادرا على الاستمرار. وقد ساعد النظام على البقاء تحويل الصراع من صراع سوري بين شعب يطالب بالتغيير ونظام يصر على عدم التغيير ويستخدم حله الأمني للقضاء على أية مطالبة بالتغيير، إلى صراع إقليمي مذهبي يؤمن له مصادر خارجية وخاصة من العراق وإيران. بالطبع هذا الاستمرار سيكون مهددا في حال استطالة الأزمة السورية لسنوات قادمة، فمصادر الداعمين ستكون شحيحة حينها ما لم يتحول الصراع إلى صراع إقليمي مفتوح.
عدنان عبدالرزاق - زمان الوصل
تعليقات حول الموضوع
لإرسال تعليق,الرجاء تعبئة الحقول التالية